الوِراثة

irth جذر · و-ر-ث 3 مَواضِعَ في القرآن
التَّعريف الجَذريّ
**حِيازةٌ تَعبُرُ يَداً ولا تَستَقِرُّ فيها**. لَيسَتِ الوِراثةُ في الجَذرِ مِلكاً آلَ إلى صاحِبٍ جَديد، بَل **انتِقالاً**: حَلقةٌ تُحيطُ ثُمَّ تُفضي بِما فيها (و)، إلى إمساكٍ عابِرٍ بِلا قَبض (ر)، ومآلُه كُتلةٌ تَتَفَشّى ولا تَجتَمِع (ث). ولِذلك جاءَ أوَّلُ ما جاءَ عَنِ الوارِثِ مَحمولاً عليه بِـ«على» لا مَخصوصاً بِـ«لِ»، ولم يَرِدْ من الجَذرِ فِعلٌ واحِدٌ في المُسَجَّلِ كُلِّه.

تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر

ثلاثةُ حُروف:

  • و: تَستَديرُ الشَّفَتانِ حَلقةً تَشتَمِلُ على مَجرى النَّفَسِ من غَيرِ

سَدّ، فيَجري فيها الصَّوتُ وَصلاً مَمدوداً يَربِطُ ما قَبلَه بِما بَعدَه، ثُمَّ تَنفَرِجُ الحَلقةُ فتُفضي بِه إلى ما يَليه. شِحنَتُه: إحاطةٌ تَصِلُ ثُمَّ تَنفَرِجُ فتُفضي.

  • ر: خَفَقاتٌ مُتَوالِياتٌ خَفيفاتٌ لِطَرَفِ اللِّسانِ على اللِّثة،

كُلُّ خَفقةٍ لَمسةٌ ماسِكةٌ عابِرة، والنَّفَسُ يَجري من تَحتِها مُستَرسِلاً لا يَحتَبِس. وصِفَتُه في القانونِ «التَّماسُكُ اليَسير»: إمساكٌ بِلا قَبضٍ ولا ضَغط. شِحنَتُه: إمساكٌ عابِرٌ والجَرَيانُ مُستَمِرٌّ من تَحتِه.

  • ث: انبِساطُ طَرَفِ اللِّسانِ رَخواً بَينَ الأسنانِ كُتلةً كَثيفة،

يَجري النَّفَسُ فَوقَها مُتَّصِلاً، ثُمَّ يَتَفَشّى خارِجاً دَقائِقَ مُنتَثِرةً عَبرَ فُرَجِ الأسنان. شِحنَتُه: كَثافةٌ مُجتَمِعةٌ مآلُها الانتِثار.

النَّواةُ وَر (و + ر) = حِيازةٌ مُحيطةٌ تُفضي إلى يَدٍ تُمسِكُ ولا تَقبِض. فالمُنتَقِلُ لا يُسَلَّمُ إلى قَبضةٍ تُطبِقُ عليه، بَل إلى لَمسةٍ ماسِكةٍ عابِرة، والجَرَيانُ تَحتَها لا يَنقَطِع. والإغلاقُ بِـث يُبَيِّنُ مآلَ هذا المُنتَقِل: كُتلةٌ كَثيفةٌ تَتَفَشّى دَقائِقَ على كَثيرين، لا مالٌ يَستَقِرُّ عِندَ واحِد. فيَصيرُ الجَذرُ كُلُّه: حِيازةٌ تُفضى إلى مَن يُمسِكُها بِلا قَبض، ومآلُها أن تَتَفَرَّقَ لا أن تَثبُت.

ومنه في كلامِ العَرَب:

  • الوارِث: مَن أُفضِيَ إليه بِما كانَ لِغَيرِه. اسمُ فاعِلٍ لا يَقومُ

بِنَفسِه: لا يُقالُ وارِثٌ إلّا ومَعَه مَورُوثٌ ومَورُوثٌ عنه، فهو مَوضِعُ عُبورٍ في سِلسِلة.

  • الوَرَثة: جَمعُه. والجَمعُ هو الأصلُ في هذا البابِ لا الإفراد،

وهو ما تَقتَضيه ث.

  • الإرث والمِيراث والتُّراث: أسماءُ الشَّيءِ المُنتَقِلِ

نَفسِه، لا أسماءُ الفِعل. ثَلاثةُ أبنِيَةٍ لِمُسَمّىً واحِدٍ عَلى وَجهِ كَونِه عابِراً.

  • أورَثَ ووَرَّثَ: التَّعدِيَةُ إلى مَن يُفضى إليه، وهي في

اللُّغةِ لا في المُسَجَّل.

الشِّحنةُ الجامِعةُ لِلجَذرِ و-ر-ث: ما يَعبُرُ من يَدٍ إلى يَدٍ ولا يَستَقِرّ.

وما تَدفَعُه هذه القِراءة ثَلاثةُ أشياءَ لا يُعطيها ظاهِرُ اللَّفظ:

الأوَّل، أنَّ ر إمساكٌ بِلا قَبض، فالوارِثُ حائِزٌ غَيرُ مالِكٍ لِلمَنعِ. ولِذلك جاءَ في ٢:٢٣٣ ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَٰلِكَ﴾: أوَّلُ ما نُسِبَ إلى الوارِثِ في المُصحَفِ المَنشورِ حَرفُ على لا حَرفُ اللّام، وهو الحَرفُ الذي يَقتَضيه إمساكٌ لا يُطبِق.

الثّاني، أنَّ ث مُنتَهاها الانتِثارُ لا الاجتِماع، فيَنكَشِفُ لِمَ كانَ ٨٩:١٩ ذَمّاً: «لَمّاً» جَمعٌ من كُلِّ جانِب، فالوَصفُ المَذمومُ يُناقِضُ آخِرَ حَرفٍ في المَفعولِ نَفسِه. ولَيسَتِ التُّهمةُ أنَّهُم أكَلوا ما لَيسَ لَهُم، بَل أنَّهُم أوقَفوا عُبوراً وجَعَلوهُ كُومة.

الثّالِث، أنَّ و حَلقةٌ تَنفَرِجُ فتُفضي، فالجَذرُ يَقتَضي بِبِنيَتِه مُنتَهىً يَقِفُ عِندَه الإفضاء. ولِذلك لَيسَ في ٣:١٨٠ ﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قَلبٌ لِجِهَةِ الكَلِمة، بَل بُلوغُها آخِرَها. ولاحِظْ أنَّ العِبارةَ «ولِلَّهِ مِيراث» لا «واللهُ وارِث»: المَنسوبُ إليه هو الشَّيءُ المُنتَقِلُ نَفسُه، لا مَنزِلةُ حَلقةٍ في سِلسِلة.

الصِّيَغ: كيف تَردُ في القرآن

ثَلاثةُ مَواضِعَ في السُّوَرِ المَنشورة، وثَلاثُ صِيَغٍ لا تَتَكَرَّرُ واحِدةٌ منها، ولا فِعلَ فيها البَتّة. والعَدَدُ مَقيسٌ على المَنشورِ بَعدَ الإسراءِ وطه (١١٤٩ آيةً في سِتٍّ وثَلاثينَ سورة): لم تَزِدْ السّورَتانِ من هذا الجَذرِ شَيئاً:

  • اسمُ الفاعِلِ مُعَرَّفاً مَجروراً «الْوَارِثِ» (٢:٢٣٣): بَعدَ «على»،

فهو مَحمولٌ عليه لا مَحمولٌ له.

  • مِفعالٌ مَرفوعاً مُضافاً «مِيرَاثُ» (٣:١٨٠): وهو اسمُ الشَّيءِ

المُنتَقِلِ لا اسمُ حائِزِه، ومُضافُه «السَّماواتِ والأرضِ» لا مالُ مَيِّت.

  • فُعالٌ مُعَرَّفاً مَنصوباً «التُّرَاثَ» (٨٩:١٩): مَفعولٌ بِه لِفِعلِ

الأكل، وهو المَوضِعُ الوَحيدُ الذي يَقَعُ فيه على الجَذرِ فِعلٌ من خارِجِه.

وثَلاثةُ أشياءَ تُقرَأُ من هذا الجَدوَلِ وَحدَه:

أوَّلاً: لا فِعلَ من الجَذرِ في المُسَجَّلِ كُلِّه. لا «وَرِثَ» ولا «يَرِثُ» ولا «أورَثَ» ولا «وَرَّثَ». والمَعنى يَقبَلُ ذلك: الوِراثةُ لا فاعِلَ لَها، لِأنَّها لَيسَت عَمَلاً يُعمَلُ بَل حالاً تَقَعُ عِندَ انقِطاعِ يَد. وثَلاثةُ مَواضِعَ أقَلُّ من أن يُبنى عَلَيها حُكمُ غِياب، فيُعلَنُ الرَّصدُ ويُؤَجَّلُ الحُكم.

ثانياً: كُلُّ صيغةٍ اسمٌ، واثنَتانِ منها اسمُ الشَّيءِ لا اسمُ صاحِبِه. فالجَذرُ يُسَمّي المُنتَقِلَ أكثَرَ مِمّا يُسَمّي المُنتَقَلَ إليه، وهذا مُوافِقٌ لِـر: المُمسِكُ عابِرٌ والمُمسَكُ هو المَقصود.

ثالِثاً، وهو أغرَبُها: فاءُ الكَلِمةِ تَسقُطُ في اثنَتَينِ من ثَلاث. «مِيراث» أصلُها مِوراث فقُلِبَتِ الواوُ ياءً، و«تُراث» أصلُها وُراث فأُبدِلَت تاءً. فلا تَظهَرُ واوُ الجَذرِ إلّا في «الْوَارِثِ» وَحدَها. والمُصحَفُ إذن يَكتُبُ هذا الجَذرَ مَرَّتَينِ من ثَلاثٍ بِلا أوَّلِه، وهو بِعَينِه ما يَستَقيمُ مَعَ الشِّحنة: حَرفُ الإفضاءِ يَنصَرِفُ عن مَوضِعِه كما يَنصَرِفُ المُنتَقِلُ عن حائِزِه.

الجَذرُ قَبلَ الوَزن: الشِّحنةُ في الصِّيَغِ الثَّلاثِ واحِدة

(حِيازةٌ عابِرة). والأوزانُ تَقسِمُ المَنظورَ إليه لا المَعنى:

«الوارِثُ» يَنظُرُ إلى اليَدِ التي أُفضِيَ إليها، و«ميراثٌ»

و«تُراثٌ» يَنظُرانِ إلى ما أُفضِيَ بِه.

الفُروق المَعنويّة: مَفاهيمُ مُجاوِرةٌ من جُذورٍ أُخرى

  • wasiyya (الوَصِيّة، و-ص-ي): الجَذرانِ يَنقُلانِ مالاً عَبرَ

مَوت، والفَرقُ مَنصوصٌ في السّورةِ نَفسِها. الوَصِيّةُ قَولُ الذّاهِبِ وفِعلُه، ولِذلك كُتِبَت عليه بِلامِ الاختِصاص: ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٢:١٨٠). والوِراثةُ لا قَولَ فيها ولا فاعِل، وأوَّلُ حَرفٍ نُسِبَ إليها «على» (٢:٢٣٣). فهذه يَختارُها صاحِبُها وتِلكَ تَقَعُ بِه: وَجهانِ لِعُبورٍ واحِد، أحَدُهُما مَنطوقٌ والآخَرُ لازِم.

  • mal (المال، م-و-ل): الاسمانِ قد يَقَعانِ على العَينِ الواحِدة،

والفَرقُ جِهَةُ التَّسمِية. المالُ ما يُمالُ إليه ويُحاز، والتُّراثُ المالُ نَفسُه مُسَمّىً بِعُبورِه. وسورةُ الفَجرِ تَجمَعُهُما في آيَتَينِ مُتَتالِيَتَينِ بِفِعلَينِ مُختَلِفَين: ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَّمًّا﴾ ثُمَّ ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾. فالعابِرُ يُؤكَل، والمَحوزُ يُحَبّ، وكِلا الوَصفَينِ «جَمعٌ»: لَمٌّ وجَمّ.

  • harth (الحَرث، ح-ر-ث): يَشتَرِكُ الجَذرانِ في «ر-ث» ويَفتَرِقانِ

في فائِهِما، والفَرقُ المَعنَويُّ بِقَدرِ ذلك. الحَرثُ ما شُقَّتْ له الأرضُ وأُودِعَ فيه بَذر، فصاحِبُه أدخَلَ قَبلَ أن يُخرِج. والميراثُ ما وَصَلَ بِلا إدخال. ولِذلك صَحَّ في الحَرثِ أن يُهلَكَ فيُقالَ ﴿أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ﴾ (٣:١١٧)، لِأنَّ الهَلاكَ يَقَعُ على ما بُذِلَ فيه.

  • turab (التُّراب، ت-ر-ب): «التُّراثُ» و«التُّرابُ» لا يَفتَرِقانِ

في الخَطِّ إلّا بِحَرفٍ واحِدٍ آخِرَ الكَلِمة، وهو الحَرفُ الذي يَحمِلُ الفَرقَ كُلَّه. ب لُصوقٌ واحتِباسٌ تَحتَ ضَغط، فالتُّرابُ يَلزَقُ بِما تَحتَه. وث تَفَشٍّ وانتِثار، فالتُّراثُ يَتَفَرَّقُ عَمَّن هو عِندَه. مادَّتانِ مُتَقارِبَتانِ في اللَّفظِ مُتَقابِلَتانِ في المآل: تِلكَ تَثبُتُ بِلُصوق، وهذه لا تَثبُتُ أصلاً.

  • bukhl (البُخل، ب-خ-ل): المُقابَلةُ في ٣:١٨٠ داخِلَ الآيةِ

الواحِدة. البُخلُ حَبسُ ما شَأنُه أن يَمضي، والميراثُ اسمُ ما شَأنُه أن يَمضي. فالآيةُ لا تَرُدُّ على الباخِلِ بِوَعيدٍ في مالِه بَل بِتَقريرِ أنَّ العُبورَ لَيسَ إليه ولا مِنه.

  • القَرابةُ والنَّسَب: لا مَفهومَ لَهُما في المُدَوَّنِ بَعد، ولا

يُذكَرُ في المَواضِعِ الثَّلاثةِ سَبَبُ الوِراثةِ ولا صِلَتُها. وهذا نَفسُه مِمّا يُنتَظَرُ تَحقيقُه: المُسَجَّلُ يَذكُرُ الوارِثَ ولا يَذكُرُ بِمَ صارَ وارِثاً.

المَواضع: مَواقعُ الوِراثةِ في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)

  • ٢:٢٣٣ ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَٰلِكَ﴾: قاعِدةُ البَيت. الجَديدُ: تَدخُلُ الكَلِمةُ المُصحَفَ المَنشورَ مَحمولاً عليها بِـ«على»، فأوَّلُ ما يُقالُ عَنِ الوارِثِ تَكليفٌ لا حَقّ. والمُشارُ إليه بِـ«مِثلُ ذلك» هو ﴿رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ المَفروضُ قَبلَه على المَولودِ له، فالذي انتَقَلَ في الآيةِ واجِبٌ لا تَرِكة: لا يُذكَرُ مالٌ مَورُوثٌ البَتّة، ويُذكَرُ ما كانَ على صاحِبِه. والسِّياقُ كُلُّه ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾، فمَوقِعُ الوارِثِ منه أن يَمنَعَ سُقوطَ حَقِّ الطِّفلِ بِانقِطاعِ يَدِ العائِل. فالوِراثةُ هُنا هي ما يَمنَعُ الواجِبَ أن يَموتَ بِمَوتِ صاحِبِه. انظُر walad وwalidayn وwasiyya.
  • ٣:١٨٠ ﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: المُنتَهى الذي يَقِفُ عِندَه الانتِقال. الجَديدُ: يَخرُجُ الجَذرُ من مالِ النّاسِ إلى السَّماواتِ والأرض، ومن اسمِ الحائِزِ إلى اسمِ المَحوزِ نَفسِه. ولَيسَ فيه قَلبٌ لِجِهَةِ الكَلِمةِ كما يُتَوَهَّم: «لِلَّهِ ميراثُ» تَنسُبُ إليه الشَّيءَ العابِرَ، لا مَنزِلةَ حَلقةٍ تَتَسَلَّمُ عن حَلقة. ومَوضِعُها من الآيةِ هو الحُجّة: صُدِّرَت بِمَن ﴿يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾، فالمَحبوسُ عِندَهُم واصِلٌ إلَيهِم أصلاً، فهُم يوقِفونَ حَرَكةً هُم أنفُسُهُم في وَسَطِها. وجَزاؤُهُم على صورةِ جُرمِهِم: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، فالذي أبى أن يَمضيَ يُجعَلُ طَوقاً لازِماً في العُنُق. انظُر bukhl وfadl وard.
  • ٨٩:١٩ ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَّمًّا﴾: أكلُ ما كانَ عابِراً جَمعاً. الجَديدُ: أوَّلُ مَوضِعٍ يَقَعُ فيه على الجَذرِ فِعلٌ من خارِجِه، وأوَّلُ مَوضِعٍ يُساقُ فيه ذَمّاً. و«لَمّاً» هو مَوضِعُ الذَّمِّ بِدِقَّة: اللَّمُّ جَمعُ الشَّيءِ من كُلِّ جانِبٍ إلى واحِد، والتُّراثُ اسمُ ما مآلُه أن يَتَفَرَّقَ عن واحِد. فالمَصدَرُ يُناقِضُ مَفعولَه في نَفَسٍ واحِد، والتُّهمةُ من ثَمَّ لَيسَت أخذَ ما لا يُملَك، بَل إيقافَ عُبورٍ وجَعلَه كُومة. ويُصَدِّقُه ما قَبلَه: ﴿بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾، واليَتيمُ هو مَن يَمُرُّ تُراثُه في أيدي غَيرِه، فالآيَتانِ تَذكُرانِ الواقِعةَ الواحِدةَ من جِهَةِ الشَّخصِ ثُمَّ من جِهَةِ المال. ويَتلوها ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾، فيَختِمُ المَقطَعَ وَصفانِ كِلاهُما جَمع. انظُر yatim وmiskin وakl وmal.

التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى

  • مَعَ wasiyya في البَقَرة: تَذكُرُ السّورةُ الوَصِيّةَ في

٢:١٨٠-١٨٢ ثُمَّ الوارِثَ في ٢:٢٣٣، فتَستَوفي الوَجهَينِ اللَّذَينِ يَعبُرُ بِهِما المالُ مَوتاً، وتَضَعُ في كُلٍّ منهُما تَكليفاً: هُناكَ ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ وهُنا «وعَلى الوارِثِ». فحَرفُ «على» يَلزَمُ البابَينِ مَعاً.

  • مَعَ ukhuwwa في ٢:٢٣٣ و٢:٢٢٠ و٨٩:١٩: المَفهومانِ يَقرَآنِ

صِلَتَينِ لا يَختارُهُما صاحِبُهُما، ويَنتَهِيانِ إلى حُكمَينِ مُتَعاكِسَين. الوِراثةُ تَجعَلُ القَريبَ مَسؤولاً («وعَلى الوارِثِ مِثلُ ذلك»)، والأُخُوّةُ تَجعَلُ المَسؤولَ قَريباً («وإن تُخالِطوهُم فإخوانُكُم»). وأوضَحُ ما يَلتَقِيانِ فيه اليَتيم: مالُه هو التُّراثُ الذي يُؤكَلُ لَمّاً في ٨٩:١٩، وهو نَفسُه المُخالَطُ الذي تُسَمّيه ٢:٢٢٠ أخاً.

  • مَعَ mal في ٨٩:١٩-٢٠: عَينٌ واحِدةٌ باسمَين. وفائِدةُ

اجتِماعِهِما أنَّ الذَّمَّ يَنصَبُّ على الجَمعِ في الحالَينِ: لَمٌّ في العابِر، وجَمٌّ في المَحوز. فالمَذمومُ لَيسَ المالَ ولا التُّراثَ بَل الفِعلَ الواحِدَ الواقِعَ عَلَيهِما.

  • مَعَ bukhl وinfaq في ٣:١٨٠: يَقرَأُ bukhl الحَبسَ من جِهَةِ

النَّفس، ويَقرَأُ هذا المَفهومُ ما حُبِسَ من جِهَةِ طَبيعَتِه: شَيءٌ مَوضوعٌ لِيَعبُر. ولا تَتِمُّ حُجّةُ الآيةِ بِأحَدِهِما، فهي لا تُحَرِّمُ الحَبسَ بِنَهيٍ بَل تُبطِلُه بِوَصفِ المَحبوس.

  • مَعَ harth وturab: تَقاطُعٌ في الخَطِّ لا في المَعنى، وهو

مَذكورٌ هُنا لِأنَّه أوقَعَ الأداةَ في الخَطَإ (انظُر القِسمِ السّابِع). والفائِدةُ المَعنَوِيّةُ أنَّ الجُذورَ الثَّلاثةَ تَنقَسِمُ بِأواخِرِها: ث انتِثار، وب لُصوق، فالتُّراثُ يَتَفَرَّق، والتُّرابُ يَلزَق، والحَرثُ ما أُودِعَ الأرضَ لِيَخرُج.

الإشكالات المَفتوحة

  • هَل «التُّراثُ» من هذا الجَذرِ حَقّاً؟ بِناءُ المَفهومِ على أنَّ

أصلَها «وُراث» أُبدِلَت واوُه تاءً، وهو المَشهورُ في اللُّغة. ولَو فُصِلَت لَبَقِيَ المَفهومُ بِمَوضِعَينِ ولَسَقَطَ مَوضِعُ الذَّمِّ وَحدَه، وهو أقوى ما في المَفهومِ دَلالةً على أنَّ الجَذرَ يُسَمّي عُبوراً لا مِلكاً. يُترَكُ مَفتوحاً ويُعلَنُ التَّرجيح.

  • مَن هُوَ «الوارِثُ» في ٢:٢٣٣؟ الآيةُ لا تُسَمّيه ولا تَذكُرُ

مَورُوثَه، ولَيسَ في السُّوَرِ المَنشورةِ مَوضِعٌ ثانٍ يُقاسُ عليه. والذي قامَ عليه الدَّليلُ حَرفُ «على» ومَرجِعُ «مِثلُ ذلك»، وهُما ثابِتانِ على كُلِّ تَعيين. مَفتوح.

  • هَل مِيراثُ ٣:١٨٠ هو مِيراثُ ٢:٢٣٣ بِعَينِه؟ قَرَأَ المَفهومُ

الآيَتَينِ على مَعنىً واحِدٍ بَلَغَ في الثّانِيَةِ مُنتَهاه، ولم يَجعَلْهُما لَفظاً مُشتَرَكاً. والمُسَجَّلُ لا يَحوي مَوضِعاً ثانِياً يُنسَبُ فيه المِيراثُ إلى الله، فلا شاهِدَ يَفصِل. يُختَبَرُ عِندَ نَشرِ سُوَرٍ جَديدة.

  • لِمَ لم يَرِدْ من الجَذرِ فِعل؟ الغِيابُ مُطَّرِدٌ في ثَلاثةٍ من

ثَلاثة، ويُوافِقُ القِراءةَ (لا فاعِلَ لِلوِراثة). لكنَّ ثَلاثةَ مَواضِعَ أضعَفُ من أن يُبنى عَلَيها حُكمُ غِياب، وقد سَبَقَ في المُدَوَّنِ أن كانَ غِيابُ الفِعلِ في turab أربَعةً من أربَعةٍ ولم يُحسَم. ونَشرُ الإسراءِ وطه اختَبَرَ الغِيابَ ولم يَنقُضْه: لم تُعطِ السّورَتانِ من الجَذرِ صيغةً واحِدة، لا فِعلاً ولا اسماً. يُنتَظَرُ تَسجيلُ سُوَرٍ أُخرى.

مَواضِعُ هذا المَفهومِ في القرآن