آل عمران · الآية 6

﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ

«هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ»: الفِعلُ يَبلُغُ كُلَّ مُخاطَب

تَبدأُ الآيةُ بالضَّميرِ «هو» الذي أغلَقَت به آيةُ الوَحدانيّةِ قَبلَها. ثُمَّ تَصِلُ الضَّميرَ بفِعلٍ مُضارِع: «يُصَوِّركم». الفِعلُ جارٍ، والمَفعولُ ضَميرُ جَمعٍ يَضُمُّ المُخاطَبينَ إلى المَشهَد. لا يَقفُ التصويرُ أمامَ صورةٍ بعيدةٍ يَنظُرونَ إليها، بل يَبلُغُهم هُم: الأجسادُ التي يَسمَعونَ بها الآيةَ هي داخِلةٌ في فِعلِها.

والتصويرُ من ص-و-ر: إمساكُ حَدٍّ يَتَّصِلُ ثُمَّ يَجري فيَظهَرُ هيئةً مَخصوصة. الصورةُ ليست مادّةً أُخرى فوقَ الشيء، بل الحَدُّ الذي يَجعَلُه يُرى على هيئةٍ ولا يَلتَبِسُ بكلِّ هيئة. وصيغةُ التفعيلِ في «يُصَوِّر» تُبقي الفِعلَ عامِلاً في التكوين. ما يَظهَرُ للعينِ أخيراً سَبَقَه عَمَلُ حَدٍّ في الخَفاء.

«فِي الْأَرْحَامِ»: صُوَرٌ تَتَكَوَّنُ داخِلَ احتِواء

مَكانُ التصويرِ في الآيةِ هو «الأرحام»، جَمعٌ لا مُفرَد. والرَّحِمُ من ر-ح-م: جَريانٌ يَدخُلُ في احتواءٍ باطِنٍ ثُمَّ يُضَمُّ ويُجمَع. فالمَكانُ ليس فَراغاً مُحايداً، بل حَيِّزٌ مُحيطٌ تَتَكوَّنُ الصورةُ في داخِلِه. والجِذرُ نَفسُه يَحمِلُ الرَّحمة، كأنَّ الحِمايةَ ليست فكرةً مُضافةً إلى المَكان، بل في هيئةِ احتوائِه.

وحَرفُ «في» يَمنَعُ الصُّورةَ من أن تُفهَمَ قِناعاً يُوضَعُ على سَطحٍ مُكتَمِل. إنَّها تَتَكَوَّنُ من داخِلِ مَحلٍّ حاوٍ. قبلَ أن يَخرُجَ الشَّكلُ إلى العَين، يَكونُ مَحمولاً في غَيبِ الرَّحِم. كُلُّ وَجهٍ ظاهِرٍ كانَ أوّلاً صورةً لا يَراها صاحِبُها.

«كَيْفَ يَشَاءُ»: الكَيفُ مَذكورٌ وغيرُ مُعَيَّن

تَذكُرُ الآيةُ «كيف» ولا تَملأُها بتَفصيل. إنَّها تَفتَحُ سؤالَ الهيئةِ كُلَّه، ثُمَّ تَرُدُّه إلى «يشاء». والجِذرُ ش-ي-ء يَحمِلُ إمكاناً يَمتَدُّ ثُمَّ يُقطَعُ في وَحدةٍ مُعَيَّنة، فالمَشيئةُ تُخرِجُ من مَجالِ الإمكانِ شيئاً ذا حَدّ. عدمُ تَعيينِ الكَيفِ ليس فَراغاً في الجُملة، بل حَدٌّ تَضَعُه الجُملةُ للقارئ. يُرى الشَّكلُ، ولا يُملَكُ سِرُّ اختيارِه.

«الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ»: قُدرةٌ لا تَنفَصِلُ عن إحكام

تَعودُ خاتمةُ الآيةِ إلى «لا إله إلّا هو»، ثُمَّ تَختارُ اسمَينِ يَليقانِ بفِعلِ التصوير: «العزيز الحكيم». العِزّةُ تَمنَعُ أن يُعجِزَه الكَيف، والحِكمةُ من ح-ك-م احتواءٌ مُحكَمٌ يَضُمُّ الأجزاءَ ولا يَترُكُها مُرسَلة. ليست القدرةُ في الآيةِ حركةً عمياء، ولا الحكمةُ فِكرةً بلا فِعل. اليدُ التي تُحكِمُ الحَدَّ هي نفسُها التي لا يَمنَعُها مانِع.


حَصيلة

يُدخِلُ «يُصَوِّركم» كُلَّ قارئٍ في الفِعل، وتُدخِلُ «في الأرحام» الفِعلَ في مَحلٍّ حاوٍ لا تَراه العَين، وتَفتَحُ «كيف» إمكاناتِ الهيئةِ ثُمَّ تَترُكُ تَعيينَها للمَشيئة. هكذا تَخرُجُ الصُّورةُ من احتواءٍ خَفيٍّ إلى حَدٍّ ظاهِر، بينَ عِزّةٍ لا تُمنَع وحِكمةٍ لا تَترُكُ الحَدَّ مُختَلّاً. الوَجهُ الذي نَعرِفُ به أنفُسَنا كانَ عَملاً يَجري حينَ لم تَكُن لنا عينٌ نَعرِفُه بها.