المُستَقيم

mustaqim جذر · ق-و-م 7 مَواضِعَ في القرآن
التَّعريف الجَذريّ
القائمُ بنَفسِه الذي لا يَميلُ ولا يَتَهاوى. ليس فَقَط غَيرَ مُعوَجٍّ، بل ذو قِوامٍ داخِليٍّ يَقومُ بسالِكيه ولا تَنقُصُ استِقامتُه بمَيلِهِم. **صِفةٌ بِنيَويَّةٌ تُحَدِّدُ نَوعَ الصِّراطِ المَطلوب**: لَيسَ مُجَرَّدَ مَسلَكٍ، بَل مَسلَكٌ ذو قِوامٍ يَستَنهِضُ القِيامَ في سالِكِه.

تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر

ثلاثةُ حُروف:

  • ق: حرفٌ نافِذٌ من أقصى الحَنَك. شِحنَتُه: قَطعٌ وضَبطٌ نافِذ،

حَدٌّ مُحكَمٌ من الجَوف.

  • و: وَصلٌ ورَبط، امتِدادٌ مَوصول. (الشِّحنةُ ذاتُها في

اليَوم القِسم ١.)

  • م: تَجَمُّعٌ وتَلاصُق.

النَّواةُ قو (ق + و) = ضَبطٌ يُوصَل، حَدٌّ مُحكَمٌ يَنعَقِدُ ثُمَّ يَمتَدُّ مَوصولاً. الإغلاقُ بـم يَجمَعُ هذا المَوصولَ في حَيِّز، فيَصيرُ الجَذرُ كلُّه: ضَبطٌ يَنعَقِدُ ويَمتَدُّ في حَيِّزٍ مَلموس، بِنيَةٌ تَستَوي فَتَقومُ.

ومنه في كلامِ العَرَب:

  • قامَ، يَقوم: ارتَفَعَ ووَقَفَ مُنتَصِباً. الفِعلُ الأَوَّلُ

للجَذر.

  • القَيِّم: الذي يَقومُ بأَمرِ غَيرِه. وَزنُ فَيعِل (صِفةٌ مُشَبَّهة

راسِخة).

  • القَيُّوم: اسمُ اللهِ الذي يَقومُ على الخَلقِ كُلِّه (٢:٢٥٥،

وهي مَنشورةٌ ولَها مَفهومُها). وَزنُ فَيعول (صِفةٌ مُشَبَّهة في غايةِ المُبالَغة).

  • القِوام: البِنيَةُ التي يَقومُ عَلَيها الشَّيء.
  • الإقامة (وَزن إفعال): جَعلُ الشَّيءِ قائماً. «أقامَ الصَّلاة» =

أَقَعَها على قِوامِها.

  • الاستِقامة (وَزن استِفعال): طَلَبُ القِيامِ، أو صَيرورَتُه. مَن

«استَقام»، طَلَبَ القِيامَ بنَفسِه فحَصَّلَه.

الشِّحنةُ الجامعةُ للجَذرِ ق-و-م: بِنيَةٌ تَستَوي فَتَقومُ. الجَذرُ عائِلَةٌ كَبيرةٌ من الكَلِماتِ كلُّها تَدورُ على الانتِصابِ والقِوامِ والقِيام: أن تَستَوي البِنيَةُ فيَقومَ ما عَلَيه.

الصِّيَغ: وَزنُ «المُستَقيم»

«المُستَقيم» اسمُ مَفعولٍ من «استَقامَ» على وَزنِ مُستَفعِل. الفِعلُ «استَقامَ» على وَزنِ استَفعَل. الوَزنانِ مُتَلازِمان.

وَزنُ استَفعَل في العَربيّةِ يَدُلُّ غالِباً على طَلَبِ الفِعل (كما في الاستِعانة القِسم ٢: استَعانَ = طَلَبَ العَون). في «استَقامَ» الوَزنُ يَدُلُّ على صَيرورَةِ القِيامِ من جَهَدٍ ذاتيّ: الاستِقامةُ ليست قِياماً مَوهوباً، هي قِيامٌ بُذِلَ فيه جُهدٌ من جانِبِ القائم.

«المُستَقيم» = الذي صارَ قائماً، الذي تَحَقَّقَ فيه القِيامُ.

الجَذرُ قَبلَ الوَزن: الجَذرُ ق-و-م يُعطي «بِنيَةً تَستَوي فَتَقومُ».

الوَزنُ يَختارُ من هذه الشِّحنةِ صورَتَها المُتَحَقِّقةَ بَعدَ جَهَد:

ما اِستَقامَ هو ما حَصَّلَ القِيامَ. لو حُذِفَ ذِكرُ الوَزن، يَبقى

المعنى ناقِصاً (ما الفَرقُ بَين «المُستَقيم» و«القائِم»؟). فالوَزنُ

هنا يُضيفُ «الجُهدَ السابِق». لكنَّ الجَذرَ هو الذي يُعطي شِحنةَ

«القِيام» نَفسَها قَبلَ كلِّ شَيء.

المِفتاحُ البِنيَويُّ، المُستَقيمُ كَصِفةٍ بِنيَويَّةٍ لِلصِّراط: لَيسَ المُستَقيمُ بِنفسِه إطاراً، هو الصِّفةُ التي تُحَوِّلُ الصِّراطَ إلى الإطارِ الذي يَستَنهِضُ قِيامَ سالِكِه. الصِّراطُ بِلا «مُستَقيم» يَبقى مَسلَكاً عاماً قَد يَلتَوي مَع المَيلِ؛ الصِّراطُ المَوصوفُ بِالمُستَقيمِ يَقومُ بِنَفسِه فَيَفرِضُ القِيامَ على من يَسلُكُه.

التَّفاعُلُ مَع وَزنِ افتَعَل (الذي رَأَيناه في التَّقوى، اتَّقى = حَرَسَ نَفسَه) ووَزنِ استَفعَل (هُنا، استَقامَ = طَلَبَ القِيامَ في نَفسِه) كاشِف: كِلا الوَزنَين يَعكِسُ الفِعلَ على الذَّاتِ. التَّقوى وَالاستِقامةُ يَلتَقيانِ في بُنيَتَين مُتَوازِيَتَين: الشِّحنةُ الخارِجيَّةُ (الحِراسةُ، القِيام) تَنزَلِقُ إلى الذَّاتِ فتُمارَسُ عَلَيها. كِلاهُما بِناءٌ مُنعَكِسٌ (انظُر قانونَ البِناءِ الذّاتيّ).

والمُستَقيمُ يَحمِلُ بُعداً إضافيّاً: يَستَنهِضُ القِيامَ في غَيرِه. مَن سَلَكَه صارَ مُستَقيماً بِه. الصِّفةُ تَنتَقِلُ من المَسلَكِ إلى السَّالِك.

الفُروق المَعنويّة: الجِذرُ ذاتُه في صِيَغٍ أُخرى

  • qiyam (القِيام): الجَذرُ في صيغةِ المصدَر الفِعلِيّ.

الفِعلُ نَفسُه. لا مَفهومَ لَه في المُعجَمِ إلى الآن، وهو وارِدٌ في المَنشورِ (٢:٢٠ ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾)، فيُذكَرُ هُنا نَثراً بِلا إحالة.

  • الإقامة (الإقامة، أَقامَ): الجَذرُ في وَزنِ إفعال (تَعدِية:

جَعَلَ غَيرَه قائماً). تَلتَقي صَريحاً في 2:3 ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾. مَفهوم مُنفَصِل لأنَّ الشِّحنةَ مُتَمَيِّزة (التَّعدِية).

  • القَيُّوم (القَيُّوم): الجَذرُ في وَزنِ المُبالَغة. اسمُ الله.

مَفهوم مُنفَصِل في divine-names/، وقَد أُنشِئَ ومَوضِعُه ٢:٢٥٥.

المَواضع: مَواقعُ المُستَقيمِ في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)

  • ١:٦ ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾: مَوضعُ الافتِتاح.

الكَلِمةُ تَدخُلُ القرآنَ صِفةً للصِّراط. وَصفُ الصِّراطِ بـ«المُستَقيم» يُحَدِّدُه بأمرَين معاً: 1. لَيسَ مُعوَجّاً (المَعنى الأَدنى). 2. قائمٌ بنَفسِه، له قِوامٌ داخِليّ، لا يَميلُ بمَيلِ سالِكيه (المَعنى الأكبَر). الفاتِحةُ تَطلُبُ هَدياً إلى صِراطٍ يَقومُ بِذاتِه، لا إلى صِراطٍ يَتَشَكَّلُ بحَسَبِ خَطوَةِ السّالِك.

  • ٢:١٤٢ ﴿قُل لِّلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾: المُستَقيمُ في صيغةِ النَّكِرة. الجَديدُ: الانتِقالُ من المُعَرَّفِ (الفاتِحة) إلى النَّكِرَة (البَقَرة). «صِراطٍ مُستَقيم» بِلا ال، صِراطٌ من بَين صِراطاتٍ كَثيرة. الهِدايةُ هُنا تَوزيعٌ إِلَهيٌّ على من يَشاء، والصِّراطُ المُستَقيمُ هُنا صِراطُ القِبلَةِ الجَديدةِ بَعد التَّحويل. لَيسَ كُلُّ مَن في الأَرضِ يُقَرَّرُ لَه صِراطٌ واحِد، بَل مَن أَرادَ اللهُ هَدايَتَه يَدخُلُ في صِراطِه القائِمِ بِذاتِه. التَّعريفُ والتَّنكيرُ بَين الفاتِحةِ والبَقَرَة يَكشِفانِ: الفاتِحةُ تَطلُبُ المُعَرَّفَ المَعهودَ في الإِنزال، والبَقَرَةُ تُؤَكِّدُ أنَّ هذا المَعهودَ يُنالُ بِالمَشيئَة. انظُر القِبلة والهِداية.
  • ٢:٢١٣ ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾: تَكرارُ الصِّيغةِ ذاتِها مَن ٢:١٤٢. الجَديدُ: السِّياقُ مُختَلِف، هُنا في إطارِ اختِلافِ الأُمَّةِ بَعدَ أن كانَت أُمَّةً واحِدةً ثُمَّ بَعَثَ اللهُ النَّبيِّينَ مُبَشِّرينَ ومُنذِرين. المُستَقيمُ هُنا يَدخُلُ بَعدَ المَشهَدِ التَّاريخيِّ لِلاختِلاف: مَن يَشاءُ اللهُ هَدايَتَه يَهديه إلى صِراطٍ يَقومُ بِذاتِه فَيُعيدُه إلى أَصلِ الأُمَّةِ الواحِدَة. وَزنُ «استَفعَل» يَكشِفُ هُنا بُعداً جَديداً: المُستَقيمُ يَستَنهِضُ القِيامَ مِمَّن سَلَكَه، يُعيدُه إلى الجَمعِ الأَوَّل بَعدَ التَّفَرُّقِ في الاختِلاف. انظُر الأُمَّة والاختِلاف.
  • ١٧:٩ ﴿يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾: الجَديدُ: يَرِدُ الجَذرُ اسمَ تَفضيلٍ لا وَصفاً ثابِتاً. كانَ في المَواضِعِ كُلِّها نَعتاً لِلصِّراطِ لا يَقبَلُ دَرَجةً ولا يُقاسُ بِغَيرِه، ويُقالُ هُنا ﴿لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾: فالقِوامُ يَتَفاضَلُ حينَ يوصَفُ بِه ما يُهدى إليه، ولا يَتَفاضَلُ حينَ يوصَفُ بِه الصِّراطُ نَفسُه. والمَوصوفُ مُبهَمٌ بِـ«الَّتي» فلا يُسَمّى، والمُفَضَّلُ عَلَيه مَحذوفٌ فالتَّفضيلُ مَفتوحٌ لا يُقاسُ بِمُعَيَّن. انظُر القَيِّمة.
  • ١٧:٣٥ ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾: الجَديدُ: يوصَفُ بِالاستِقامةِ أداةُ وَزنٍ لا طَريق. كانَ الوَصفُ في المَواضِعِ كُلِّها نَعتاً لِلصِّراط، فيَثبُتُ هُنا أنَّ الصِّفةَ بِنيَويَّةٌ في المَوصوفِ نَفسِه لا في سالِكِه: المِيزانُ المُستَقيمُ ما لا يَميلُ بِثِقلِ ما يوضَعُ فيه، كَما أنَّ الصِّراطَ المُستَقيمَ ما لا تَنقُصُ استِقامَتُه بِمَيلِ سالِكيه. فالقِوامُ الداخِليُّ واحِدٌ في الأداةِ والمَسلَك، وبِه يُقاسُ في الحالَينِ ما يوضَعُ عَلَيه. وتَمامُ الآيةِ يَجعَلُ الوَزنَ بِالمُستَقيمِ ﴿خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾، فيُوصَلُ القِوامُ بِالعاقِبة. انظُر الإِحسان.
  • ٢٠:١٠٧ ﴿لَّا تَرَىٰ فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾: الجَديدُ: يُقالُ المَعنى من جِهةِ ضِدِّه المَنفِيّ: ﴿عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾. وصَدرُ هذا المَفهومِ يُقَرِّرُ أنَّ المُستَقيمَ لَيسَ مُجَرَّدَ ما لا عِوَجَ فيه بَل ذو قِوامٍ يَقومُ بِسالِكيه، وتُعطي هذه الآيةُ الطَّرَفَ الآخَرَ: الحَدَّ الأدنى الذي بِارتِفاعِه تُوصَفُ الأرضُ يَومَئِذٍ. والنَّفيُ مُعَلَّقٌ بِالرُّؤية ﴿لَّا تَرَىٰ فِيهَا﴾، فهي هُنا صِفةُ سَطحٍ يُنظَرُ إليه لا صِفةُ مَسلَكٍ يُسلَك، ويَنتَفي مَعَ العِوَجِ الارتِفاعُ أيضاً فلا مَيلَ ولا نُتوء. وقَيدٌ مُسَجَّل: لَفظا الآيةِ من ع-و-ج و أ-م-ت ولا مَفهومَ لَهُما في المُدَوَّن، فدُخولُها بِالمَعنى لا بِالجَذر.
  • ٣٦:٤ ﴿عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾: الجَديدُ: يوصَفُ حامِلُ الرِّسالةِ بِأنَّه على الصِّراط، فيَنتَقِلُ الوَصفُ من الطَّريقِ إلى السّائرِ فيه. وهو نَكِرةٌ هُنا لا مُعَرَّفٌ كما في الفاتِحة، فيُقرَأُ حالاً قائمةً لا مَطلوباً يُسأَل. انظُر الصِّراط.

التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى

  • sirat: التَّجاوُرُ المُلازِمُ في 1:6. الصِّراطُ والمُستَقيمُ

زَوجٌ بِنيَويّ.

  • hidaya: التَّجاوُرُ في 1:6. الهِدايةُ مَطلوبةٌ إلى صِراطٍ

مُستَقيم، لا إلى أيِّ صِراط.

  • salat: تَقاطُعٌ بِنيَويٌّ في الجَذرِ نَفسِه: «أَقامَ الصَّلاةَ»

من ق-و-م كذلك. الصَّلاةُ التي «تُقام» على قِوامِها هي صَلاةُ المُستَقيمين. وتَفصيلُ ذلك في الصَّلاة والإقامة، وكِلاهُما مُنشَأٌ في المُعجَم.

الإشكالات المَفتوحة

  • هل «استَقامَ» في القرآنِ تَستَلزِمُ جُهداً ذاتيّاً، أم هي مَوهوبة؟

القراءاتُ مَفتوحة. مَوقِفُنا: الجَذرُ يَتَحَمَّلُ الوَجهَين، الوَزنُ يُرَجِّحُ الجُهد. لكنَّ الجُهدَ ذاتَه مَوهوبٌ في القرآن («ولَولا فَضلُ اللهِ عَلَيكُم ورَحمَتُه ما زَكى مِنكُم من أَحَدٍ أَبَداً»، في سورةٍ لَم تُنشَر بَعد، فلا يُنقَلُ بِرَسمِه). فالاستِقامةُ جُهدٌ يَنطَلِقُ في فَضلٍ سابِق. هذا قَريبٌ من إشكالِ الهِداية في القِسم ٦ من الهِداية.

مَواضِعُ هذا المَفهومِ في القرآن