البقرة · الآية 232

﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ ۗ ذَٰلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۗ ذَٰلِكُمْ أَزْكَىٰ لَكُمْ وَأَطْهَرُ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ ۗ ذَٰلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۗ ذَٰلِكُمْ أَزْكَىٰ لَكُمْ وَأَطْهَرُ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ

تَحَوُّلُ الخِطاب: مِنَ الزَّوجِ إلى الجَماعة

ألاحِظُ أنَّ الآياتِ (228-231) خاطَبَت الأزواجَ مُباشَرة: «طَلَّقتُم»، «أمسِكوهُنَّ»، «لا تُمسِكوهُنَّ ضِرارًا». أمّا هُنا فَالخِطابُ يَتَّسِعُ: وَإذا طَلَّقتُمُ النِّساءَ فَبَلَغنَ أجَلَهُنَّ فَلا تَعضُلوهُنَّ أن يَنكِحنَ أزواجَهُنَّ. يَلاحَظُ أنَّ الفاعِلَ هُنا ليسَ الزَّوجَ السّابِقَ بَل المُحيطَ الأُسَريَّ والاجتِماعيَّ (الآباء، الإخوة، الأعمام، زُعَماءُ القَبيلة). فَالنَّصُّ يَعيدُ صياغةَ المَسأَلةِ: لَيسَت مَشكِلةُ الرَّجعةِ والطَّلاقِ شَأنًا زَوجيًّا فَقَط، بَل يَتَدَخَّلُ فيها عَقلٌ اجتِماعيٌّ ذُكوريٌّ يَطمَحُ إلى التَّحَكُّمِ في المَرأة. والآيةُ تَقطَعُ هذا التَّدَخُّل.

جَذرُ (ع ض ل): التَّسميةُ الَّتي تَكشِفُ المَرَض

أُبَيِّنُ دَقَّةَ اختيارِ الكَلِمة. «عَضَلَه» في اللُّغةِ حَبَسَه ومَنَعَه. وَمِنها: الدَّاءُ العُضالُ، أي الَّذي يُعجِزُ الأطِبّاءَ عَن عِلاجِه، يَبقى مُتَحَجِّرًا في الجَسَد. فَحينَ يَسمي النَّصُّ تَدَخُّلَ الأَولياءِ «عَضلًا»، يَضَعُه في خانةِ المَرَضِ المُتَحَجِّرِ لا السُّلطةِ المَشروعة. هذا خيارٌ لَفظيٌّ حاسِم: العَضلُ ليسَ حِمايةً أَبَويَّة، وَليسَ غَيرةً شَريفة، وَليسَ فِقهًا لِلمَصلَحة. هوَ دَاءٌ يَحبِسُ المَرأةَ في أَلَمٍ مُتَجَدِّد.

جَذرُ (ن ك ح) وَ«أزواجَهُنَّ»: الوَصفُ القُرآنيُّ الصّادِمُ

أؤكِّدُ على مُفاجَأةٍ لَفظيَّةٍ لا يَنتَبِهُ لَها كَثيرون. النَّصُّ يَقولُ أن يَنكِحنَ أزواجَهُنَّ. ألا يُفتَرَضُ أنَّ الطَّلاقَ قَد أنهى كَونَه زَوجًا؟ بَلى، لكنَّ النَّصَّ القُرآنيَّ يَحفَظُ الذَّاكِرةَ البِنيَويَّة: هوَ مَن كانَ زَوجَها، وَهيَ مَن كانَت زَوجَته. فَالعَودةُ إليه لَيست زَواجًا مِن «غَريبٍ» بَل استِئنافُ عَقدٍ سابِقٍ انقَطَعَ. هذا يَنفي وَصمَةَ الزَّواجِ الثّاني بِالسّابِقِ ويَجعَلُه مَشروعًا طَبيعيًّا.

جَذرُ (ر ض و) وَ«تَراضَوا بينَهُم بِالمَعروف»: القَرارُ الأُفُقيّ

أُلاحِظُ أنَّ شَرطَ العَودةِ إذا تَراضَوا بينَهُم بِالمَعروف. «التَّراضي» تَفاعُلٌ مُتَبادَل، يَستَلزِمُ رِضا الطَّرَفَين. لاحِظوا أنَّ النَّصَّ لا يَقولُ «إذا رَضيَ هوَ» أو «إذا رَضيَت هيَ» بَل «تَراضَوا»: قَرارٌ يَصدُرُ مِن مِحوَرٍ أُفُقيٍّ بَينَ الزَّوجَين. أمّا دَورُ الوَليِّ فَمَحذوفٌ تَمامًا مِن هذه المُعادَلة. فَالرِّضا الأُسَريُّ ليسَ شَرطًا: الشَّرطُ هوَ رِضا الطَّرَفَين وَأن يَكونَ بِالمَعروف، أي بِلا غِشٍّ ولا مُساوَمةٍ بِالمَهرِ على غَيرِ المَعتاد.

جَذرُ (و ع ظ) وَ«يُوعَظُ بِه»: الخِطابُ التَّربَويّ للمُؤمِنين

أُشيرُ إلى أنَّ الآيةَ تَسلُكُ مَسلَكًا تَربَويًّا واضِحًا: ذلكَ يُوعَظُ بِه مَن كانَ مِنكُم يُؤمِنُ بِاللهِ واليَومِ الآخِر. الوَعظُ (و ع ظ) تَذكيرٌ يُليِّنُ القَلبَ ويُعيدُه إلى الحَقّ. النَّصُّ يَرى أنَّ مَن يَعضُلُ المَرأةَ يَحمِلُ في قَلبِه قَسوةً تَحتاجُ إلى لَمسٍ تَربَويٍّ لا إلى مُجَرَّدِ أمرٍ قانونيّ. والإيمانُ بِاللهِ واليَومِ الآخِرِ هوَ الَّذي يَفتَحُ الباب لِتَقَبُّلِ هذه المَوعِظة.

جَذرُ (ز ك و) وَ(ط ه ر): حُكمٌ فِطريٌّ لا أخلاقيٌّ تَقليديّ

أُبَيِّنُ جَمالَ الخِتام: ذلكُم أزكى لَكُم وَأطهَر. «الزَّكاء» (ز ك و) نَماءٌ وَنَقاءٌ معًا، كَما في الزَّرعِ يَطيبُ وَيَنمو. وَ«الطَّهارة» (ط ه ر) نَقاءٌ مِن الشَّوائِب. فَعَدَمُ العَضلِ لَيسَ مُجَرَّدَ التِزامٍ قانونيٍّ، بَل نُموٌّ لِلمُجتَمَعِ وَنَقاءٌ لَه. والأَهَمُّ: «لكُم» لا «لَها». أي: حينَ يَتَوَقَّفُ المُجتَمَعُ الذُّكوريُّ عَن العَضلِ، يَرتَقي هوَ نَفسُه، يَتَطَهَّرُ مِن دَاءٍ كانَ يُشَوِّهُ بِنيَتَه. المَرأةُ ليسَت الفَريسةَ الَّتي تُنقَذُ فَحَسب، بَل المَرآةُ الَّتي يَرى فيها المُجتَمَعُ صِحَّتَه أو مَرَضَه.

«اللهُ يَعلَمُ وَأنتُم لا تَعلَمون»: التَّواضُعُ المَعرفيّ أمامَ القَرار

أختِمُ تَحليلي بِالتَّأمُّلِ في وَاللهُ يَعلَمُ وَأنتُم لا تَعلَمون. هذا تَعبيرٌ نادِرٌ في القُرآن، يَظهَرُ في مَقاماتٍ دَقيقَة. مَعناه: أنتُم أيُّها الأولياءُ قَد تَظُنّونَ أنَّكُم تَحمونَ المَرأةَ مِن رَجُلٍ أضاعَها، لَكِنَّ عِلمَ اللهِ مُحيطٌ بِما في القُلوبِ مِن نَدَمٍ وَتَحَوُّلٍ، وَما في الرَّجُلِ الَّذي قَرَّرَ الرَّجعةَ مِن نُضوج. أنتُم تَرَونَ لَحظةً ماضيةً، واللهُ يَرى المُستَقبَلَ والقُلوبَ. فَلا تَسبِقوا علمَ اللهِ بِأحكامِكُم.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: «العَضل» تَسميةٌ قُرآنيَّةٌ دَقيقةٌ للسُّلطةِ الذُّكوريَّةِ الَّتي تَمنَعُ المَرأةَ مِن قَرارِها، وَتَضَعُها في خانَةِ المَرَضِ المُتَحَجِّر؛ و«تَراضَوا بينَهم» قَرارٌ أُفُقيٌّ بَينَ الزَّوجَينِ فَقَط؛ و«ذلكُم أزكى لكم وأطهر» حُكمٌ فِطريٌّ يَكشِفُ أنَّ العَضلَ نَجاسةٌ اجتِماعيَّةٌ تُعيقُ نُموَّ المُجتَمَعِ وَنَقاءَه؛ و«اللهُ يَعلَمُ وأنتُم لا تَعلَمون» خِتامُ التَّواضُعِ المَعرفيِّ أمامَ قَراراتِ النّاسِ الحَميمة.


حَصيلة

الآيةُ تُوَسِّعُ الخِطابَ مِن الأزواجِ إلى المُحيطِ الاجتِماعيِّ الأوسَع: الآباءِ والإخوةِ وَزُعَماءِ الأُسَر، فَالعائِقُ الَّذي تُعالِجُه هو ثَقافةُ الوِصايةِ الذُّكوريَّةِ على قَرارِ المَرأةِ حَتَّى بَعدَ انقِضاءِ عِدَّتِها. وجِذرُ ع-ض-ل في «تَعضُلوهُنَّ» اختيارٌ حاسِم: العَضلُ داءٌ مُتَحَجِّرٌ يَحبِسُ المَرأةَ كَداءِ الطَّبِّ العُضال، لا حِمايةٌ أَبَويَّة. وقَيدُ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ﴾ يَجعَلُ الرِّضا أُفُقيًّا بَينَ الزَّوجَين، فَدَورُ الوَليِّ مَحذوفٌ مِن المُعادَلةِ كُلِّيّاً. وجِذرُ ز-ك-و وط-ه-ر في ذَٰلِكُمْ أَزْكَىٰ لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾ مُوَجَّهٌ لِلمُجتَمَعِ «لكُم» لا «لَها»، فمَن يَرفَعُ العَضلَ يُطَهِّرُ نَفسَه قَبلَ أن يَحمي غَيرَه. وجِذرُ و-ع-ظ في «يُوعَظُ» يُعلِّمُ أنَّ العائِقَ في القَلبِ لا في الفِقهِ وَحدَه، فَالإيمانُ هو الَّذي يُليِّنُ هذا الحَجر. وتَختِمُ بِعِبارةٍ نادِرةٍ: وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، أي أنتُم قَد تَظُنّونَ أنَّكُم تَحمونَ، واللهُ يَرى ما في القَلبِ مِن نُضوجٍ ونَدَمٍ لا تَرَونَه أنتُم؛ فَلا تَسبِقوا عِلمَه بِأحكامِكُم.