النِّكاح
**التِحامٌ يُمسِكُ بِنَفسِه في مَضيقٍ يَحتَويه**. لَيسَ في الجَذرِ عَقدٌ يُضافُ إلى وَصل، بَل حَدَثٌ واحِدٌ يَكونُ فيه اللِّقاءُ هو الإمساك. ولِذلك لم يَحتَجِ اللِّسانُ إلى لَفظَينِ لِوَجهَيه. ولِذلك أيضاً لا يَذكُرُ المُسَجَّلُ الاسمَ «النِّكاح» إلّا مُضافاً إليه **عُقدة**: ما تَنالُه يَدٌ عُقدة، والالتِحامُ لا تَنالُه يَد.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
ثلاثةُ حُروف:
- ن: انطِباقُ طَرَفِ اللِّسانِ يَحبِسُ النَّفَسَ في الجَوفِ فيَمتَلِئُ
رَنيناً مَجهوراً لَطيفاً، ويَنفُذُ في الآنِ نَفسِه من مَنفَذِ الأنفِ الضَّيِّقِ نَفاذاً مُتَّصِلاً لا انفِجارَ فيه. شِحنَتُه: احتِواءٌ جَوفيٌّ يَنفُذُ منه لَطيفٌ إلى الخارِج.
- ك: التِقاءٌ غائِرٌ لِأقصى اللِّسانِ بِأقصى الحَنَكِ يَكتُمُ النَّفَسَ
مَضغوطاً ثُمَّ يَنفَتِحُ عنه انفِتاحاً مَهموساً قاطِعاً. شِحنَتُه: تَداخُلٌ غائِرٌ يُمسِكُ ما تَداخَلَ فيه.
- ح: تَضَيُّقٌ عَميقٌ في أقصى الحَلقِ يَحتَوي النَّفَسَ الحارَّ،
فيَجري فيه جَرَياناً مُحتَكّاً جافّاً حتّى يَنفُذَ خالِصاً خارِجاً. شِحنَتُه: مَضيقٌ يَحتَوي ويَحتَكُّ ثُمَّ يُخلِصُ ما فيه خارِجاً.
النَّواةُ نَك (ن + ك) = جَوفٌ يَحتَوي يَقَعُ فيه التِقاءٌ غائِرٌ مُتَداخِل. والذي يَنبَغي الوُقوفُ عِندَه أنَّ ك لا تَجمَعُ وَجهَينِ مُتَغايِرَين بَل حَدَثاً واحِداً: الالتِقاءُ الغائِرُ نَفسُه هو الكَتمُ والامتِساك، فلَيسَ في الحَرفِ لِقاءٌ ثُمَّ قَبضٌ عليه، بَل لِقاءٌ هو قَبض. والإغلاقُ بِـح يَضَعُ هذا المُلتَقى في مَضيقٍ عَميقٍ يَحتَويه، ويَجري فيه ما يَجري احتِكاكاً، ثُمَّ يَنفُذُ منه خالِصٌ إلى خارِج.
فالجَذرُ كُلُّه: التِحامٌ يُمسِكُ بِنَفسِه في مَضيقٍ يَحتَويه ويَنفُذُ منه. ومِمّا يُقَوّي وَصلَ الطَّرَفَينِ أنَّ القانونَ يَعُدُّ «نح» نَفسَها من شَواهِدِ وَجهِ النَّفاذِ والانبِعاثِ من الباطِنِ إلى الخارِج في ن، فأوَّلُ الجَذرِ وآخِرُه يَلتَقِيانِ على هذا الوَجهِ قَبلَ أن تَدخُلَ ك بَينَهُما بِالتَّداخُلِ والإمساك.
وهُنا يَنحَلُّ ما يَبدو في ظاهِرِ اللَّفظِ اشتِراكاً. يُقالُ إنَّ «النِّكاح» يَقَعُ على العَقدِ ويَقَعُ على الوَصل، فيُظَنُّ لَفظاً واحِداً لِمَعنَيَينِ اتَّفَقا في الرَّسم. والحُروفُ تَقولُ غَيرَ ذلك: الجَذرُ لا يُسَمّي عَقداً ولا يُسَمّي وَصلاً، وإنَّما يُسَمّي الالتِحامَ المُمسِك؛ فالعَقدُ هو هذا الالتِحامُ مَنظوراً إليه من جِهَةِ الإمساكِ الذي في ك، والوَصلُ هو هو مَنظوراً إليه من جِهَةِ التَّداخُلِ الذي في ك أيضاً. ووَجهانِ لِحَدَثٍ واحِدٍ لا يَقتَضِيانِ لَفظَين.
ومنه في كلامِ العَرَب:
- تَناكَحَتِ الأشجار: التَفَّ بَعضُها بِبَعضٍ ودَخَلَ فيه. لا عَقدَ
هُنا ولا مُصاهَرة، والجَذرُ على حالِه: تَداخُلٌ يُمسِك.
- نَكَحَ المَطَرُ الأرضَ: خالَطَ تُرابَها فدَخَلَ فيه. الصّورةُ
نَفسُها في غَيرِ الأحياء، وفيها المَضيقُ الذي يَحتَوي والنّافِذُ منه.
- نَكَحَ النُّعاسُ عَينَه: خالَطَها فغَلَبَ عليها. الغَلَبةُ هُنا
أثَرُ الإمساكِ لا مَعنىً زائِداً عليه.
- أَنكَحَ: جَعَلَ غَيرَه يَنكِح. الوَزنُ يُخرِجُ الفاعِلَ من
الالتِحامِ ويَجعَلُه مُدخِلاً فيه.
الشِّحنةُ الجامعةُ لِلجَذرِ ن-ك-ح: التِحامٌ يُمسِكُ في مَضيق. وهذا يَضبِطُ قِراءةَ الكَلِمةِ في القرآنِ ويَحسِمُ ما لا يَحسِمُه ظاهِرُ اللَّفظ: أنَّ المُسَجَّلَ لا يَستَعمِلُ الاسمَ «النِّكاح» مُجَرَّداً في مَوضِعٍ واحِد، بَل يَذكُرُه مَرَّتَينِ مُضافاً إليه عُقدة (٢:٢٣٥ و٢:٢٣٧)، ويَستَعمِلُ الفِعلَ مُجَرَّداً في المَواضِعِ الثَّلاثةِ الباقِية. فحينَ أرادَ ما يُشَدُّ ويُحَلُّ وتَنالُه يَد، لم يَتَّكِئْ على هذا الجَذرِ وَحدَه بَل استَدعى ع-ق-د فقالَ «عُقدةُ النِّكاح»؛ وحينَ أرادَ الالتِحامَ نَفسَه قالَ الفِعلَ ولم يُضِفْ إليه شَيئاً. والتَّوزيعُ نَفسُه هو الدَّليل: الجَذرُ يَحمِلُ المُلتَحِمَ، والعُقدةُ تَحمِلُ المَشدود.
الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن
- تَنكِحُوا (مُضارِعُ الثُّلاثيِّ مَجزوماً بِـ«لا» النّاهِية): مَوضِعٌ
واحِد، مُتَعَدٍّ بِنَفسِه، والفاعِلُ يَدخُلُ الالتِحامَ بِنَفسِه.
- تُنكِحُوا (مُضارِعُ أَفعَلَ، والوَزنُ لِلتَّعدِية): مَوضِعٌ واحِد،
في الآيةِ التي فيها الأوَّل، والفاعِلُ خارِجَ الالتِحامِ يُدخِلُ فيه غَيرَه. ولا يَفصِلُ بَينَ الصّيغَتَينِ في الرَّسمِ إلّا حَرَكةُ التّاء.
- تَنكِحَ (مُضارِعُ الثُّلاثيِّ مَنصوباً بِـ«حتّى»): مَوضِعٌ واحِد،
وفاعِلُه مُفرَدةٌ غائِبةٌ ومَفعولُه رَجُل.
- يَنكِحْنَ (مُضارِعُ الثُّلاثيِّ مَبنِيّاً على السُّكونِ لِنونِ
النِّسوة): مَوضِعٌ واحِد، وفاعِلُه جَماعةُ نِساءٍ ومَفعولُه أزواجُهُنّ.
- النِّكَاحِ (المَصدَرُ على وَزنِ فِعال، مُعَرَّفاً مَجروراً):
مَوضِعان، وكِلاهُما مُضافٌ إليه لِـ«عُقدة»، ولا يَرِدُ في المُسَجَّلِ مُجَرَّداً عنها.
الجَذرُ قَبلَ الوَزن: الشِّحنةُ واحِدةٌ في الخَمسة (التِحامٌ يُمسِك)،
والأوزانُ تُوَزِّعُ مَوقِعَ الفاعِلِ من الحَدَثِ لا مَعنى الحَدَث.
الثُّلاثيُّ يَضَعُه داخِلَه، وأَفعَلُ يُخرِجُه ويَجعَلُه مُدخِلاً،
والمَصدَرُ يُسقِطُ الفاعِلَ فيَبقى الحَدَثُ وَحدَه. ووَزنُ فِعالٍ
يَشتَرِكُ فيه ما يَقَعُ بَينَ اثنَينِ (القِتال، الجِدال) وما يَقَعُ من
واحِدٍ (الصِّيام، القِيام)، فلا يُحمَلُ عليه وَحدَه دَليل. والدَّليلُ
في التَّوزيع: فاعِلُ الثُّلاثيِّ يَجيءُ مَرّةً رِجالاً ومَرَّتَينِ
نِساءً، فلا يَحمِلُ البِناءُ جِهَةً، ولَيسَ في الحَدَثِ آخِذٌ
ومَأخوذ.
الفُروق المَعنويّة: مَفاهيمُ مُجاوِرةٌ من جُذورٍ أُخرى
zawj(الزَّوج، ز-و-ج): اندِفاعٌ نَحوَ ارتِباطٍ يَتَجَمَّعُ في
وِحدةٍ مُكتَمِلة. والفَرقُ أنَّ الزَّوجَ اسمُ الطَّرَفِ والنِّكاحَ اسمُ الحَدَث. ويَشهَدُ لَه أنَّ المُسَجَّلَ يَجعَلُهُما فِعلاً ومَفعولاً في مَوضِعَين («تَنكِحَ زَوجاً غَيرَه»، «يَنكِحْنَ أزواجَهُنَّ»)، بَل يُسَمّي المَفعولَ زَوجاً واللَّفظُ لَمّا يَتِمَّ بَعد: الزَّوجِيَّةُ وَصفُ نَظيرٍ لِنَظير، والنِّكاحُ الحَدَثُ الذي يَلتَحِمانِ بِه.
3uqad(العُقَد، ع-ق-د): رَبطٌ عَميقٌ مُحكَمٌ يَستَقِرُّ في
صُلبِه. والفَرقُ بِنيَويٌّ لا في الدَّرَجة: العُقدةُ تُشَدُّ من خارِجٍ وتُحَلُّ من خارِج، ولِذلك جازَ أن تَكونَ في يَد («بِيَدِهِ عُقدةُ النِّكاح»)؛ والنِّكاحُ التِحامٌ يُمسِكُ بِنَفسِه، ولا يُوضَعُ في يَد ما كانَ إمساكُه من ذاتِه. ولِهذا احتاجَتِ العِبارةُ الواحِدةُ إلى الجَذرَينِ مَعاً ولم يُغنِ أحَدُهُما.
azm(العَزم، ع-ز-م): إطباقٌ يُمضي. واجتَمَعَتِ الجُذورُ الثَّلاثةُ
في ٢:٢٣٥ مُرَتَّبةً من الجَوفِ إلى الخارِج: العَزمُ إطباقُ الجَوفِ على الأمر، والعُقدةُ الرِّباطُ المَشدود، والنِّكاحُ الالتِحامُ الذي تُشَدُّ العُقدةُ عليه. والنَّهيُ يَقَعُ على الأوَّلِ منها.
talaq(الطَّلاق، ط-ل-ق): انبِساطٌ يَمتَدُّ ثُمَّ يُقطَعُ
بِإحكام. وهو مُقابِلُ النِّكاحِ في الأثَرِ لا في البِنية: ذاكَ إمساكٌ وهذا إطلاقُ ما كانَ مُمسَكاً. ويَظهَرُ التَّقابُلُ في التَّوزيعِ نَفسِه: أربَعةٌ من مَواضِعِ النِّكاحِ الخَمسةِ واقِعةٌ داخِلَ نَسَقِ الطَّلاقِ والعِدّة.
- المَسّ (م-س-س): ولا مَفهومَ لَه في المُعجَمِ بَعد. وهو أدَقُّ ما
يُفَرِّقُ عن النِّكاحِ في المُسَجَّل: ٢:٢٣٧ تَضَعُ حالاً فيها عُقدةٌ شُدَّت وفَريضةٌ فُرِضَت ولا مَسَّ، فتَفصِلُ ما شُدَّ عمّا التَحَمَ فَصلاً عَمَلِيّاً وتُرَتِّبُ على المَشدودِ وَحدَه حُكماً بِمِقدار.
المَواضع: مَواقعُ النِّكاح في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٢:٢٢١ ﴿وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ﴾: مَوضِعُ الافتِتاح. الجَديدُ: الجَذرُ يَدخُلُ القرآنَ نَهياً، ويَدخُلُ بِوَجهَي الفاعِلِ مَعاً في آيةٍ واحِدة: «لا تَنكِحوا» لِمَن يَدخُلُ الالتِحامَ بِنَفسِه، و«ولا تُنكِحوا المُشرِكينَ حتّى يُؤمِنوا» لِمَن يُدخِلُ فيه غَيرَه، والمُخاطَبُ في الفِعلَينِ واحِدٌ لم يَتَغَيَّر. فيُسَدُّ البابانِ بِلَفظٍ لا يَفصِلُ بَينَ صيغَتَيه إلّا حَرَكةُ التّاء. والنَّهيُ مَرفوعٌ بِغايةٍ في الشَّطرَينِ («حتّى يُؤمِنَّ»، «حتّى يُؤمِنوا») فهو مَوقوتٌ بِوَصفٍ يَزول. وتُعَلِّلُه الآيةُ بِالدَّعوةِ لا بِالمَنزِلةِ ولا بِالنَّسَب: «أُولَٰئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ» ويُقابَلُ بِـ«وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ». وهذا ما تَقتَضيه صورةُ الجَذر: المَضيقُ الذي يَحتَوي اثنَينِ يَجري فيه ما يَجري من أحَدِهِما إلى الآخَرِ احتِكاكاً، فالمَحسوبُ في الالتِحامِ ما يُنادى بِه لا ما يُسَمّى بِه. انظُر الشِّرك.
- ٢:٢٣٠ ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾: الفاعِلُ يَنقَلِب. الجَديدُ: الفِعلُ الذي كانَ فاعِلُه رِجالاً في ٢:٢٢١ يَصيرُ فاعِلُه امرَأةً ومَفعولُه رَجُلاً، بِلا تَغييرٍ في البِناءِ ولا في التَّعدِية. فلا يَحمِلُ الجَذرُ جِهةَ أخذٍ من طَرَفٍ لِطَرَف: الالتِحامُ يُنسَبُ إلى أيِّهِما شِئتَ لِأنَّه فِعلُهُما مَعاً، وهذا ما يَقتَضيه لِقاءٌ هو في نَفسِه قَبض. والمَفعولُ يُسَمّى «زَوجاً» واللَّفظُ لَمّا يَتِمّ، فيَنفَصِلُ اسمُ الطَّرَفِ عن اسمِ الحَدَث. ويُجعَلُ النِّكاحُ شَرطاً لِعَودِ حِلٍّ انقَطَع، فيُقرَأُ هُنا من جِهَةِ ما يَفتَحُه لا من جِهَةِ ما يَبتَدِئُه. انظُر الطَّلاق.
- ٢:٢٣٢ ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ﴾: الثّالِثُ يُحصَرُ من الجِهَةِ الأُخرى. الجَديدُ: نُهِيَ في ٢:٢٢١ عن أن يُدخِلَ الثّالِثُ في الالتِحامِ مَن لا يَنبَغي، ويُنهى هُنا عن أن يَمنَعَ عنه مَن يَنبَغي؛ فسُدَّ عليه البابانِ ولم يَبقَ لَه في الحَدَثِ مَوقِع. فيَثبُتُ بِالمُسَجَّلِ نَفسِه أنَّ لِلحَدَثِ طَرَفَينِ لا ثالِثَ لَهُما. وقُيِّدَ بِـ«إذا تَراضَوا بَينَهُم» بِصيغةِ التَّفاعُلِ لا بِرِضا واحِد، وهو ما تَقتَضيه صورةُ المُلتَقى: لا يُمسِكُ الالتِقاءُ إلّا بِانفِتاحِ الجِهَتَين. انظُر البَلاغ / البُلوغ.
- ٢:٢٣٥ ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾: يَخرُجُ الجَذرُ من الفِعلِ إلى المَصدَر. الجَديدُ: أوَّلُ وُرودٍ لِلاسم، ولا يَرِدُ مُجَرَّداً بَل مُضافاً إليه «عُقدة» من جَذرٍ آخَر. فيُسَمّى بِالعُقدةِ ما يُشَدُّ ويُحَلُّ ويُنهى عن العَزمِ عليه، ويَبقى الالتِحامُ نَفسُه خارِجَ النَّهيِ لِأنَّه لَيسَ مِمّا يُطبَقُ عليه في وَقتٍ ثُمَّ يُترَك. والآيةُ تُبيحُ ما دونَ العُقدةِ نَصّاً (التَّعريضَ وما أُكِنَّ في الأنفُس) وتُؤَجِّلُ العُقدةَ إلى أجَل، فيَقَعُ الحَدُّ على المَشدودِ وَحدَه لا على الخاطِرِ ولا على الحَدَث. انظُر العَزم.
- ٢:٢٣٧ ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾: العُقدةُ تُوضَعُ في يَد. الجَديدُ: يُسنَدُ الرِّباطُ إلى يَدٍ تَملِكُ العَفوَ عنه، ولا يُسنَدُ إليها النِّكاحُ نَفسُه، فيَتِمُّ الفَرقُ الذي بَدَأَ في ٢:٢٣٥: ما تَنالُه اليَدُ عُقدةٌ لا التِحام. ومَوقِعُ الآيةِ يَفصِلُ الوَجهَينِ فَصلاً واقِعاً لا نَظَرِيّاً: طَلاقٌ «مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ» وقد فُرِضَتِ الفَريضة، أي عُقدةٌ شُدَّت والتِحامٌ لم يَقَع، ومَعَ ذلك يَثبُتُ نِصفُ ما فُرِض. فيُقَوَّمُ المَشدودُ وَحدَه بِمِقدارٍ مَعلوم، وهو أوضَحُ شاهِدٍ في المُسَجَّلِ على أنَّ العُقدةَ شَيءٌ والنِّكاحَ شَيء، وعلى أنَّ الجَذرَ لَو كانَ يُسَمّي العَقدَ لَما احتاجَتِ الآيةُ إلى إضافةٍ أصلاً. انظُر العُقَد.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
الشِّركِ وَصفاً زائِلاً بِزَوالِ سَبَبِه، وتُقرَأُ من جِهَةِ النِّكاحِ حَدّاً على ما يُدخَلُ فيه المَضيقُ المُشتَرَك. والجِهَتانِ تَلتَقِيانِ في تَعليلِ الآيةِ نَفسِه: النَّهيُ مُعَلَّلٌ بِالدَّعوةِ، والدَّعوةُ لا تَعمَلُ إلّا في مَحَلٍّ يَحتَكُّ فيه اثنان.
واحِدة، مُرَتَّبةٌ من الدّاخِلِ إلى الخارِج: إطباقُ الجَوف، ثُمَّ الرِّباطُ المَشدود، ثُمَّ الالتِحامُ الذي يُشَدُّ عليه. ولا يَقَعُ النَّهيُ على أطرافِها الثَّلاثةِ بَل على أوَّلِها، فتَنكَشِفُ العِبارةُ طَبَقاتٍ لا تَرادُفاً.
- مَعَ الطَّلاق في المَواضِعِ الخَمسة: أربَعةٌ منها تَقَعُ داخِلَ
نَسَقِ الطَّلاقِ والعِدّة، وواحِدٌ سابِقٌ عليه. فالمُسَجَّلُ يَذكُرُ هذا الجَذرَ عِندَ العَودِ إليه أكثَرَ مِمّا يَذكُرُه عِندَ ابتِدائِه، ويُقرَأُ الالتِحامُ من جِهَةِ ما يُطلَقُ منه.
- مَعَ البَلاغ / البُلوغ والأجَل في ٢:٢٣٢ و٢:٢٣٥: البُلوغُ يَضبِطُ
مَوقِعَ النِّكاحِ من الزَّمَنِ مَرَّتَينِ بِأثَرَينِ مُتَقابِلَين: مَرّةً يُسقِطُ المَنعَ عنه بَعدَ بُلوغِ الأجَل، ومَرّةً يُؤَجِّلُ عُقدَتَه حتّى يَبلُغَ الكِتابُ أجَلَه. فلا يُحكَمُ على الجَذرِ بِذاتِه بَل بِمَوقِعِه من أجَلٍ مَضروب.
- مَعَ الرِّضا في ٢:٢٣٢: الشَّرطُ «إذا تَراضَوا بَينَهُم» يَجيءُ
بِصيغةِ التَّفاعُل، والرِّضا انفِراجٌ بَعدَ قَبض. فيُشتَرَطُ لِلالتِحامِ انفِراجانِ لا واحِد، وهو أدَقُّ ما يُقابِلُ في المَعنى التِقاءً هو في نَفسِه إمساك.
- مَعَ السِّرّ / السُّرور في ٢:٢٣٥: الآيةُ الواحِدةُ تَنهى عن المُواعَدةِ
سِرّاً وعن العَزمِ على العُقدة، فتَضَعُ حَدَّينِ في طَريقِ الالتِحامِ قَبلَ أوانِه: حَدّاً على ما يُدخَلُ في الحَيِّزِ المُنفَرِد، وحَدّاً على ما يُشَدُّ من رِباط.
الإشكالات المَفتوحة
- **خُلُوُّ المُسَجَّلِ من الاسمِ «النِّكاح» مُجَرَّداً عن «عُقدة»:
أحُكمٌ في الجَذرِ أم أثَرُ قِلّةِ المَواضِع؟** المَوضِعانِ كِلاهُما مُضافٌ إليه، وهو تَوزيعٌ تامٌّ لا يَشِذُّ عنه شَيءٌ في المَنشور، لكنَّ اثنَينِ أساسٌ ضَيِّقٌ لِلتَّعميم. يُختَبَرُ عِندَ نَشرِ سُوَرٍ فيها الجَذر. مَفتوح.
- **«حتّى تَنكِحَ زَوجاً غَيرَه» في ٢:٢٣٠: أالمَقصودُ الالتِحامُ أم
العُقدة؟** الفِعلُ مُجَرَّدٌ، والمُجَرَّدُ في المَواضِعِ الثَّلاثةِ كُلِّها لِلالتِحام، والعُقدةُ حَيثُ أُريدَت ذُكِرَت بِاسمِها. فتَوزيعُ المُسَجَّلِ يُرَجِّحُ الأوَّل، ولا تُصَرِّحُ الآيةُ بِه. مَفتوح.
- مَن «الذي بِيَدِه عُقدةُ النِّكاح» في ٢:٢٣٧؟ الآيةُ لا تُسَمّيه،
وقِراءةُ الجَذرِ لا تُعَيِّنُه. غَيرَ أنَّها تَحُدُّ جِنسَ ما في يَدِه: عُقدةٌ تُحَلُّ لا التِحامٌ يُمسِكُ بِنَفسِه، فأيّاً كانَ فمَوقِعُه من الرِّباطِ لا من الحَدَث. مَفتوح.
- هل وَجهُ العَقدِ ووَجهُ الالتِحامِ أصلٌ واحِدٌ حَقّاً؟ قِراءةُ
الحُروفِ تُوَحِّدُهُما بِأنَّ ك لِقاءٌ هو قَبض، ولَو فُصِلا لَبَقِيَت المَواضِعُ الخَمسةُ على حالِها ولم تَنتَقِض قِراءةُ آيةٍ منها؛ غَيرَ أنَّ الفَصلَ يَترُكُ سُؤالاً بِلا جَواب: لِمَ احتاجَ المُسَجَّلُ إلى «عُقدة» إذا كانَ الاسمُ يَحمِلُ العَقدَ بِنَفسِه؟ مَفتوح.
- **صيغةُ أَفعَلَ في ٢:٢٢١: أتُفيدُ وِلايةً على العَقدِ أم مُجَرَّدَ
التَّمكينِ منه؟** الخِطابُ واحِدٌ في الفِعلَين، فمَن يَنكِحُ هو مَن يُنكِح، ولَيسَ في الآيةِ ما يَخُصُّ بِالثّاني صِنفاً دونَ صِنف. والوَزنُ في نَفسِه لا يَزيدُ على إخراجِ الفاعِلِ من الحَدَث. مَفتوح.