اللِّين

lin جذر · ل-ي-ن مَوضعانِ في القرآن
التَّعريف الجَذريّ
انسِيابٌ لا صَلابةَ فيه، يَنبَعِثُ من الباطِنِ فيُطاوِعُ ما لاقاه. المُصحَفُ المَنشورُ يَحمِلُهُ مَرّةً على إنسانٍ ومَرّةً على قَول، ويَجعَلُهُ في المَوضِعَينِ مَقدَمةً لِبَقاءِ المُخاطَبِ لا لِرِضاه.

تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر

  • ل: التَّعَلُّقُ والالتِصاقُ والحَوز، ثُمَّ الامتِدادُ والانسِيابُ

والانتِشار. شِحنَتُه: تَعَلُّقٌ يَنسابُ مُمتَدّاً ولا يَنكَسِر.

  • ي: اقتِرابٌ ناعِمٌ لا حَبسَ فيه، ثُمَّ سَرَيانٌ في المَجرى، ثُمَّ

إطلاقٌ وانسِيابٌ مَمدود. شِحنَتُه: امتِدادٌ يَسري بِلا شِدّةٍ ولا قَطع.

  • ن: الاحتِواءُ والاحتِباسُ الجَوفِيّ، ثُمَّ الرَّنينُ الباطِنِيُّ

اللَّطيف، ثُمَّ النَّفاذُ والانبِعاثُ من الباطِنِ إلى الخارِج. شِحنَتُه: انبِعاثٌ لَطيفٌ من الباطِنِ إلى الخارِج.

النَّواةُ لي (ل + ي) = تَعَلُّقٌ يَنسابُ ولا يَشتَدّ: ما لاقى شَيئاً فامتَدَّ مَعَهُ ولم يُقاوِمهُ ولم يَنكَسِر. ومنه لَوى الشَّيءَ إذا ثَناهُ فانثَنى ولم يَنقَطِع. والإغلاقُ بـن يَجعَلُ مَصدَرَ هذا الانسِيابِ الباطِنَ لا السَّطح، فيَصيرُ الجَذرُ: طَواعِيةٌ تَنبَعِثُ من داخِلِ الشَّيءِ فتَظهَرُ في مُلاقاتِه.

ومنه في كَلامِ العَرَب: لانَ الشَّيءُ إذا خَلا من الخُشونةِ والصَّلابة، واللِّينةُ النَّخلةُ الغَضّةُ تَنثَني ولا تَنكَسِر، وألانَ لَهُ جانِبَهُ إذا خَفَضَهُ لَهُ ولم يُغلِظ.

الشِّحنةُ الجامِعة: طَواعِيةٌ تَنبَعِثُ من الباطِنِ فتُطاوِعُ بِها الذاتُ ما لاقَت.

وهذا يَضبِطُ قِراءةَ الكَلِمةِ في المُصحَف: اللِّينُ لَيسَ ضَعفاً ولا تَنازُلاً عن مَوقِف، بَل هو أن يُلاقيَ الشَّيءُ غَيرَهُ فلا يَصُدَّهُ ولا يَنكَسِرَ لَه. ولِذلكَ جاءَ في المَوضِعَينِ مَعاً في مَقامِ مُواجَهةٍ شَديدة، لا في مَقامِ مُوافَقة: مَعَ مَن انفَضّوا لَو غَلُظَ عليهِم، ومَعَ مَن طَغى فبُعِثَ إليه.

الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن

  • لِنتَ (ماضٍ أجوَفُ مُسنَدٌ إلى المُخاطَب)، ٣:١٥٩: الفِعلُ لازِمٌ

يَتَعَدّى بِاللّام، فالحَدَثُ قائِمٌ بِصاحِبِهِ ومُوَجَّهٌ إلى غَيرِه. وسُقوطُ الياءِ في الماضي المُسنَدِ إلى التاءِ يُبقي الجَذرَ على حَرفَينِ ظاهِرَين.

  • لَّيِّنًا (فَيعِلٌ مَنصوبٌ مُنَوَّنٌ نَعتاً لِمَنصوبٍ قَبلَه)، ٢٠:٤٤:

الوَصفُ مَحمولٌ على القَولِ لا على القائِل، وشَدَّةُ لامِهِ الأولى من إدغامِ تَنوينِ «قَوْلًا» فيها. ووَزنُ فَيعِلٍ يُثبِتُ الوَصفَ في مَوصوفِهِ ولا يَجعَلُهُ حَدَثاً يَتَجَدَّد.

لا يَرِدُ لِلجَذرِ في المَنشورِ مُضارِعٌ ولا مَصدَرٌ ولا صيغةُ إفعالٍ ولا اسمٌ لِلنَّخل: الحالُ تُخبَرُ عَنها ماضِيةً في الأولى وتُطلَبُ وَصفاً في الثانية.

الجَذرُ قبلَ الوَزن: الطَّواعِيةُ المُنبَعِثةُ من الباطِن، من الحُروف.

والصّيغَتانِ بَعدَ ذلكَ تُوَزِّعانِها بَينَ ذاتٍ تَلينُ وقَولٍ يوصَفُ

بِاللِّين.

الفُروق المَعنويّة

لا فَرعَ لِلجَذرِ في المَنشور. والمُقابَلةُ التي يَحتاجُها القارِئُ مَذكورةٌ في المَوضِعِ الأوَّلِ نَفسِه: ﴿فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ﴾، فالضِّدُّ غِلَظٌ في القَلبِ لا شِدّةٌ في القَول. وهذا يَنقُلُ الفَرقَ من ظاهِرِ الخِطابِ إلى مَصدَرِه، ويُوافِقُ ما أعطَتهُ النّونُ من انبِعاثٍ باطِن.

المَواضع: مَواقعُ اللِّينِ في المُصحَف (إضافةٌ تَراكُميّة)

  • ٣:١٥٩ ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾: مَوضِعُ الافتِتاح. الجَذرُ يَدخُلُ المُصحَفَ مَحمولاً

على إنسانٍ لا على قَول، ومَنسوباً إلى سَبَبٍ خارِجٍ عنه: الباءُ في ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ﴾ تَجعَلُ اللِّينَ أثَرَ رَحمةٍ نازِلةٍ لا خُلُقاً يُنسَبُ إلى صاحِبِهِ وَحدَه. ثُمَّ تَذكُرُ الآيةُ النَّقيضَ وأثَرَه: الغِلَظُ يُفَرِّقُ مَن حَولَه، فاللِّينُ هو ما يُبقي الجَماعةَ مُجتَمِعة. ولِذلكَ يَتلوهُ في السَّطرِ نَفسِهِ ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾: اللِّينُ لَيسَ مَوقِفاً واحِداً بَل يَفتَحُ بابَ ثَلاثةِ أفعالٍ في اتِّجاهِ المُخاطَبين.

  • ٢٠:٤٤ ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾: الجَديدُ: الوَصفُ يَنتَقِلُ من الذاتِ إلى القَول،

ومن الخَبَرِ إلى الأمر. لم يَعُدِ اللِّينُ حالاً يُخبَرُ عَنها بَعدَ وُقوعِها، بَل صارَ قَيداً مَأموراً بِهِ قَبلَ الكَلام. والمُخاطَبُ بِهِ اثنانِ يُرسَلانِ إلى مَن بَلَغَ أقصى الطُّغيان، فيَظهَرُ أنَّ اللِّينَ لا يُشتَرَطُ فيهِ اعتِدالُ المُقابِلِ ولا استِحقاقُه. والجَديدُ الثاني غايَتُه: ﴿لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾، فاللِّينُ مَقصودٌ بِهِ بَقاءُ السَّبيلِ مَفتوحاً إلى قَلبِ المُخاطَبِ لا إرضاؤُه.

التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى

  • rahma: ٣:١٥٩ تَبني اللِّينَ على رَحمةٍ من الله، فالطَّواعِيةُ

المُنبَعِثةُ من الباطِنِ مَصدَرُها فَوقَ صاحِبِها.

  • qalb وqaswa: الآيةُ نَفسُها تُسَمّي النَّقيضَ ﴿غَلِيظَ

الْقَلْبِ﴾، فمَحَلُّ اللِّينِ وضِدِّهِ واحِد، وهو المَحَلُّ الذي تَصِفُهُ القَسوةُ في مَواضِعِها.

  • afw وshawra: ما يَتلو اللِّينَ في ٣:١٥٩ عَفوٌ واستِغفارٌ

ومُشاوَرة، فاللِّينُ مُقَدِّمةٌ عَمَلِيّةٌ لا شُعورٌ يَقِفُ عِندَ نَفسِه.

  • tawakkul: خِتامُ ٣:١٥٩ يَنقُلُ الأمرَ من مُلايَنةِ النّاسِ إلى

العَزمِ والتَّوَكُّل، فاللِّينُ في المُعامَلةِ لا يُنافي الحَسمَ في القَرار.

  • qawl: ٢٠:٤٤ تَجعَلُ اللِّينَ نَعتاً لِلقَولِ نَفسِه، فهو أوَّلُ

قَيدٍ يوضَعُ على صيغةِ الخِطابِ قَبلَ مَضمونِه.

  • khashya: غايةُ القَولِ اللَّيِّنِ في ٢٠:٤٤ تَذَكُّرٌ أو خَشية،

فاللِّينُ وَسيلةٌ إلى ما يوجِبُ الشِّدّةَ على النَّفسِ من داخِلِها.

الإشكالات المَفتوحة

  • هل اللِّينُ صِفةُ ذاتٍ أم صِفةُ فِعل؟ المَنشورُ يَحمِلُهُ على ذاتٍ

في ٣:١٥٩ وعلى قَولٍ في ٢٠:٤٤. والحُروفُ تُعطي انبِعاثاً من الباطِن، وهذا يُرَجِّحُ الذاتَ أصلاً والقَولَ مَظهَراً. مَوقِفُنا: اللِّينُ في القَولِ لا يَقومُ إلّا بِلينٍ في مَصدَرِه، ولِذلكَ لم يُؤمَر بِهِ مُجَرَّداً عن حالِ قائِلِه.

  • لِمَ لَم يُذكَر لِلَّينِ مُقابِلٌ من جِنسِه؟ ضِدُّهُ في ٣:١٥٩

مَذكورٌ بِلَفظِ الفَظاظةِ وغِلَظِ القَلبِ لا بِلَفظٍ من جَذرٍ واحِدٍ يُقابِلُ ل-ي-ن. والسُّؤالُ قائِمٌ: أيَجري هذا على قاعِدةٍ تَجعَلُ اللِّينَ أصلاً والغِلَظَ عارِضاً يوصَفُ بِهِ المَحَلّ.

مَواضِعُ هذا المَفهومِ في القرآن