الآناء
بُلوغُ الشَّيءِ غايَتَهُ ونِهايةَ مَداه. مِنه ساعاتُ اللَّيلِ يَبلُغُ كُلٌّ مِنها حَدَّه، ومِنه العَينُ تَبلُغُ مُنتَهى حَرِّها.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
- أ: احتِباسٌ وضَغطٌ وتَهَيُّؤ، ثُمَّ إطلاقٌ مُفاجِئ.
شِحنَتُه: احتِباسٌ وضَغطٌ ثُمَّ إطلاقٌ عِندَ الحَدّ.
- ن: احتِواءٌ جَوفِيٌّ ثُمَّ نَفاذٌ وانبِعاثٌ إلى الخارِج.
شِحنَتُه: احتِواءٌ في الباطِنِ يَنبَعِثُ إلى الخارِج.
- ي: امتِدادٌ ولِينٌ وسَريان.
شِحنَتُه: امتِدادٌ يَسري إلى مُنتَهاه.
النَّواةُ أن (أ + ن) = قَطعٌ يَنبَعِثُ عِندَ بُلوغِ الحَدّ: ما احتُبِسَ في الجَوفِ حَتّى تَهَيَّأ، ثُمَّ خَرَجَ. والإغلاقُ بـي يَمُدُّ هذا البُلوغَ إلى غايَتِه، فيَصيرُ الجَذرُ: بُلوغُ الشَّيءِ غايَتَهُ ونِهايةَ مَداه.
ومنه في كَلامِ العَرَب: آنى الشَّيءُ بَلَغَ وقتَهُ وأدرَك، وأنى الأمرُ حانَ وقَرُبَ بُلوغُه، والإناءُ وِعاءٌ بَلَغَ تَمامَ صُنعِه فاحتَوى.
الشِّحنةُ الجامِعة: انتِهاءُ الشَّيءِ إلى مَداهُ الذي لا مَزيدَ وَراءَه.
الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن
- آنَاءَ (جَمعٌ مَنصوبٌ على الظَّرفِ مُضافٌ إلى اللَّيل)، ٣:١١٣:
الجَمعُ يَفتَحُ في اللَّيلِ أوقاتاً مُتَفَرِّقةً يَبلُغُ كُلٌّ مِنها حَدَّه، والنَّصبُ يَجعَلُها ظَرفاً لِفِعلٍ يَقَعُ فيها.
- آنَاءِ (الجَمعُ نَفسُه مَجروراً بِـ«مِن» التَّبعيضِيّة)،
٢٠:١٣٠: الجَرُّ يُبَعِّضُ الجَمعَ بَعدَ أن كانَ في المَوضِعِ الأوَّلِ ظَرفاً مَبسوطاً.
- آنِيَةٍ (اسمُ فاعِلٍ مُؤَنَّثٌ نَعتاً لِعَين)، ٨٨:٥: الصّيغةُ
تَنقُلُ البُلوغَ من الوَقتِ إلى الحال، فتَصِفُ ما بَلَغَ مُنتَهى حَرِّه.
الجَذرُ قَبلَ الوَزن: البُلوغُ إلى المَدى من الحُروف، والجَمعُ
يُعَدِّدُ ما بَلَغ، واسمُ الفاعِلِ يُثبِتُ البُلوغَ وَصفاً قائِماً.
الفُروق المَعنويّة
لا فَرعَ مُستَقِلّاً لِهذا الجَذرِ في المَنشور: لا «إناء» ولا «إنى» ولا فِعلَ لَه. والوَجهانِ المَكتوبانِ وَجها أصلٍ واحِد: بُلوغٌ في الزَّمَن (٣:١١٣ و٢٠:١٣٠)، وبُلوغٌ في الحال (٨٨:٥). والجامِعُ أنَّ المَوصوفَ في كِلَيهِما انتَهى إلى مَداه.
وأمّا «أنّى» الاستِفهامِيّةُ فأداةٌ لا تُقرَأُ هُنا: المَنشورُ يَكتُبُها سُؤالاً عن الجِهةِ والحال، والمُدَوَّنةُ لا تُفرِدُ لِلأدَواتِ مَفاهيمَ مُستَقِلّة.
المَواضع: مَواقعُ الكَلِمةِ في المُصحَف (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٣:١١٣ ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾: مَوضِعُ الافتِتاح. الجَمعُ يَقطَعُ اللَّيلَ أوقاتاً
يَبلُغُ كُلٌّ مِنها حَدَّه، فلا يُؤخَذُ اللَّيلُ كُتلةً واحِدةً ولا يُختَزَلُ في لَحظة. وجاءَ ظَرفاً لِمُضارِعٍ جارٍ، فالتِّلاوةُ تَعودُ في هذه الأوقاتِ لا تَقَعُ مَرّةً. ويُقرَنُ بِها حالٌ ثانِيةٌ في السَّطرِ نَفسِه، فيَصيرُ السَّترُ ظَرفَ قِيامٍ لا وَقتَ انقِطاع. والمَوصوفونَ أُمّةٌ قائِمةٌ استُثنِيَت من تَسوِيةٍ نُفِيَت قَبلَها.
- ٢٠:١٣٠ ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾: الجَديدُ: تَدخُلُ «مِن» فتُبَعِّضُ الجَمعَ بَعدَ أن كانَ
مَبسوطاً: لا آناءَ اللَّيلِ كُلَّها بَل بَعضُها. وقُدِّمَ الظَّرفُ على فِعلِه فدَخَلَت عَلَيه الفاء، فصارَ الوَقتُ هو المُبتَدَأَ بِه لا العَمَل. ويوضَعُ في نَسَقٍ مَعَ حَوافَّ أُخرى: ما قَبلَ طُلوعِ الشَّمسِ وما قَبلَ غُروبِها وأطرافِ النَّهار، فالمَذكورُ كُلُّه حُدودٌ يَبلُغُ عِندَها الوَقتُ مُنتَهاه. والمُخاطَبُ واحِدٌ يُؤمَرُ، بَعدَ أن كانَ في المَوضِعِ الأوَّلِ جَماعةً توصَف.
- ٨٨:٥ ﴿تُسْقَىٰ مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾: الجَديدُ: يَنتَقِلُ الجَذرُ
من الظَّرفِ إلى النَّعت، ومن بُلوغِ الوَقتِ إلى بُلوغِ الحال: عَينٌ بَلَغَ حَرُّها مَداهُ فلَم يَبقَ وَراءَهُ مَزيد. وهو أوَّلُ مَوضِعٍ يوصَفُ فيه بِالجَذرِ شَيءٌ لا وَقت. وجاءَ نَعتاً لِنَكِرةٍ بَعدَ فِعلٍ مَبنيٍّ لِلمَجهول، فلا يُسَمّى السّاقي ولا تُعَيَّنُ العَين. وما كانَ في المَوضِعَينِ السّابِقَينِ يُوَقِّتُ قِياماً وتَسبيحاً يَصيرُ هُنا يُوَقِّتُ شِدّةً بَلَغَت غايَتَها.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
layla: المُضافُ إليه في المَوضِعَينِ الأوَّلَين، فالآناءُ لا
تُذكَرُ في المَنشورِ إلّا مُضافةً إلى اللَّيل.
tilawa: ٣:١١٣ تَجعَلُ التِّلاوةَ ما يَقَعُ في الآناء.sujud: ٣:١١٣ تَقرِنُ بِالتِّلاوةِ حالاً جارِيةً مَعَها، فيَجتَمِعُ
القَولُ والهَيئةُ في الوَقتِ الواحِد.
umma: ٣:١١٣ تَنسِبُ القِيامَ في الآناءِ إلى أُمّةٍ قائِمةٍ
مُستَثناةٍ من تَسوِيةٍ نُفِيَت.
tasbih: ٢٠:١٣٠ تَجعَلُ التَّسبيحَ ما يُؤمَرُ بِه في بَعضِ
الآناء.
ayn: ٨٨:٥ تَجعَلُ المَوصوفَ بِالبُلوغِ عَيناً يُسقى مِنها.hamiya: تُجاوِرُ «آنِيَة» في وَصفِ بُلوغِ الحَرِّ مُنتَهاه،
والفَرقُ أنَّ تِلكَ تَصِفُ الاتِّقادَ وهذه تَصِفُ بُلوغَ المَدى.
ghashiya: ٨٨:٥ داخِلةٌ في مَشهَدِ الغاشِيةِ الذي تُعرَضُ فيه
الوُجوهُ وما تُسقى.
الإشكالات المَفتوحة
- «أنّى» الاستِفهامِيّةُ لا مَفهومَ لَها هُنا. المَنشورُ يَكتُبُها
في مَواضِعَ عِدّةٍ سُؤالاً عن الجِهةِ والحال، وهي أداةٌ لا اسمَ مَعنىً، والمُدَوَّنةُ تَضَعُ الأدَواتِ في مَوضِعِها من المَفاهيمِ المُجَمَّعةِ لا في مَفهومٍ مُستَقِلّ. فهذا المَفهومُ يَحمِلُ ما يَحمِلُه الجَذرُ من مَعنىً قائِمٍ بِنَفسِه: الآناءَ والآنِية.
- هَل «الآناء» ساعاتٌ مَعدودةٌ أم أوقاتٌ بِلا عَدّ؟ المَوقِفُ من
الحُروف: الأصلُ بُلوغُ المَدى، والبُلوغُ لا يَقتَضي عَدَداً مَعروفاً بَل حَدّاً يُنتَهى إلَيه. والمَنشورُ لا يَذكُرُ لَها عَدَداً في المَوضِعَين، ويُدخِلُ عَلَيها التَّبعيضَ في الثّاني، فيُقالُ ما يَحمِلُه اللَّفظ: أوقاتٌ يَبلُغُ كُلٌّ مِنها غايَتَه، ويُترَكُ عَدَدُها لِما لَم يَرِد.