طه · الآية 44

﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ

«فَقُولَا»: الفاءُ لا تَترُكُ بَينَ الوُصولِ والقَولِ فَراغاً

الأمرُ قَبلَه ذَهاب، والفاءُ تُعَقِّبُ. لا يُذكَرُ بَينَ الفِعلَينِ طَريقٌ ولا مُدَّةٌ ولا استِئذان.

وهذا ثالِثُ فِعلٍ مُثَنّىً في المَقطَع: «تَنِيَا» نَهياً، ثُمَّ «اذْهَبَا» أمراً، ثُمَّ «فَقُولَا».

و«لَهُ» تُعَيِّنُ المَقولَ لَه بِضَميرٍ يَعودُ على الاسمِ في الآيةِ قَبلَها. لا تُسَمّيه ثانِيةً.

«قَوْلًا»: المَأمورُ بِه مَصدَرٌ لا هَيئةُ صاحِبِه

«قَوْلًا» مَفعولٌ مُطلَقٌ يُؤَكِّدُ فِعلَه ويَحمِلُ الوَصف.

ولو أُريدَ الحالُ لَقيلَ «فقولا لَه لَيِّنَين». لكِنَّ النَّصبَ وَقَعَ على المَصدَر، والنَّعتُ تَبِعَه.

فالمَوصوفُ ما يَخرُجُ من الفَمِ لا مَن يَقِفُ خَلفَه. حُدِّدَ الكَلامُ ولم تُحَدَّدْ هَيئةُ المُتَكَلِّم.

والقَولُ في ق-و-ل ما انعَقَدَ في الباطِنِ ثُمَّ مُدَّ حتّى بَرَزَ مُتَمَيِّزاً. فالمَأمورُ بِه شَيءٌ يُنطَقُ بِه ويُسمَع، لا شَيءٌ يُضمَر.

«لَّيِّنًا»: صِفةٌ أصلُها في المَلمَس

ل-ي-ن مُلامَسةٌ تَسري بِلا خُشونةٍ تَرُدُّ اليَد. أصلُ الوَصفِ في الجِذرِ لِما يُمَسُّ فيَنقادُ ولا يَخدِش.

ثُمَّ نُقِلَ إلى الكَلام. فالقَولُ اللَّيِّنُ ما لا يَخشُنُ على السّامِعِ عِندَ وُقوعِه.

والنَّعتُ نَكِرةٌ تَبَعاً لِمَنعوتِه. لا يُقالُ أيُّ لِينٍ ولا كَم، ولا يُذكَرُ لِلَّينِ حَدٌّ يُوقَفُ عِندَه.

وما لَيَّنَ اللِّسانَ لم يُذكَرْ في الآيةِ ألبَتّة. ذُكِرَ الوَصفُ ولم يُذكَرْ سَبَبُه.

«لَّعَلَّهُ»: تَرَجٍّ لا يَحمِلُ خَبَراً

«لَعَلَّ» أداةُ تَرَجٍّ. لا تُخبِرُ بِوُقوعٍ ولا تَعِدُ بِه ولا تَشتَرِطُه.

فما بَعدَها مَرجُوٌّ لا مَضمون. والأمرُ الذي قَبلَها تامٌّ سَواءٌ وَقَعَ ما بَعدَها أو لم يَقَع.

وهذا مَوضِعُ الوُقوف. الآيةُ تُعَلِّقُ الغايةَ ولا تَبُتُّ فيها.

«يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ»: غايَتانِ بِـ«أو» لا بِالواو

لو جاءَتِ الواوُ لَطُلِبَ اجتِماعُهُما. وجاءَت «أو»، فواحِدةٌ تَكفي في التَّرَجّي.

و«يَتَذَكَّرُ» على وَزنِ تَفَعَّل. صيغةُ تَدَرُّجٍ ومُعالَجة، لا وُقوعٍ دَفعةً واحِدة.

وجِذرُه ذ-ك-ر هو جِذرُ ما نُهِيا عن الوَنى فيه قَبلَ آيَتَين: وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾. هُناكَ ذِكرٌ مُضافٌ إلى ياءِ المُتَكَلِّم، وهُنا تَذَكُّرٌ بِلا إضافةٍ ولا مَذكور.

و«يَخْشَىٰ» من خ-ش-ي، اختِراقٌ يَتَفَشّى في الباطِنِ فيَسري. وجاءَ لازِماً بِلا مَفعول: لم يُقَلْ يَخشى ماذا.

وهاتانِ الكَلِمَتانِ اجتَمَعَتا في أوَّلِ هذه السّورة: إِلَّا تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ﴾. جِذرانِ في تَرتيبٍ واحِد، مَرَّةً في وَصفِ ما أُنزِلَ ومَرَّةً في رَجاءِ ما يَقَعُ لِمَن يُقالُ لَه.


حَصيلة

الفاءُ تُعَقِّبُ الذَّهابَ بِالقَولِ فلا تَترُكُ بَينَهُما فَراغاً، و«فَقُولَا» ثالِثُ فِعلٍ مُثَنّىً في المَقطَعِ بَعدَ نَهيٍ وأمر، و«لَهُ» ضَميرٌ يَعودُ ولا يُعادُ الاسم. و«قَوْلًا» مَفعولٌ مُطلَقٌ حَمَلَ النَّعتَ، فوَقَعَ الوَصفُ على المَصدَرِ لا على فاعِلِه: حُدِّدَ ما يُقالُ ولم تُحَدَّدْ هَيئةُ مَن يَقول، والجِذرُ ق-و-ل ما انعَقَدَ في الباطِنِ فمُدَّ حتّى بَرَزَ مُتَمَيِّزاً. و«لَّيِّنًا» من ل-ي-ن، وأصلُ الوَصفِ في المَلمَسِ لِما يَنقادُ ولا يَخدِش، وجاءَ نَكِرةً بِلا حَدٍّ ولا مِقدار، ولم تَذكُرِ الآيةُ ما يُلَيِّنُ اللِّسانَ ولا لِمَ. ثُمَّ «لَّعَلَّ» تَرَجٍّ لا يُخبِرُ بِوُقوعٍ ولا يَعِدُ بِه، فالأمرُ تامٌّ قَبلَها والغايةُ مُعَلَّقةٌ بَعدَها. و«يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ» غايَتانِ عُطِفَتا بِـ«أو» لا بِالواو، فلا يُطلَبُ اجتِماعُهُما، والأولى على وَزنِ تَفَعَّلَ من جِذرِ الذِّكرِ الذي نُهِيا عن الوَنى فيه، والثّانِيةُ لازِمةٌ بِلا مَفعول، وهُما الجِذرانِ اللَّذانِ اجتَمَعا في أوَّلِ السّورةِ بِهذا التَّرتيبِ نَفسِه.