المَوعِظة
**رَبطٌ يَظهَرُ من العُمقِ فيُطبِقُ على القَلبِ حتّى يَرتَدِعَ**. لَيسَتِ المَوعِظةُ خَبَراً يُلقى ولا حُكماً يُبَيَّن، بَل شَيئاً يُوصَلُ بِالنَّفسِ ثُمَّ يُغَطّيها فيَحبِسُها عن مَعاوَدةِ ما كانَت عليه. ولِذلك لم يَخْلُ مَوضِعٌ من مَواضِعِها الخَمسةِ في المُسَجَّلِ من **تَسميَةِ المَحَلِّ الذي تُطبِقُ عليه**: ما لا يَلتَصِقُ لا يَعِظ.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
ثلاثةُ حُروف:
- و: تَستَديرُ الشَّفَتانِ حَلقةً تَشتَمِلُ على مَجرى النَّفَس،
فيَجري فيها الصَّوتُ وَصلاً مَمدوداً يَربِطُ ما قَبلَه بِما بَعدَه. شِحنَتُه: عَقدٌ يُحيطُ ووَصلٌ يَربِط.
- ع: قَبضٌ يَلتَحِمُ في أقصى الحَلقِ ويَجري في أعمَقِ المَجاري،
فيَظهَرُ الصَّوتُ من العُمقِ إلى الخارِج. شِحنَتُه: ظُهورٌ من العُمق.
- ظ: يَبرُزُ طَرَفُ اللِّسانِ بَينَ الأسنانِ ويُطبِقُ جِسمُه حاجِباً
سَقفَ الفَم، فيَجري النَّفَسُ غَليظاً مُفَخَّماً. شِحنَتُه: حَجبٌ وإطباقٌ غاشٍ.
النَّواةُ وَع (و + ع) = عَقدٌ يُحيطُ ثُمَّ يَظهَرُ من العُمق: رَبطٌ يُبرِزُ ما كانَ مُستَتِراً. والإغلاقُ بِـظ يُطبِقُ على هذا البارِزِ ويَغشاه، فيَصيرُ الجَذرُ كُلُّه: رَبطٌ يَظهَرُ من العُمقِ ثُمَّ يُطبِقُ على مَحَلِّه فيَحجُبُه عَمّا كانَ فيه.
ومنه في كلامِ العَرَب:
- وَعَظَه: ذَكَّرَه بِما يُلَيِّنُ قَلبَه فيَرتَدِع. ولا يُقالُ
لِمُجَرَّدِ الإخبار.
- اتَّعَظَ: قَبِلَ المَوعِظةَ فارتَدَع، وهو أثَرُ الإطباقِ في
المَوعوظ.
- العِظَة والمَوعِظة: ما يُوعَظُ بِه.
- والجَذرُ مُشارِكٌ في ظ لِـ«كَظَمَ» و«غاظَ»، وثَلاثَتُها في
الإطباقِ على ما في الجَوف: هذا يُطبِقُ لِيَرتَدِع، وذاكَ يُطبِقُ لِيَحبِس، والثّالِثُ أُطبِقَ عليه فامتَلَأ.
الشِّحنةُ الجامعةُ لِلجَذرِ و-ع-ظ: رَبطٌ يُطبِقُ فيَرتَدِعُ صاحِبُه. وهذا يَضبِطُ قِراءةَ الكَلِمةِ في القرآن: المَوعِظةُ لَيسَت في اللَّفظِ المُلقى بَل في التِصاقِه. ولِذلك لم تُذكَر في المُسَجَّلِ مُطلَقةً عن مَحَلٍّ قَطُّ: تُقصَرُ بِاللّامِ على مَن يَقبَلُها («لِلمُتَّقين» مَرَّتَين)، أو تُشتَرَطُ بِالإيمان («مَن كانَ مِنكُم يُؤمِنُ بِالله»، ٢:٢٣٢)، أو يُنصَبُ المَوعوظُ مَفعولاً بِه («يَعِظُكُم بِه»، ٢:٢٣١)، أو تُضافُ إلى مَصدَرِها ويُعَلَّقُ بِها انتِهاءٌ فَوريّ («مَوعِظةٌ مِن رَبِّه فانتَهى»، ٢:٢٧٥). فما لم يَجِدْ مَحَلاًّ يُطبِقُ عليه لم يُسَمَّ في هذا المُعجَمِ مَوعِظة.
الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن
- مَوعِظةً / مَوعِظةٌ (اسمُ المَكانِ والمَصدَرِ الميميّ): ثَلاثةُ
مَواضِع. اثنانِ مَقصورانِ بِاللّامِ على المُتَّقين (٢:٦٦ و٣:١٣٨)، والثّالِثُ مُضافٌ إلى مَصدَرِه ومُعَلَّقٌ بِانتِهاءِ مَن جاءَته (٢:٢٧٥).
- يوعَظُ (المُضارِعُ مَبنِيّاً لِلمَجهول): مَوضِعٌ واحِد، ونائِبُ
الفاعِلِ فيه مُقَيَّدٌ بِشَرطِ الإيمان.
- يَعِظُكُم (المُضارِعُ مَبنِيّاً لِلمَعلوم): مَوضِعٌ واحِد (٢:٢٣١)،
وفيه وَحدَه يَقومُ لِلفِعلِ فاعِلٌ ويَقَعُ المَوعوظُ مَفعولاً بِه مُتَّصِلاً.
الجَذرُ قَبلَ الوَزن: المَصدَرُ الميميُّ يُسَمّي ما يُوعَظُ بِه،
والمَبنيُّ لِلمَجهولِ يُسَمّي مَن يَقَعُ عليه، والمَبنيُّ لِلمَعلومِ
يَجمَعُ الطَّرَفَينِ في فِعلٍ واحِد. والغالِبُ في المُسَجَّلِ أن
يَنصَرِفَ النَّظَرُ إلى المَوعوظِ لا إلى الواعِظ، وفي أربَعةِ
مَواضِعَ من خَمسةٍ لا يُنَصُّ على الواعِظِ أصلاً.
الفُروق المَعنويّة: مَفاهيمُ مُجاوِرةٌ من جُذورٍ أُخرى
dhikr(الذِّكر، ذ-ك-ر): استِحضارُ ما غابَ عن البال. والمَوعِظةُ
إطباقٌ يُثمِرُ ارتِداعاً. فالتَّذكيرُ يُحضِرُ والمَوعِظةُ تَمنَع، وقد يَذكُرُ المَرءُ ولا يَتَّعِظ.
- البَيان (ب-ي-ن): كَشفُ المَعنى حتّى يَظهَر. وقد قُرِنا في ٣:١٣٨
مَعَ الهُدى في ثَلاثةٍ مُتَتالِية، ولِكُلٍّ مُتَعَلَّقُه: البَيانُ «لِلنّاس» عامّاً والمَوعِظةُ «لِلمُتَّقين» خاصّاً.
hidaya(الهِداية، هـ-د-ي): دَلالةٌ تُوصِلُ إلى الغاية.
والمَوعِظةُ تَحبِسُ عن الوِجهةِ الأولى. فالهِدايةُ تَدفَعُ إلى الأمامِ والمَوعِظةُ تَمنَعُ الرُّجوع.
- النَّكال (ن-ك-ل): عُقوبةٌ تُجعَلُ عِبرةً لِغَيرِ صاحِبِها. وقد
قُرِنَ بِالمَوعِظةِ في ٢:٦٦، فجُعِلَ الأمرُ الواحِدُ نَكالاً لِقَومٍ ومَوعِظةً لِآخَرين: الأثَرُ يَختَلِفُ بِاختِلافِ المَحَلّ.
المَواضع: مَواقعُ المَوعِظة في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٢:٦٦ ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ﴾: مَوضِعُ الافتِتاح. الجَديدُ: الكَلِمةُ تَدخُلُ القرآنَ مَعطوفةً على النَّكال، فيَنقَسِمُ أثَرُ الحادِثةِ الواحِدةِ قِسمَين: عُقوبةً تُخَوِّفُ مَن حَولَها، وإطباقاً يَرتَدِعُ بِه مَن اتَّقى. وتُقصَرُ بِاللّامِ على المُتَّقينَ من المَوضِعِ الأوَّل، فيَثبُتُ في الجَذرِ أنَّ الإطباقَ يَحتاجُ مَحَلاًّ يَقبَلُه. والمُتَّقونَ لا يُذكَرُ لَهُم نَكالٌ، فما كانَ عُقوبةً لِقَومٍ صارَ لِغَيرِهِم بَصيرة. انظُر التَّقوى.
- ٢:٢٣١ ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ﴾: الجَذرُ فِعلاً مَبنِيّاً لِلمَعلوم. الجَديدُ: هذا هو المَوضِعُ الوَحيدُ في المُسَجَّلِ الذي يَقومُ فيه لِلوَعظِ فاعِلٌ ويَقَعُ المَوعوظُ مَفعولاً بِه مُتَّصِلاً: «يَعِظُكُم». وآلةُ الوَعظِ مَذكورةٌ بِالباءِ وهي «ما أنزَلَ مِنَ الكِتابِ والحِكمة»، فيَتَبَيَّنُ أنَّ الإطباقَ لا يَقَعُ بِاللَّفظِ المُجَرَّدِ بَل بِما أُنزِل. ومَوقِعُه بَعدَ النَّهيِ عن الإمساكِ ضِراراً، فتَقَعُ المَوعِظةُ حَيثُ يَملِكُ المُخاطَبُ أن يُسيءَ وهو في حَقِّه ظاهِراً. وهو يَسبِقُ ٢:٢٣٢ بِآيةٍ واحِدة، فيَجتَمِعُ الوَجهانِ مُتَجاوِرَين: فِعلٌ لَه فاعِلٌ ومَفعول، ثُمَّ فِعلٌ حُذِفَ فاعِلُه وقُيِّدَ نائِبُه بِالإيمان. انظُر الكِتاب.
- ٢:٢٣٢ ﴿ذَٰلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾: الجَذرُ فِعلاً مَبنِيّاً لِلمَجهول. الجَديدُ: يُصَرَّحُ بِشَرطِ الوَعظِ في نائِبِ الفاعِلِ نَفسِه: لا يُوعَظُ بِه إلّا مَن كانَ يُؤمِن. فيُقرَأُ الإيمانُ شَرطَ الانتِفاعِ لا ثَمَرَتَه، ويُحذَفُ الواعِظُ فيَبقى النَّظَرُ في المَوعوظِ وَحدَه. ومَوقِعُه بَعدَ النَّهيِ عن عَضلِ النِّساءِ يَجعَلُ المَوعِظةَ ما يَحبِسُ عن تَصَرُّفٍ يَملِكُه صاحِبُه ظاهِراً. انظُر الطَّلاق.
- ٢:٢٧٥ ﴿فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾: المَوعِظةُ تَقطَعُ ما سَلَف. الجَديدُ: يُذكَرُ لَها أثَرٌ فِقهيٌّ مُحَدَّدٌ لِلمَرّةِ الأولى: مَن جاءَته فانتَهى لم يُطالَبْ بِما مَضى. فيَصيرُ الإطباقُ فاصِلاً في الزَّمَنِ لا حالاً في النَّفسِ فَحَسب: ما قَبلَ المَوعِظةِ غَيرُ ما بَعدَها. وتُذكَرُ مُضافةً إلى الرَّبّ لا إلى واعِظٍ من النّاس، ويُشتَرَطُ الانتِهاءُ بِالفاءِ فوراً. انظُر الرِّبا.
- ٣:١٣٨ ﴿هَٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ﴾: ثَلاثةٌ بِمُتَعَلَّقَينِ لا ثَلاثة. الجَديدُ: تُذكَرُ المَوعِظةُ ثالِثةَ ثَلاثة، ويُقسَمُ المُتَعَلَّقُ قِسمَين: البَيانُ لِلنّاس عامّاً، والهُدى والمَوعِظةُ لِلمُتَّقين خاصّاً. فيَنكَشِفُ تَرتيبٌ في الانتِفاع: الكِتابُ يُبَيِّنُ لِلجَميعِ ولا يَهدي ولا يَعِظُ إلّا مَن قَبِل. وتَعودُ اللّامُ نَفسُها التي في ٢:٦٦، فيَتَأَكَّدُ القَصرُ في مَوضِعَينِ من سورَتَين. انظُر الكِتاب.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
- مَعَ التَّقوى في ٢:٦٦ و٣:١٣٨: قَصرُ المَوعِظةِ على المُتَّقينَ
في المَوضِعَينِ بِاللّامِ نَفسِها يَجعَلُ التَّقوى شَرطَ الانتِفاعِ لا نَتيجَتَه، وهو ما يُوافِقُ صورةَ الإطباقِ في الجَذر.
- مَعَ الكِتاب في ٣:١٣٨: انقِسامُ الوَصفِ الثُّلاثيِّ إلى
مُتَعَلَّقَينِ يُبَيِّنُ أنَّ الكِتابَ الواحِدَ يَعمَلُ في النّاسِ على دَرَجاتٍ لا على دَرَجةٍ واحِدة.
- مَعَ الرِّبا في ٢:٢٧٥: تَرَتُّبُ سُقوطِ المُطالَبةِ بِما سَلَفَ
على المَوعِظةِ يَجعَلُ لَها أثَراً في العَقدِ لا في القَلبِ فَحَسب.
- مَعَ الغَيظ: الجَذرانِ يَشتَرِكانِ في ظ وفي صورةِ
الإطباقِ على ما في الجَوف، ويَفتَرِقانِ في النَّتيجة: الغَيظُ امتِلاءٌ مَحبوس، والمَوعِظةُ حَبسٌ عن مُعاوَدة.
الإشكالات المَفتوحة
- **«مَوعِظةٌ مِن رَبِّه» في ٢:٢٧٥: أهي التَّحريمُ نَفسُه أم ما يَقَعُ
في القَلبِ عِندَه؟** الظّاهِرُ الأوَّل، وقِراءةُ الجَذرِ تُرَجِّحُ الثّانيَ لِأنَّ الشِّحنةَ في الإطباقِ على المَحَلِّ لا في اللَّفظ. مَفتوح.
- اللّامُ في «لِلمُتَّقين»: أالاختِصاصُ أم الانتِفاع؟ على الأوَّلِ
لا تَكونُ مَوعِظةً لِغَيرِهِم أصلاً، وعلى الثّاني تَكونُ ولا يَنتَفِعون. والمَوضِعانِ لا يَحسِمان.
- حَذفُ الواعِظِ: يَغلِبُ على المُسَجَّلِ ولا يَطَّرِد. المَواضِعُ
خَمسةٌ، يُنَصُّ على الواعِظِ في واحِدٍ منها (٢:٢٣١) ويُطوى في أربَعة. أهذه الغَلَبةُ اطِّرادٌ في القرآنِ أم أثَرُ ما نُشِرَ إلى الآن؟ يُختَبَرُ عِندَ نَشرِ سُوَرٍ فيها الأمرُ بِالوَعظِ صَريحاً.