الصُّورُ والتَّصوير
إطباقٌ صُلبٌ يَحوزُ جَوفاً، ويَجري فيه ما يَنفُذُ خِلالَه. مِنه الهَيئةُ التي تُحيطُ بِما فيها فتُمَيِّزُه، ومِنه الجَوفُ الذي يُنفَخُ فيه فيَخرُجُ عَنه ما يَعُمّ.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
- ص: إطباقٌ صُلبٌ وإمساك.
شِحنَتُه: إطباقٌ صُلبٌ يُمسِكُ الحَدّ.
- و: عَقدٌ وإحاطةٌ واحتِواء.
شِحنَتُه: عَقدٌ يُحيطُ ويَحوز.
- ر: جَريانٌ مُستَرسِلٌ ونُفوذٌ مُمتَدّ.
شِحنَتُه: جَريانٌ يَنفُذُ مُمتَدّاً.
النَّواةُ صو (ص + و) = إطباقٌ صُلبٌ يَعقِدُ حَلقةً تُحيطُ بِجَوفٍ فتَحوزُه. والإغلاقُ بـر يُجري في هذا الجَوفِ المُحاطِ ما يَمُرُّ فيه فيَنفُذُ مُمتَدّاً، فيَصيرُ الجَذرُ: جَوفٌ تُحيطُ بِه صَلابةٌ يَجري فيه ما يَنفُذُ خِلالَه.
ومنه في كَلامِ العَرَب: الصُّورةُ هَيئةٌ مَحدودةٌ تُحيطُ بِما فيها فتُمَيِّزُه من غَيرِه، والتَّصويرُ إعطاءُ الشَّيءِ حَدّاً يَحوزُه، وصارَ إلى كَذا مالَ إليه فانتَهى عِندَه.
الشِّحنةُ الجامِعة: حَدٌّ مَحوزٌ يَحتَوي، ويَنفُذُ مِنه إلى الخارِجِ ما جَرى في جَوفِه.
الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن
- يُصَوِّرُكُمْ (مُضارِعُ فَعَّل، مُتَعَدٍّ إلى المُخاطَبين)، ٣:٦:
وَزنُ التَّفعيلِ يَجعَلُ إعطاءَ الحَدِّ عَمَلاً يُزاوَلُ ويُتابَع، والمُضارِعُ يُبقيه جارِياً لا مُنقَضِياً.
- الصُّورِ (اسمٌ مُعَرَّفٌ مَجرور)، ٢٠:١٠٢ و٣٦:٥١: يَجيءُ في
المَوضِعَينِ مَعرِفةً بِلا نَعتٍ ولا بَيان، فيُعَيَّنُ ولا يوصَف، ويُذكَرُ مَجروراً بِـ«في» فيُقرَأُ جَوفاً يُنفَخُ فيه لا آلةً تُوصَف.
الجَذرُ قَبلَ الوَزن: الحِيازةُ والحَدُّ من الحُروف، والتَّفعيلُ
يُضيفُ المُزاوَلةَ والمُتابَعة.
الفُروق المَعنويّة
لا فَرعَ مُستَقِلّاً لِهذا الجَذرِ في المَنشور: لا «صُورة» مُفرَدةً ولا «مُصَوِّر» ولا «تَصوير» مَصدَراً. والوَجهانِ المَكتوبانِ وَجها أصلٍ واحِد: الحَدُّ يُعطى لِما في الأرحام (٣:٦)، والجَوفُ المَحوزُ يُنفَخُ فيه فيَخرُجُ عَنه ما يَعُمُّ الخَلق (٢٠:١٠٢ و٣٦:٥١).
المَواضع: مَواقعُ الكَلِمةِ في المُصحَف (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٣:٦ ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾:
مَوضِعُ الافتِتاح. الحَدُّ يوضَعُ في مَحَلٍّ حاوٍ، فيَجتَمِعُ في السَّطرِ احتِواءانِ: احتِواءُ الرَّحِمِ لِما فيه، واحتِواءُ الهَيئةِ لِما تُمَيِّزُه. والمَفعولُ ضَميرُ المُخاطَبين، فالكَلامُ على السّامِعِ نَفسِه قَبلَ أن يُبصِر. و﴿كَيْفَ يَشَاءُ﴾ يَفتَحُ الهَيئاتِ ثُمَّ يَقطَعُ مِنها واحِدةً، فالحَدُّ اختِيارٌ لا اضطِرار.
- ٢٠:١٠٢ ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ﴾: الجَديدُ: يَنتَقِلُ الجَذرُ
من فِعلٍ يُصنَعُ بِه إلى اسمٍ يُنفَخُ فيه، ومن جَوفٍ يَحوي فَرداً في الأرحامِ إلى جَوفٍ يَخرُجُ مِنه ما يَعُمُّ الخَلقَ كُلَّه. وجاءَ مَعرِفةً بِلا وَصف، والفِعلُ قَبلَه مَبنيٌّ لِلمَجهولِ فلا يُسَمّى النّافِخ، فلا يُقالُ كَيفَ هو ولا مِمَّ هو. والظَّرفُ «يَوْمَ» يَجعَلُ النَّفخَ حَدَّ الوَقتِ الذي يُعَلَّقُ بِه ما بَعدَه.
- ٣٦:٥١ ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ﴾: الجَديدُ: يَنقَلِبُ الفِعلُ من مُضارِعٍ
مُعَلَّقٍ بِيَومٍ إلى ماضٍ مَحكِيٍّ قَد وَقَع، ويوصَلُ بِفاءِ المُفاجَأةِ بِما يَتلوه. فالجَوفُ الذي كانَ في المَوضِعِ السّابِقِ حَدَّ وَقتٍ يُنتَظَر، يَصيرُ هُنا مَبدَأَ حَرَكةٍ تَخرُجُ من مَحَلٍّ حاوٍ آخَر: الأجداثُ تُفتَحُ كَما فُتِحَ الصُّور، والخارِجونَ يَنسِلونَ إلى جِهةٍ واحِدة.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
khalq: ٣:٦ تَضَعُ إعطاءَ الحَدِّ في مَجرى التَّكوين، فالتَّصويرُ
مَرحَلةٌ تُمَيِّزُ ما خُلِق.
mashia: ٣:٦ تُقَيِّدُ الهَيئةَ بِـ﴿كَيْفَ يَشَاءُ﴾، فالحَدُّ
مُنتَخَبٌ من إمكانٍ مَفتوح.
hashr: ٢٠:١٠٢ تَصِلُ النَّفخَ بِضَمِّ المُتَفَرِّقِ في جِهةٍ
واحِدة، فما خَرَجَ من جَوفٍ يُساقُ إلى جَوف.
ba3th: ٣٦:٥١ تَجعَلُ النَّفخَ مَبدَأَ الخُروجِ من الأجداث.yawm: ٢٠:١٠٢ تُعَلِّقُ النَّفخَ بِظَرفِ يَومٍ يُعَيَّنُ بِه ما
بَعدَه.
surr: يُجاوِرُ هذا المَفهومَ في اللَّفظِ لا في الجَذر، وفيه
قِراءةُ ٢:٢٦٠.
الإشكالات المَفتوحة
- هل «الصُّورِ» جَمعٌ لِهَيئاتٍ أم اسمٌ لِجَوفٍ يُنفَخُ فيه؟
المَوقِفُ من الحُروف: الأصلُ واحِدٌ يَحتَمِلُ الوَجهَين، لِأنَّ الجَذرَ يُعطي جَوفاً مَحوزاً يَنفُذُ مِنه ما جَرى فيه. والمَوضِعانِ يَجُرّانِ اللَّفظَ بِـ«في» ولا يَنعَتانِه، فلا يَحمِلُ المَتنُ ما يُرَجِّحُ به أحَدُ الوَجهَينِ على الآخَر.
- ﴿فَصُرْهُنَّ﴾ في ٢:٢٦٠ خارِجٌ عن هذا المَفهوم. قِراءةُ المُدَوَّنةِ
تَضَعُ ذلكَ الأمرَ في surr على جَذرِ ص-ر-ر، فلَم يُسَجَّل هُنا ولَم يُدرَج لَفظُه في الصِّيَغ. ولَو قُرِئَ من هذا الجَذرِ لَكانَ إمالةً وإدارةً نَحوَ الذّات، وهو قَريبٌ من الحِيازةِ التي يُعطيها ص-و-ر، والفَصلُ قائِمٌ على ما اختارَته المُدَوَّنةُ في مَوضِعِه.