الحُبّ
احتِواءٌ دافِئٌ مُتَكَرِّرٌ يَتَلاصَقُ في الذَّاتِ حتّى يَصيرَ بُنيَةً وُجوديَّة، الحُبُّ القُرآنيُّ ليسَ عاطِفةً عابِرةً بَل مَوضِعُ الارتِكازِ الذي يَكشِفُ هُوِيَّةَ المُحِبّ.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
الجَذرُ ح-ب-ب:
- ح: حَياةٌ حارَّةٌ واحتِواء. شِحنَتُه: دِفءٌ مُحيطٌ يَحيا.
- ب: اتِّصالٌ يَتَمَسَّك. شِحنَتُه: وِعاءٌ يَضُمُّ ويَتَمَسَّك.
- ب (الثَّانيَةُ / تَكرار): التَّكرارُ يُضاعِفُ التَّلاصُقَ ويُعَمِّقُه.
النَّواةُ حَب (ح + ب) = دِفءٌ يَلتَصِقُ: احتِواءٌ دافِئٌ يُمسِكُ بِصاحِبِه. تَضعيفُ ب يُضاعِفُ الالتِصاقَ حتّى يَصيرَ بِنيَةً: دِفءٌ مُحيطٌ (ح) يَلتَصِقُ مُضاعَفاً (بب) حتّى يَصيرَ هُوِيَّةَ الكَيانِ وبُنيَتَه.
ومن هذا الجَذرِ:
- الحَبَّة = النَّواةُ المُتَلاصِقةُ الكامِنة.
- الحَبُّ = الحُبُّ والحَبُّ (البَذر): كِلاهُما التِصاقٌ بِمَحَلٍّ.
الصِّيَغ
- يُحِبُّونَهُم كَحُبِّ الله (مُضارِعٌ + مُضافٌ): الحُبُّ المَنسوبُ إلى الأَندادِ وُصِفَ بِأَنَّه مُماثِلٌ لِحُبِّ الله.
- أَشَدُّ حُبّاً لِلَّه (أَفعَلُ تَفضيلٍ + تَمييز): الحُبُّ المُؤمِنُ أَشَدُّ: الشِّدَّةُ هي المِيزان.
- آتَى المالَ على حُبِّه (مَصدَرٌ مُضافٌ): إِنفاقُ المَحبوبِ هو الاختِبار.
المِفتاحُ البِنيَويُّ، الحُبُّ كَالقُوَّةِ التي تُحَدِّدُ وُجهَةَ القَوانينِ في القَلب: الحُبُّ لَيسَ قانوناً بَل الرَّابِطُ القَلبيُّ الذي يُحَدِّدُ مَن تَنطَلِقُ نَحوَه قَوانينُ التَّبادُلِيَّة. كُلُّ قانونٍ تَبادُليٍّ يَفتَرِضُ جِهَةً يَتَوَجَّهُ إلَيها العَبد؛ والحُبُّ هو ما يُعَيِّنُ هذه الجِهَةَ في القَلب:
- في العِبادة: الحُبُّ شَرطُ صِدقِ العِبادَة: مَن أَحَبَّ نِدّاً
أَشرَكَه في العِبادَة.
- في الإنفاق (٢:١٧٧): «آتَى المالَ على حُبِّه»: الحُبُّ شَرطُ
جَودَةِ الإنفاق.
- في التَّوَكُّل: مَن أَحَبَّ غَيرَ اللهِ تَوَكَّلَ عَلَيه: الحُبُّ
يُوَجِّهُ الاستِعانَة.
- في الذِّكر: لا يَذكُرُ القَلبُ إلَّا ما يُحِبّ.
الحُبُّ إذَن مُحَوِّلُ الاتِّجاهِ القَلبيِّ في كُلِّ قَوانينِ : ما تَتَّجِهُ بِه القَوانينُ هو ما يُحَبّ. ولِذلكَ يَكشِفُ القُرآنُ في ٢:١٦٥ أنَّ الكُفرَ الأَساسيَّ ليسَ نَفيَ الله بَل تَوزيعَ الحُبّ: «يُحِبُّونَهُم كَحُبِّ الله». الإلَه الحَقيقيُّ لِلإنسانِ هو ما أَحَبَّه أَشَدَّ مِن كُلِّ شَيء.
والجَذرُ يَكشِفُ هذا: دِفءٌ مُحيط (ح)، اتِّصالٌ يُمسِك (ب)، تَكرار الالتِصاق (ب). الحُبُّ هو الالتِصاقُ الدَّافِئُ المُضاعَف: ليسَ شُعوراً عابِراً بَل بِنيَةً وُجودِيَّةً يَلتَصِقُ بِها الكائِنُ بِمَحبوبِه. ولِذلك يُقاسُ الحُبُّ بِالشِّدَّةِ لا بِالوُجود: «أَشَدُّ حُبّاً للهِ»، المُؤمِنُ مَن أَشَدُّ التِصاقاً.
ولِذلكَ يُختَبَرُ الحُبُّ في القُرآنِ بِالبَذلِ: «آتَى المالَ على حُبِّه» (٢:١٧٧). البَذلُ مِمَّا يُحَبّ هو دَليلُ الحُبِّ الأَعلى، مَن أَحَبَّ اللهَ أَكثَرَ مِمَّا يُحِبُّ مالَه بَذَلَه. هذا قانونُ الكَشفِ: لا تَدَّعِيَنَّ مُحَبَّةً لا تَدَّعِيها مَع الفَقد.
الفُروق المَعنويّة
لا فَرعَ مُستَقِلَّاً من نَفسِ الجَذر.
المَواضع: مَواقِعُ الحُبِّ في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٢:١٦٥ ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ﴾: مَوضِعُ الافتِتاح. الحُبُّ هنا مِعيارُ الإلَهيَّة: من يَحُبُّ شَيئاً «كَحُبِّ الله» فقد جَعَلَه في مَرتَبةِ الإلَهيَّة عاطِفيّاً، حتّى وإن لم يَعتَرِفَ بِذلكَ لِسانُه. والمُؤمِنونَ لا يَرفُضونَ الحُبَّ بَل يُقِرُّونَ بِأَنَّهُم يُحِبُّونَ اللهَ بِأَشَدِّ ممَّا يُحِبُّ المُشرِكونَ أَندادَهُم، قِياسُ الأَشَدِّيَّةِ ضِمنَ مِعيارٍ مُشتَرَك.
- ٢:١٧٧ ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ﴾: التَّطوُّرُ الثَّاني. الحُبُّ هنا قَيدٌ مُحَدِّدٌ لِلإنفاقِ الذي يَكشِفُ البِرَّ: ليسَ إنفاقُ الفائِضِ بَل إنفاقُ المَحبوب. من أَحَبَّ ماله ثُمَّ أَنفَقَه فقد كَسَرَ حَواجِزَ التَّعَلُّقِ الأَعمَق.
التَّقاطُعات
ilah: الحُبُّ مِعيارُ الإلَهيَّةِ العاطِفيَّة: من يَستَحِقُّ الحُبَّ الأَعلى هو الإله.nidd: الأَندادُ تُحَبُّ كَحُبِّ الله، الحُبُّ هو ما يَجعَلُ النِّدَّ نِدّاً.mal: «آتَى المالَ على حُبِّه»، الحُبُّ مَنوطٌ بِالمالِ اختِباراً.birr: الإنفاقُ مع الحُبِّ من عَلاماتِ البِرّ.
الإشكالات المَفتوحة
- هل الحُبُّ في القُرآنِ شُعورٌ أَم فِعل؟ مَوقِفُنا: الجَذرُ (ح-ب-ب) يَصِفُ بُنيةً وُجوديَّةَ الالتِصاق: ليسَ شُعوراً عابِراً بَل حالةً راسِخة. القُرآنُ يَربِطُه بِالفِعلِ (الإنفاق) ليَكشِفَ أَنَّ الحُبَّ الحَقيقيَّ يُفضي إلى عَمَل.