النساء · الآية 19

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا ۖ وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ ۚ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا ۖ وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ ۚ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا

«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا»: وارِثاتٌ يُمنَعُ أن يُورَثن

هذا أوَّلُ نِداءٍ في السّورةِ لِـ«الَّذينَ آمَنوا»، وقد افتُتِحَت بِنِداءِ «النّاس»، فانتَقَلَ الخِطابُ من الأصلِ المُشتَرَكِ إلى قَومٍ يُعرَفونَ بِما فَعَلوا: آمَنوا. والإيمانُ من أ-م-ن، والذينَ آمَنوا قَومٌ أعطَوا الثِّقةَ فصاروا مَوضِعَ أمنٍ لِمَن حَولَهُم، فالنِّداءُ بِهذا الوَصفِ يَضَعُ ما بَعدَه من النَّهيِ في دائرةِ ما يَنبَغي أن يَأمَنَه النّاسُ مِنهُم، والنِّساءُ في الآيةِ مَوضِعُ هذا الأمن. ثُمَّ يَأتي النَّهيُ بِلَفظِ «لا يَحِلُّ»، والحِلُّ من ح-ل-ل، وأصلُه حَلُّ العُقدة، فما «يَحِلُّ» ما انحَلَّت عَنه عُقدةُ المَنعِ فصارَ مُطلَقاً، وما «لا يَحِلُّ» باقٍ مَعقوداً على المَنع.

والمَمنوعُ «أن تَرِثوا النِّساءَ»، والإرثُ من و-ر-ث، انتِقالُ ما يَبقى من المَيِّتِ إلى مَن يَخلُفُه. وقد جاءَ هذا الجِذرُ في آياتِ المَواريثِ فِعلاً لِلوارِث، والأمُّ من الوارِثين: وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾، وجَعَلَت تِلكَ الآياتُ لِلنِّساءِ أنصِبةً: وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾، ثُمَّ يَأتي هُنا والنِّساءُ هُنَّ ما يَقَعُ عَلَيه الفِعل، فتَمنَعُ الآيةُ أن تُنقَلَ المَرأةُ من صاحِبةِ نَصيبٍ في التَّرِكةِ إلى شَيءٍ يُعَدُّ فيها. فالمَرأةُ في السّورةِ وارِثةٌ لَها نَصيبٌ مَفروض، والآيةُ تَحفَظُ لَها هذا المَوضِعَ وتَمنَعُ أن تُحسَبَ في ما يُتَرَك.

و«كَرهاً» تَصِفُ الإرثَ المَمنوعَ بِهَيئَتِه: أن يَقَعَ على المَرأةِ وهي كارِهة. والكَرهُ من ك-ر-ه، ما تَجِدُه النَّفسُ ثَقيلاً عَلَيها فتَنقَبِضُ عَنه وتَدفَعُه، فالآيةُ تَجعَلُ إرادةَ المَرأةِ حاضِرةً في الحُكم، وتُسَمّي ما يُفعَلُ بِها على غَيرِ إرادَتِها بِاسمِ الكَره. وسَيَعودُ الجِذرُ نَفسُه في آخِرِ الآيةِ مُسنَداً إلى الرِّجال: «فإن كَرِهتُموهُنّ»، فالآيةُ تَبدَأُ بِكُرهِ المَرأةِ وتَنتَهي بِكُرهِ الرَّجُل، وتَضَعُ لِكُلٍّ مِنهُما حُكماً.

«وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ»: تَضييقٌ يُرادُ بِه استِردادُ العَطاء

ثُمَّ يَأتي نَهيٌ ثانٍ: «ولا تَعضُلوهُنّ». والعَضلُ من ع-ض-ل، الحَبسُ والتَّضييقُ حتّى يَعسُرَ الخُروج، يُقالُ «عَضَلَت المَرأةُ بِوَلَدِها» إذا عَسُرَ عَلَيها خُروجُه، و«الدّاءُ العُضال» ما استَعصى فلم يَنفَكّ، و«العَضَلة» لَحمٌ مُكتَنِزٌ مَشدود. فالعَضلُ أن تُضَيَّقَ المَرأةُ وتُحبَسَ حتّى يَضيقَ عَلَيها المَخرَج. وقد جاءَ الفِعلُ نَفسُه في الكِتابِ في مَنعِ المُطَلَّقاتِ من الرُّجوعِ إلى أزواجِهِنّ: فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾، وهو هُنا مَقرونٌ بِغايةٍ أُخرى.

والغايةُ «لِتَذهَبوا بِبَعضِ ما آتَيتُموهُنّ»، واللّامُ تُعَلِّلُ العَضلَ بِما يُرادُ مِنه، و«ذَهَبَ بِالشَّيءِ» أخَذَه ومَضى بِه. و«ما آتَيتُموهُنَّ» يَرُدُّ إلى الأمرِ الذي في أوَّلِ السّورة: وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾، فالعَطاءُ الذي أُعطِيَ خالِصاً بلا عِوَضٍ يُرادُ استِرجاعُ بَعضِه بِالتَّضييق. وقد فَتَحَت تِلكَ الآيةُ لِرُجوعِ شَيءٍ مِنه باباً واحِداً هو طيبُ نَفسِ المَرأة، والعَضلُ طَريقٌ إلى الشَّيءِ نَفسِه من البابِ المُقابِل: ضيقٌ يُصنَعُ حتّى تَتَنازَلَ المَرأةُ عن بَعضِ حَقِّها لِتَخرُجَ مِنه.

«إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ»: استِثناءٌ يَشتَرِطُ الظُّهور

ثُمَّ يُستَثنى: «إلّا أن يَأتينَ بِفاحِشةٍ مُبَيِّنة». والفِعلُ «يَأتينَ» هو فِعلُ آيةِ الإمساكِ نَفسُه، غَيرَ أنَّه وَقَعَ هُناكَ على «الفاحِشة» مُعَرَّفةً بِغَيرِ حَرف، ووَقَعَ هُنا على «فاحِشةٍ» نَكِرةٍ بِالباء، ووُصِفَت بِأنَّها «مُبَيِّنة»، أي ظاهِرةٌ تُبينُ عن نَفسِها. والآيَتانِ تَشتَرِطانِ الظُّهورَ فيما يُبنى على الفاحِشة: هُناكَ بِشَهادةِ أربَعة، وهُنا بِوَصفٍ يَجعَلُها بَيِّنةً في نَفسِها. والاستِثناءُ مُتَّصِلٌ بِالنَّهيِ عن العَضل، يَرفَعُه في هذه الصّورةِ وَحدَها، وما وَراءَ رَفعِه تَترُكُه الآيةُ مَفتوحاً.

«وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ»: عِشرةٌ يَتَبادَلُها اثنان

وبَعدَ نَهيَينِ يَأتي أمر: «وعاشِروهُنَّ بِالمَعروف». والمُعاشَرةُ من ع-ش-ر، والجِذرُ يَدورُ على جَماعةٍ يُخالِطُ بَعضُها بَعضاً، ومنه «العَشيرة» لِلقَومِ المُتَخالِطين، و«العَشير» لِلصّاحِبِ المُلازِم. وجاءَ الفِعلُ على المُفاعَلة، فالعِشرةُ فِعلٌ يَتَبادَلُه اثنان، والمَرأةُ فيه طَرَفٌ يُعاشِرُ كما يُعاشَر. والمَعروفُ من ع-ر-ف، ما عَرَفَه النّاسُ فاطمَأنَّت إلَيه نُفوسُهُم ولم يُنكِروه، والباءُ تَجعَلُه مُصاحِباً لِلعِشرةِ في كُلِّ أحوالِها. فبَعدَ أن مَنَعَت الآيةُ أن تُعامَلَ المَرأةُ مالاً يُورَث، ومَنَعَت أن تُضَيَّقَ لِيُستَرَدَّ ما أُعطِيَت، وَصَفَت ما يَكونُ مَكانَ ذلك: حَياةً مُشتَرَكةً يَصحَبُها ما يَعرِفُه النّاسُ ويَرضَونَه.

«فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا»: كُرهٌ يُفتَحُ على خَيرٍ مَجعول

ثُمَّ يَعودُ الجِذرُ ك-ر-ه، وقد انتَقَلَ من المَرأةِ إلى الرَّجُل: «فإن كَرِهتُموهُنّ». والجَوابُ «فعَسى»، و«عَسى» فِعلُ رَجاءٍ يَفتَحُ الأمرَ على احتِمالٍ لم يَقَع، و«شَيئاً» نَكِرةٌ تَجعَلُ الكَلامَ أوسَعَ من المَرأةِ وَحدَها، فهو حُكمٌ في كُلِّ ما يُكرَه، ثُمَّ تَدخُلُ المَرأةُ فيه. و«ويَجعَلَ اللهُ فيه خَيراً كَثيراً»: الجَعلُ «فيه»، في الشَّيءِ المَكروهِ نَفسِه، فالخَيرُ مَوضوعٌ داخِلَ ما يُكرَه. والخَيرُ من خ-ي-ر، ما يُختارُ لِنَفعِه ويَنفُذُ أثَرُه في صاحِبِه، ووَصفُه بِـ«كَثيراً» يُعَظِّمُ ما يَجعَلُه اللهُ فيه.

وفي مَوضِعٍ آخَرَ يَرِدُ تَركيبٌ قَريبٌ من هذا: وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾، والخَيرُ هُناكَ صِفةٌ لِلشَّيءِ نَفسِه، وهو هُنا خَيرٌ يَجعَلُه اللهُ فيه، فيَكونُ الخَيرُ في آيةِ النِّساءِ فِعلاً من اللهِ يَتَجَدَّدُ في داخِلِ ما يُكرَه. والفِعلُ «يَجعَلَ» هو فِعلُ آيةِ الإمساك: «أو يَجعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبيلاً»، فاللهُ في الآيَتَينِ يَجعَلُ ما لا يَملِكُه المُخاطَبون: سَبيلاً لِلمُمسَكات، وخَيراً في المَكروه.


حَصيلة

أوَّلُ نِداءٍ في السّورةِ لِـ«الَّذينَ آمَنوا» يَأتي بِنَهيٍ عن أن تُعامَلَ النِّساءُ مالاً يُورَث: «لا يَحِلُّ»، من ح-ل-ل، عُقدةٌ باقيةٌ على المَنع، و«تَرِثوا»، من و-ر-ث، فِعلٌ جَعَلَ لِلنِّساءِ نَصيباً في آياتِ المَواريثِ ويُمنَعُ هُنا أن يَقَعَ عَلَيهِنّ، و«كَرهاً»، من ك-ر-ه، هَيئةٌ تَجعَلُ إرادةَ المَرأةِ مَوضِعَ الحُكم. ثُمَّ يُنهى عن العَضل، من ع-ض-ل، تَضييقاً يُرادُ بِه أن تَرُدَّ المَرأةُ بَعضَ ما أُعطِيَت خالِصاً، ويُستَثنى من النَّهيِ فاحِشةٌ «مُبَيِّنة» تَشتَرِطُ الظُّهورَ كما اشتَرَطَته شَهادةُ الأربَعة. ويَحُلُّ مَحَلَّ ذلك كُلِّه أمرٌ بِالمُعاشَرة، من ع-ش-ر، عِشرةً يَتَبادَلُها الاثنانِ ويَصحَبُها المَعروف، من ع-ر-ف. وتُختَمُ الآيةُ بِكُرهِ الرَّجُل، فتَضَعُ أمامَه «عَسى»، وتَجعَلُ الخَيرَ، من خ-ي-ر، شَيئاً يَضَعُه اللهُ في داخِلِ المَكروه، بِالفِعلِ نَفسِه الذي يَجعَلُ بِه سَبيلاً لِلمُمسَكاتِ في آيةِ الإمساك.