العَضل
ضَغطٌ مُلتَحِمٌ يَعلَقُ بِالشَّيءِ فيُعسِرُ خُروجَه. مِنه العَضَلةُ لَحماً مُكتَنِزاً مَشدوداً، والوِلادةُ يَعسُرُ فيها خُروجُ الوَلَد، والدّاءُ لا يَنفَكُّ عن صاحِبِه. والقُرآنُ لا يَكتُبُ الجَذرَ إلّا مَرَّتَين، كِلتاهُما نَهيٌ عن عَضلِ النِّساءِ بِاللَّفظِ نَفسِه، وفي كِلتَيهِما يُسَمّى ما يَتلو القَبضة: مَخرَجٌ يُسَدّ، أو ثَمَنٌ يُؤخَذُ لِلخُروج.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
ثَلاثةُ حُروف:
- ع: قَبضٌ يَلتَحِمُ في أقصى الحَلقِ على رِقّة، ويَجري فيه النَّفَسُ
المَجهورُ في أضيَقِ المَجاري وأعمَقِها. شِحنَتُه: القبضُ والالتحامُ الحلقيّ.
- ض: انطِباقٌ عَريضٌ ثَقيلٌ لِحافّةِ اللِّسانِ على الحَنَك، يَحتَبِسُ
تَحتَه النَّفَسُ مَضغوطاً بِكَثافة. شِحنَتُه: الاحتباسُ والضغطُ بكثافة.
- ل: تَعَلُّقُ طَرَفِ اللِّسانِ بِأصلِ الثَّنايا التِصاقاً، مَعَ جَرَيانِ
الصَّوتِ من جانِبَيِ اللِّسان. شِحنَتُه: التعلُّق والالتصاق والحَوز.
النَّواةُ عض (ع + ض) = قَبضٌ يَلتَحِمُ على الشَّيءِ ويَضغَطُه بِكَثافةٍ فيَحبِسُه. ثُمَّ ل (التعلُّق والالتصاق والحَوز) تُعَلِّقُ هذا الضَّغطَ بِمَحَلِّه وتُلصِقُه بِه فلا يَنفَكّ. فالجَذرُ كُلُّه: ضَغطٌ مُلتَحِمٌ يَعلَقُ بِالشَّيءِ فيُعسِرُ خُروجَه: الاحتِباسُ الذي في ض يُمسِكُ ما في القَبضة، واللُّصوقُ الذي في ل يُديمُه.
ومنه في كَلامِ العَرَب:
- العَضَلة: لَحمٌ مُكتَنِزٌ مَشدودٌ بَعضُه إلى بَعض، وهي الضَّغطُ
المُلتَحِمُ قائماً في البَدَن.
- عَضَلَتِ المَرأةُ بِوَلَدِها: عَسُرَ خُروجُه فنَشِبَ، والقَبضةُ هُنا على ما
يُريدُ الخُروج.
- الدّاءُ العُضال: ما يَعلَقُ بِصاحِبِه فلا يَنفَكُّ عَنه.
- المُعضِلة: أمرٌ ضاقَ مَخرَجُه فلا يُهتَدى إلى وَجهِه.
فالمَعاني كُلُّها حَرَكةٌ واحِدة: قَبضةٌ تَضغَطُ وتَلصَقُ فيَعسُرُ الخُروجُ مِنها. والمَنعُ الذي يُذكَرُ في مَعنى «عَضَلَ» هو هذه القَبضةُ مَنظوراً إلَيها من جِهةِ المَخرَجِ الذي تَسُدُّه، والشِّدّةُ التي تُذكَرُ فيه هي القَبضةُ نَفسُها مَنظوراً إلَيها من جِهةِ ضَغطِها.
الشِّحنةُ الجامِعةُ لِلجَذرِ ع-ض-ل: قَبضةٌ ضاغِطةٌ لاصِقةٌ تُعسِرُ على المَقبوضِ خُروجَه. وهذا يَضبِطُ قِراءةَ الكَلِمةِ في القُرآنِ في مَسأَلَتَين:
الأولى: لِماذا يُذكَرُ الخُروجُ مَعَ العَضلِ في المَوضِعَين. ما دامَ الجَذرُ قَبضةً تُعسِرُ الخُروج، فلا يَتِمُّ مَعناه حتّى يُعرَفَ الخُروجُ الذي يُعسَر. وكَذلك جاءَ: في (٢:٢٣٢) يَتلو الفِعلَ «أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ»، وهو المَخرَجُ الذي تُحبَسُ عَنه المَرأة، وفي (٤:١٩) يَتلوه «لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ»، وهو الثَّمَنُ الذي يُؤخَذُ مِنها لِتَخرُج.
الثّانية: لِماذا يَرِدُ الإمساكُ مَأموراً بِه ومَنهِيّاً عَنه، والعَضلُ مَنهِيّاً عَنه وَحدَه. في (٢:٢٣١) قَبلَ المَوضِعِ الأوَّل، وهي تَفتَتِحُ بِاللَّفظِ الذي يَفتَتِحُ بِه: «وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ»، يُؤمَرُ بِـ«فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ» ويُنهى عن «وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُوا»، فالإمساكُ يُحمَدُ ويُذَمُّ بِما يَصحَبُه. والعَضلُ في حُروفِه إمساكٌ فيه ضَغطٌ لاصِق، فالضِّيقُ في الجَذرِ نَفسِه، وهذا يُوافِقُ أنَّه لا يَرِدُ في القُرآنِ إلّا مَنهِيّاً عَنه.
الصِّيَغ: كيف يَرِدُ في القرآن
- تَعضُلوهُنَّ (مُضارِعٌ مَجزومٌ بِـ«لا» النّاهيةِ لِجَماعةِ المُخاطَبين، من
المُجَرَّدِ عَضَلَ يَعضُلُ، ومَفعولُه ضَميرُ النِّسوة): مَرَّتان، بَعدَ الفاءِ في (٢:٢٣٢) وبَعدَ الواوِ في (٤:١٩)، وهي الصّيغةُ الوَحيدةُ لِلجَذرِ في القُرآنِ كُلِّه.
الجَذرُ قَبلَ الوَزن: الفِعلُ مُجَرَّدٌ مُتَعَدٍّ بِنَفسِه، يَقَعُ على ضَميرِ
النِّساءِ بِلا حَرفِ جَرّ، فالقَبضةُ تَلصَقُ بِالمَرأةِ نَفسِها، وهو ما تُعطيه
ل في آخِرِ الجَذر. ولا يَرِدُ في القُرآنِ مَصدَرُه ولا اسمُ فاعِلِه ولا
مَزيدُه، فلا يُسَمّى العَضلُ حالاً ولا يوصَفُ بِه أحَد، ويَبقى فِعلاً يُنهى
عَنه. وما يَتلو الفِعلَ يُتِمُّ مَعناه: مَصدَرٌ مُؤَوَّلٌ يُسَمّي المَخرَجَ في
الأوَّل، ولامُ تَعليلٍ تُسَمّي الغايةَ في الثّاني.
الفُروق المَعنويّة: مَفاهيمُ مُجاوِرةٌ من جُذورٍ أُخرى
لا فَرعَ آخَرَ لِلجَذرِ في القُرآن. والقَريبُ من جُذورٍ أُخرى:
imsak(الإمساك، م-س-ك): تَثبيتُ الشَّيءِ على حالِه، يُؤمَرُ بِه
بِمَعروفٍ ويُنهى عَنه ضِراراً في (٢:٢٣١). والعَضلُ إمساكٌ يَضغَطُ ويَلصَقُ حتّى يَعسُرَ الخُروج، فالفَرقُ بَينَهُما في ما تُعطيه ض ول: الضَّغطُ واللُّصوق.
hasr(الحَصر، ح-ص-ر): إحاطةٌ تُمسِكُ صاحِبَها في مَوضِعِه فتَقطَعُ
عَنه المُضِيّ، وتَقَعُ عَلَيه بِلا فاعِلٍ يُسَمّى: «فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ» (٢:١٩٦). والعَضلُ قَبضةٌ من فاعِلٍ مُخاطَبٍ تَلصَقُ بِالمَرأةِ نَفسِها، ويُسَمّى مَعَها المَخرَجُ الذي تَسُدُّه.
ikrah(الإكراه، ك-ر-ه): يُجاوِرُه في (٤:١٩): «لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا».
الإكراهُ حَملٌ على ما يُكرَه، والعَضلُ حَبسٌ دونَ ما يُراد: الأوَّلُ يَدفَعُ المَرأةَ إلى ما تَأباه، والثّاني يَقبِضُها دونَ ما تَطلُبُه.
المَواضع: مَواقعُ العَضلِ في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٢:٢٣٢ ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ﴾: مَوضِعُ الافتِتاح. «تَعضُلوهُنّ» مُضارِعٌ مَجزومٌ بِـ«لا» النّاهيةِ بَعدَ الفاء، والخِطابُ لِلجَماعةِ التي تَفتَتِحُ بِها الآيةُ ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾، ومَفعولُه ضَميرُ النِّساءِ اللّاتي بَلَغنَ أجَلَهُنّ. ثُمَّ يُسَمّى المَخرَجُ الذي يُحبَسنَ عَنه: نِكاحٌ فِعلُه لَهُنّ. الجَديدُ: يَدخُلُ الجَذرُ المُصحَفَ مَنهِيّاً عَنه، مُعَرَّفاً بِالمَخرَجِ الذي يَسُدُّه. والتَّراضي «بَينَهُم» بِضَميرِ الغائبين، فالمُتَراضونَ غَيرُ المُخاطَبين، والعاضِلُ قابِضٌ من خارِجِ طَرَفَينِ اتَّفَقا بِالمَعروف. انظُر النِّكاح.
- ٤:١٩ ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾: الصّيغةُ نَفسُها بَعدَ الواو، مَعطوفةً على نَهيٍ قَبلَها: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾. الجَديدُ: يَتَغَيَّرُ ما يَتلو الفِعل: كانَ في (٢:٢٣٢) مَخرَجاً يُسَدّ، وهو هُنا غايةٌ بِلامِ التَّعليل، فالقَبضةُ تُضَيِّقُ حتّى يَصيرَ الخُروجُ مِنها ثَمَناً: تَرُدُّ المَرأةُ بَعضَ ما أُعطِيَت لِتَخرُج. والعاضِلُ هُنا المُعطي نَفسُه، يَدُلُّ عَلَيه ضَميرُ «آتَيتُموهُنّ»، وكانَ في (٢:٢٣٢) قابِضاً من خارِجِ طَرَفَينِ اتَّفَقا. ويُقرَنُ العَضلُ بِالإرثِ كَرهاً، فيَجتَمِعُ فِعلانِ يَقَعانِ على المَرأةِ على غَيرِ إرادَتِها. انظُر الإكراه.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
- مَعَ الإمساك في ٢:٢٣١ و٢:٢٣٢: آيَتانِ مُتَتالِيَتانِ تَفتَتِحانِ بِاللَّفظِ
الواحِد، «وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ»، فتَبسُطانِ ما يُصنَعُ بَعدَ بُلوغِ الأجَل: إمساكٌ بِمَعروفٍ يُؤمَرُ بِه، وإمساكٌ ضِراراً يُنهى عَنه، ثُمَّ عَضلٌ يُنهى عَنه. فالقَبضةُ تَتَدَرَّجُ من إمساكٍ يُحمَدُ إلى ضَغطٍ لاصِقٍ يَسُدُّ المَخرَج.
فِعلٌ لِلنِّساءِ «أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ»، فالقَبضةُ تَقَعُ بَينَ المَرأةِ وفِعلِها هي.
- مَعَ المَعروف في ٢:٢٣٢ و٤:١٩: المَعروفُ في الأولى مِيزانُ تَراضٍ
يَقَعُ «بَينَهُم» والعاضِلُ خارِجَه، وفي الثّانيةِ مِيزانُ عِشرةٍ يُؤمَرُ بِها بَعدَ النَّهيِ عن العَضل: «وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ». فالمَعروفُ في المَوضِعَينِ ما يَحُلُّ مَحَلَّ القَبضة.
- مَعَ المَوعِظة في ٢:٢٣٢: يَتلو النَّهيَ «ذَٰلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ»،
فالمَوعِظةُ تُوَجَّهُ إلى مَن يَملِكُ القَبضة.
المَرأة: أن تُورَثَ كَرهاً، وأن تُعضَل، فالأوَّلُ يَجعَلُها شَيئاً يُنقَل، والثّاني يَجعَلُها مَقبوضةً تَتَنازَلُ عن بَعضِ حَقِّها لِتَخرُج.
الإشكالات المَفتوحة
- مَوضِعانِ فَقَط، وكِلاهُما نَهي. القُرآنُ لا يَكتُبُ الجَذرَ إلّا في
هاتَينِ الآيَتَين، وفي كِلتَيهِما يُنهى عَنه. والحُروفُ تُعطي قَبضةً ضاغِطةً لاصِقة، غَيرَ أنَّ مَوضِعَينِ مُتَّفِقَينِ لا يَفصِلانِ أهُوَ ذَمٌّ في الجَذرِ أم في المَوضِعَين، ولا شاهِدَ ثالِثٌ في المُصحَفِ يُفصَلُ بِه. مَفتوح.
- أحالٌ أم فِعل؟ لا يَرِدُ من الجَذرِ في القُرآنِ اسمٌ ولا صِفة، ولا يُسَمّى
أحَدٌ «عاضِلاً»، فالعَضلُ في القُرآنِ فِعلٌ يُكَفُّ عَنه لم يَصِرْ صِفةً تَلزَمُ صاحِبَها. والمُعجَمُ يَحفَظُ مِنه «العُضال» صِفةً لِما لا يَنفَكّ، فهل تَسكُتُ الآيَتانِ عن الصِّفةِ لِأنَّ المَنهيَّ عَنه فِعلٌ يُترَكُ لا حالٌ تَستَقِرّ؟ مَفتوح.