طه · الآية 130

﴿فَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا ۖ وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا ۖ وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ

«فَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ»: الأمرُ يَقَعُ على كَلامٍ لا على أحَد

والفاءُ تَصِلُ ما بَعدَها بِما قَبلَها، وقد تَقَدَّمَ ذِكرُ كَلِمةٍ سَبَقَت وأجَلٍ لَه اسمٌ لا يُقال، فجاءَ الأمرُ بَعدَه.

و«اصْبِرْ» من ص-ب-ر، وأصلُه إمساكٌ صُلبٌ يَتَعَلَّقُ بِمَوضِعِه ثُمَّ يُعادُ ويُستَأنَف، فهو قَبضةٌ تُشَدُّ ثُمَّ تُشَدُّ ثانِية، وليسَ احتِمالاً يَنقُصُ بِه صاحِبُه.

و«عَلَىٰ» حَرفُ استِعلاء، وأوثِرَ على اللّامِ في «اصبِرْ لِما يَقولون» وعلى «مِن» في «مِمّا يَقولون»، فالصّابِرُ يَقومُ فَوقَه ولا يَقومُ تَحتَه.

والمَأمورُ بِالصَّبرِ عَلَيه «مَا يَقُولُونَ»، أي كَلامٌ يُقال، وليسَ قَوماً ولا أذىً ولا مُعامَلة. والقائِلونَ ضَميرٌ لا يُسَمّى، والمَقولُ اسمٌ مَوصولٌ لا يُذكَرُ ما هو.

وق-و-ل صَوتٌ يُطلَقُ مَوصولاً فيَمتَدُّ إلى سامِع، فالذي يُصبَرُ عَلَيه ما بَلَغَ الأُذُن، لا ما وَقَرَ في الصُّدور.

«وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ»: فِعلانِ يُوصَلانِ بِباءِ مُصاحَبة

وهذا أمرٌ ثانٍ مَعطوفٌ على الأوَّل، والأوَّلُ إمساكٌ والثّاني إطلاق.

و«سَبِّحْ» من س-ب-ح، ومَعناه مُرورٌ لا يَعلَقُ بِصاحِبِه مِنه شَيء، ومِنه «السِّباحةُ»، وهي حَرَكةٌ في وَسَطٍ يَخرُجُ مِنه السّابِحُ ولا يَحمِلُ مِنه شَيئاً.

و«حَمْد» من ح-م-د، وهو ثَناءٌ يَخرُجُ خالِصاً ثُمَّ يَستَقِرُّ على مَن قيلَ فيه. فالأوَّلُ يُخَلّي والثّاني يَضَع، ذاكَ يَنزِعُ ما عَلِقَ، وهذا يُثبِتُ ما ثَبَت.

والباءُ في «بِحَمْدِ» لِلمُصاحَبة، فلا يَنفَصِلُ أحَدُ الحَدَثَينِ عن الآخَر، والمُرادُ تَنزيهٌ يُحمَلُ مَعَه ثَناء، فلا تَخلِيَةَ بِلا وَضع.

وهذانِ اللَّفظانِ قد جُمِعا في مَوضِعٍ آخَرَ من الكِتاب في قَولِه يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾، وفاعِلُه هُناكَ كُلُّ شَيء، ويُؤمَرُ بِه هُنا واحِدٌ مُخاطَب، ويُكتَفى بِذِكرِ الجَمعِ بَينَ الكَلِمَتَينِ دونَ إعادةِ شَرحِ ما هُناك.

«قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا»: حَرَكَتانِ مُتَقابِلَتانِ لِجِرمٍ واحِد

و«الطُّلوعُ» من ط-ل-ع، وأصلُه انبِساطٌ يَبرُزُ من باطِنٍ إلى ظاهِر، أي خُروجُ ما كانَ مَحجوباً إلى الاطِّلاع.

و«الغُروبُ» من غ-ر-ب، ومَدارُه على غَؤورٍ يَستُرُ ويَبعُدُ في الباطِن. فالأوَّلُ خُروجٌ من غَورٍ إلى ظُهور، والثّاني رُجوعٌ من ظُهورٍ إلى غَور.

والفِعلانِ مَنسوبانِ إلى جِرمٍ واحِد، ذُكِرَ بِاسمِه «الشَّمْسِ» ثُمَّ بِضَميرِه في «غُرُوبِهَا»، فهُما حَرَكَتانِ مُتَقابِلَتانِ لِشَيءٍ واحِد.

والظَّرفُ في المَوضِعَينِ «قَبْلَ»، وعُدِلَ عن «عِندَ الطُّلوعِ» و«عِندَ الغُروب» إلى ما قَبلَهُما، فالأمرُ يُوضَعُ في الحاشِيَتَينِ لا في الحَدَثَين.

«وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ»: بَعضٌ من لَيلٍ وحَوافُّ نَهار

و«مِنْ» تَبعيضِيّة، فالمُرادُ بَعضُ آناءِ اللَّيلِ لا آناؤه كُلُّها. وقُدِّمَ الظَّرفُ على فِعلِه فدَخَلَت عَلَيه الفاءُ: «فَسَبِّحْ». ويُعادُ الفِعلُ نَفسُه بَعدَ أن ذُكِرَ قَبلَه بِقَليل.

و«أَطْرَافَ» من ط-ر-ف، وهو امتِدادٌ يَنتَهي إلى حَدٍّ يَنفَصِلُ عَمّا بَعدَه، فالطَّرَفُ مُنتَهى الشَّيءِ حَيثُ يَنقَطِعُ ويَبتَدِئُ غَيرُه.

وجاءَ جَمعاً، ولم تُعَدَّ أطرافُ النَّهارِ في الآيةِ ولم تُسَمَّ، فيُقرَأُ الجَمعُ كما وَرَدَ ولا يُقَيَّدُ بِعَدَد.

فالمَواضِعُ في الآيةِ كُلُّها حَوافُّ وحَواشٍ: قَبلَ طُلوع، وقَبلَ غُروب، وبَعضٌ من لَيل، وأطرافُ نَهار، ولم يُذكَرْ فيها وَسَطُ شَيء.

«لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ»: الضَّميرُ يُقرَأُ ولا يُبَدَّل

و«لَعَلَّ» لا تُفيدُ يَقيناً، وما بَعدَها غايةٌ تُرجى ولا يُقطَعُ بِوُقوعِها.

و«تَرْضَىٰ» فاعِلُه ضَميرُ المُخاطَبِ المُستَتِر، فهو الذي يَرضى، ولم تَجِئِ العِبارةُ «لِيَرضى عَنكَ» ولا «لِتَنالَ رِضاه». فالرِّضا المَرجُوُّ في الآيةِ رِضا المَأمور.

وهذا يُقرَأُ كما هو ولا يُبَدَّل. وقد جاءَ هذا الفِعلُ بِصيغَتِه في السّورةِ نَفسِها في مَوضِعٍ آخَرَ مَقولاً لِلرَّبِّ في قَولِ رَجُلٍ وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ﴾، فالفِعلُ واحِدٌ والمُخاطَبُ بِه يَختَلِف، يُطلَبُ بِه مَرّةً رِضا مَن يُنادى، ويُرجى بِه مَرّةً رِضا مَن يُؤمَر.

ور-ض-ي أصلُه انبِساطٌ لَطيفٌ يَسري في مَحَلِّه فيَثبُت، فالمَرجُوُّ حالٌ تَنبَسِطُ في صاحِبِها وتَستَقِرّ، لا شَيءٌ يُعطاه من خارِج.

فقد أُمِرَ أن يُمسِكَ على قَولٍ يُقال، ورُجِيَ لَه أن يَنبَسِط.


حَصيلة

فاءٌ تَصِلُ الأمرَ بِما تَقَدَّمَ من كَلِمةٍ سَبَقَت وأجَلٍ لا يُقالُ اسمُه. و«اصبِرْ» من ص-ب-ر، وهو إمساكٌ صُلبٌ يَتَعَلَّقُ بِمَوضِعِه ثُمَّ يُستَأنَف، و«على» استِعلاءٌ يُقيمُ المَأمورَ فَوقَ ما يُصبَرُ عَلَيه، والمَصبورُ عَلَيه كَلامٌ يُقالُ لا قَومٌ يُسَمَّون. ثُمَّ أمرٌ ثانٍ: «سَبِّحْ» من س-ب-ح، ومَعناه مُرورٌ لا يَعلَقُ بِصاحِبِه مِنه شَيء، و«حَمد» من ح-م-د، وهو ثَناءٌ يَخرُجُ خالِصاً فيَستَقِرُّ على مَن قيلَ فيه، والباءُ لِلمُصاحَبةِ فلا يَنفَصِلُ أحَدُ الحَدَثَينِ عن الآخَر، فهي تَخلِيَةٌ يُحمَلُ مَعَها وَضع. وهُما اللَّفظانِ اللَّذانِ جُمِعا في مَوضِعٍ آخَرَ من الكِتابِ فاعِلُه فيه كُلُّ شَيء، ويُؤمَرُ بِهِما هُنا واحِد. ثُمَّ ظُروفٌ تُقرَأُ من ألفاظِها: «طُلوع» من ط-ل-ع، وهو بُروزٌ من باطِنٍ إلى ظاهِر، و«غُروب» من غ-ر-ب، وهو غَؤورٌ يَستُرُ في الباطِن، وهُما حَرَكَتانِ مُتَقابِلَتانِ لِجِرمٍ واحِدٍ ذُكِرَ ثُمَّ عادَ ضَميراً، وكِلتاهُما مَسبوقةٌ بِـ«قَبلَ»، فالأمرُ مَوضوعٌ في الحاشِيَتَينِ لا في الحَدَثَين. ثُمَّ «مِن» التَّبعيضِيّةُ في آناءِ اللَّيل، وإعادةُ الفِعلِ بَعدَ تَقديمِ ظَرفِه، ثُمَّ «أطراف» من ط-ر-ف، وهو مُنتَهى الشَّيءِ حَيثُ يَنقَطِعُ ويَبتَدِئُ غَيرُه، وقد جاءَ جَمعاً بِلا عَدَد، فالمَذكورُ كُلُّه حَوافُّ ولا يُذكَرُ فيه وَسَط. ثُمَّ «لَعَلَّ» بِلا يَقين، وفِعلٌ فاعِلُه ضَميرُ المُخاطَب، فالرِّضا المَرجُوُّ رِضاه هو، وهو من ر-ض-ي، ومَعناه انبِساطٌ لَطيفٌ يَسري في مَحَلِّه فيَثبُت. والمَأمورُ بِه قَبضةٌ تُشَدُّ على قَولٍ يُقال، والمَرجُوُّ لَه انبِساطٌ يَستَقِرُّ فيه.