الغاشية · الآية 5

﴿تُسْقَىٰ مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

تُسْقَىٰ مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ

«تُسْقَىٰ»: سَقيٌ يُساقُ إلى مَن لا يَختار

بُنِيَ الفِعلُ لِما لم يُسَمَّ فاعِلُه: «تُسقَىٰ»، وأوثِرَ على «تَشرَب». والفَرقُ بَينَهُما أنَّ الشُّربَ فِعلُ الشّارِبِ يَأخُذُه بِنَفسِه، أمّا السَّقيُ فإيرادٌ يُساقُ إلى المَسقِيِّ من خارِج، فالوَجهُ هُنا يوقَفُ على عَينٍ ويورَدُها، ولا يَطلُبُ الماءَ ولا يَختارُ مَورِدَه. والجِذرُ س-ق-ي يَدورُ على إيصالِ الماءِ إلى ما يَحتاجُه: تُسقى الأرضُ فتُحيا، ويُسقى الزَّرعُ فيَنبُت، وحَملُ هذا المَعنى على وَجهٍ في كَبَدٍ يَقلِبُ الرِّيَّ المُنتَظَرَ إلى وُرودٍ مَخوف.

والآيةُ مُتَّصِلةٌ بِما قَبلَها: وُجوهٌ يَومَئِذٍ خاشِعةٌ عامِلةٌ ناصِبةٌ تَصلَىٰ ناراً، ثُمَّ تُساقُ بَعدَ النَّصَبِ إلى سَقيٍ لا يُطفِئ، فالسَّقيُ الذي يُنتَظَرُ مِنه أن يُبَرِّدَ يَأتي على غَيرِ ما يُنتَظَر، إذ يوصَفُ مَورِدُه بِما يَلي.

«مِنْ عَيْنٍ»: مَنبَعٌ نابِعٌ لا إناءٌ يَنفَد

والمَورِدُ «عَين»، والجِذرُ ع-ي-ن يَدورُ على ما يَنبَعُ ويَظهَرُ من باطِنٍ فيَجري، فعَينُ الماءِ مَنبَعُه الذي يَتَدَفَّقُ من جَوفِ الأرضِ فلا يَنقَطِع، وعَينُ النّاظِرِ مَنبَعُ النَّظَرِ ومَورِدُه. وعُدِلَ عن الإناءِ إلى العَين، فصارَ المَورِدُ دائِماً نابِعاً لا يَفرُغ، وما يورَدُه الوَجهُ مَنبَعٌ يَتَجَدَّدُ جَريانُه، ولَيسَ قَدَحاً يَنفَد.

وفي هذا شِدّةٌ زائِدة، فلَو كانَ الماءُ في إناءٍ لَفَنِيَ ولانقَطَعَ الوُرود، والعَينُ مَنبَعٌ مُتَّصِلٌ يَظَلُّ يَدفَعُ ما فيه، وقد اختارَتِ الآيةُ لَفظَ المَنبَعِ النّابِعِ لِتُبَيِّنَ أنَّ المَورِدَ قائِمٌ لا يَنضُب.

«آنِيَةٍ»: بُلوغُ الحَرِّ مُنتَهاه

ووَصفُ العَينِ «آنِيَة»، من أ-ن-ي، وهو بُلوغُ الشَّيءِ غايَتَه ونِهايةَ مَداه، يُقالُ «أنى» الشَّيءُ إذا بَلَغَ وَقتَه وأدرَك، بِمَعنى حانَ وقَرُبَ بُلوغُه. والعَينُ الآنِيةُ هي التي بَلَغَ حَرُّها مُنتَهاه فلم يَبقَ فيه مَزيد، فالماءُ حارٌّ، وقد بَلَغَ حَرُّه مَعَ ذلك أقصاه.

وبِهذا يَكتَمِلُ المَشهَد: مَنبَعٌ نابِعٌ لا يَنقَطِع، وحَرٌّ بَلَغَ غايَتَه لا يَخِفّ، والسَّقيُ الذي يُنتَظَرُ مِنه أن يُرويَ ويُبَرِّدَ يَأتي مَورِدُه دائِماً وحَرُّه تامّاً، فيَجتَمِعُ على الوَجهِ النَّصَبُ من فَوقِه والوُرودُ الذي لا يُطفِئُ من تَحتِه.


حَصيلة

تَمضي الآيةُ في وَصفِ الوُجوهِ النّاصِبةِ بِسَقيٍ يُساقُ إلَيها ولا تَختارُه: «تُسقَىٰ» مَبنِيٌّ لِما لم يُسَمَّ فاعِلُه، وهو إيرادٌ من خارِجٍ غَيرُ فِعلِ شارِبٍ يَأخُذُ بِنَفسِه. والمَورِدُ «عَين» من ع-ي-ن، مَنبَعٌ نابِعٌ من باطِنٍ يَجري فلا يَنقَطِع، لا إناءٌ يَنفَد، والوُرودُ بِذلك قائِمٌ دائِم. ووَصفُها «آنِية» من أ-ن-ي، أي بُلوغُ الحَرِّ مُنتَهاه فلا مَزيدَ فيه. فيَجتَمِعُ في الآيةِ سَقيٌ مَفروض، ومَنبَعٌ لا يَفرُغ، وحَرٌّ بَلَغَ غايَتَه، ويَنقَلِبُ الرِّيُّ المُنتَظَرُ على هذا الوَجهِ في كَبَدِه إلى وُرودٍ لا يُبَرِّد.