الرَّحمة
**جَوفٌ يَضُمُّ ما لا يُمسِكُ نَفسَه، ويَجري فيه ما يُقيمُه، حتّى يُخرَجَ إلى حينِه**. لَيسَتِ الرَّحمةُ في الجَذرِ رِقّةً تَقومُ بِالقَلب، بَل حَيِّزاً يُؤخَذُ فيه المَحمولُ ويُغَذّى ويُطلَقُ في أَجَلِه. ولِذلك جاءَ من الجَذرِ نَفسِه **الرَّحِم**، ولِذلك جازَ في القرآنِ أن يُقالَ «فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ»، ولا يُقالُ «في» إلّا لِما لَه داخِل.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
ثلاثةُ حُروف:
- ر: خَفَقاتٌ مُتَوالِياتٌ خَفيفاتٌ لِطَرَفِ اللِّسانِ على اللِّثة، كُلُّ
خَفقةٍ لَمسةٌ ماسِكةٌ عابِرة، والنَّفَسُ يَجري من تَحتِها مُستَرسِلاً لا يَحتَبِس. شِحنَتُه: جَرَيانٌ مُستَرسِلٌ تَحتَ لَمَساتٍ ماسِكةٍ خَفيفة.
- ح: تَضَيُّقٌ عَميقٌ في أقصى الحَلقِ يَحتَوي النَّفَسَ الحارَّ فيَجري
فيه مُحتَكّاً، حتّى يَنفُذَ خالِصاً خارِجاً. شِحنَتُه: احتِواءٌ في الباطِنِ يَجري فيه ما يَحتَويه ثُمَّ يَخلُصُ منه.
- م: انطِباقٌ ضامٌّ لِلشَّفَتَينِ يُمسِكُ النَّفَسَ المَجهورَ في جَوفٍ
مُغلَق، ثُمَّ يُنفِذُه رَنيناً مُمتَدّاً من الأنف. شِحنَتُه: ضَمٌّ وإمساكٌ في جَوف، ثُمَّ نَفاذٌ مُمتَدٌّ لا حَبسَ بَعدَه.
النَّواةُ رَح (ر + ح) = جارٍ مُستَرسِلٌ يَدخُلُ حَيِّزاً يَحتَويه فيَجري فيه: مادّةٌ حَيَّةٌ داخِلَ حاوٍ، لا جَرَيانٌ في فَضاءٍ مَفتوح. والإغلاقُ بِـم يَضُمُّ هذا الحاوِيَ ويُمسِكُ ما فيه في جَوفٍ مُغلَق، ثُمَّ لا يَحبِسُه أبَداً بَل يُنفِذُه مُمتَدّاً. فيَصيرُ الجَذرُ كُلُّه: ضَمٌّ يُمسِكُ ما لا يُمسِكُ نَفسَه، ويَجري فيه ما يُقيمُه، ثُمَّ يُطلِقُه في حينِه. والحَرفانِ الأخيرانِ كِلاهُما يَنتَهي إلى نَفاذٍ وخُروج، فلَيسَ هذا الإمساكُ سِجناً بَل مُهلةً لَها غايَة.
ومنه في كلامِ العَرَب:
- الرَّحِم: الجَوفُ الذي يَحوي الحَملَ ويُغَذّيه بِما يَجري فيه، ثُمَّ
يُخرِجُه إذا تَمّ. وكُلُّ شِحنةٍ من شِحَناتِ الجَذرِ مُجَسَّدةٌ فيه: الجَريانُ في الدَّم، والاحتِواءُ في الجِدار، والإطلاقُ في الأجَل.
- الأرحام في القَرابة: تُنسَبُ الصِّلةُ إلى الجَوفِ الواحِدِ الذي
خَرَجَ منه المُتَواصِلون، فيُسَمّى القَريبُ رَحِماً بِاسمِ الوِعاء.
- المَرحَمة على وَزنِ مَفعَلة: وهو في العَربيّةِ بِناءُ المَوضِعِ الذي
يَكثُرُ فيه الشَّيء (كالمَأسَدةِ والمَقبَرة)، فهو الجَذرُ مَنظوراً إليه مَكاناً يُصنَع.
الشِّحنةُ الجامعةُ لِلجَذرِ ر-ح-م: إمساكُ ما لا حيلةَ لَه، وإقامَتُه بِما يَجري فيه، إلى أجَلٍ يُطلَقُ عِندَه.
وهذه القِراءةُ لا تُؤخَذُ من المُعجَمِ وتُسقَطُ على النَّصّ، لِأنَّ النَّصَّ نَفسَه يُعامِلُ الرَّحمةَ مُعامَلةَ الجَوف، في أربَعةِ مَواضِعَ لا يُفَسِّرُها المَعنى السَّطحيّ (رِقّةٌ وشَفَقة):
1. الرَّحمةُ ظَرفٌ يُسكَنُ: ٣:١٠٧ «فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ». وفي المُسَجَّلِ تِسعةُ مَواضِعَ تُختَمُ بِـ«هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ»، ثَمانِيَةٌ منها مَرجِعُ الضَّميرِ فيها دارٌ (النّارُ أو الجَنّة)، والتّاسِعُ هو هذا وَحدَه، مَرجِعُ الضَّميرِ فيه الرَّحمة. فَقَد وُضِعَتِ الرَّحمةُ في المَوقِعِ النَّحويِّ الذي لا يَشغَلُه إلّا مَسكَن. ولا يُخلَدُ في عاطِفة. 2. إمساكٌ وتَغذيةٌ إلى أجَل: ٣٦:٤٣ يَصِفُ قَوماً «فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنقَذُونَ»، ثُمَّ ٣٦:٤٤ «إِلَّا رَحْمَةً مِّنَّا وَمَتَاعًا إِلَىٰ حِينٍ». مَن لا يَملِكُ لِنَفسِه شَيئاً، يُمسَكُ ويُمَتَّعُ إلى حين: وهي صورةُ الرَّحِمِ بِتَمامِها في آيةٍ واحِدة. 3. الجَذرُ عَيناً مَحسوسة: ٢:٢٢٨ و٣:٦، حَيثُ الأرحامُ مَوضِعُ الخَلقِ والتَّصوير، والمَحمولُ فيها لا يَصنَعُ لِنَفسِه شَيئاً. 4. ضِدُّ الرَّحمةِ انفِضاض: ٣:١٥٩ يَجعَلُ أثَرَها لِيناً، ويَجعَلُ المَفروضَ عِندَ فَقدِها «لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ». فما تَفعَلُه الرَّحمةُ هو الضَّمُّ، وما يَقَعُ عِندَ ارتِفاعِها هو التَّفَرُّق. وهذا وَجهُ م بِعَينِه.
وهذا ما لا يُعطيه السَّطح: قِراءةُ الرَّحمةِ شَفَقةً لا تُفَسِّرُ خُلوداً داخِلَها (٣:١٠٧)، ولا تُفَسِّرُ تَسمِيَةَ حُكمٍ شَرعيٍّ بِها (٢:١٧٨)، ولا تُفَسِّرُ أن يَكونَ نَقيضُها تَفَرُّقَ جَماعة (٣:١٥٩). وقِراءةُ الجَوفِ تُفَسِّرُ الثَّلاثةَ من أصلٍ واحِد.
قَيدُ العَدّ: كُلُّ عَدٍّ في هذه الصَّفحةِ («مَوضِعان»، «ثَلاثةُ
مَواضِع»، «تِسعةُ مَواضِع»، «لا يَرِدُ... البَتّة») مَمسوحٌ على
السُّوَرِ الأربَعِ والثَّلاثينَ المَنشورةِ يَومَ إنشاءِ المَفهوم، ولا
تَدخُلُ فيه الإسراءُ وطه وقَد نُشِرَتا بَعدَه. وفيهِما لِلجَذرِ
مَواضِعُ لم تُمسَح، وقَد كَسَرَ أحَدُها قِسمةَ الصِّيَغِ فسُجِّلَ في
القِسمِ الرّابِعِ (١٧:٨). فالأعدادُ صادِقةٌ في المَمسوحِ ويُعادُ
ضَبطُها عِندَ تَسجيلِ السّورَتَين، وهو دَينٌ مُقَيَّدٌ في القِسمِ
السّابِع.
الصِّيَغ: كيف تَردُ في القرآن
- رَحْمَةً (المَصدَرُ مَنصوباً مُنَكَّراً): مَوضِعانِ، في أحَدِهِما
مَوهوبةٌ مَطلوبة، وفي الآخَرِ مُستَثناة.
- وَرَحْمَةٌ (مَرفوعاً مَعطوفاً): ثَلاثةُ مَواضِع، ولا تَقَعُ في
واحِدٍ منها مُفرَدة: تُعطَفُ على صَلَواتٍ أو تَخفيفٍ أو مَغفِرة.
- رَحْمَةِ (مُضافاً مَجروراً بَعدَ «في»): مَوضِعٌ واحِد، وهو الذي
يَجعَلُها حَيِّزاً.
- رَحْمَةٍ (مُنَكَّراً مَجروراً بِالباء): مَوضِعٌ واحِد، وفيه تُجعَلُ
سَبَباً لِفِعلِ إنسان.
- رَحْمَتَ (مُضافاً إلى لَفظِ الجَلالة): مَوضِعٌ واحِد، ويُكتَبُ في
المُصحَفِ بِالتّاءِ المَفتوحة، وهو الرَّسمُ الوَحيدُ من هذا الجَذرِ في المُسَجَّل.
- وَرَحْمَتُهُ وبِرَحْمَتِهِ (مُضافاً إلى ضَميرِ الغَيبة): ثَلاثةُ
مَواضِع، والإضافةُ تَرُدُّ المَحوِيَّ إلى حاوِيه.
- تُرْحَمُونَ (مُضارِعٌ مَبنيٌّ لِلمَجهول): مَوضِعانِ، ولا يَرِدُ في
واحِدٍ منهُما إلّا بَعدَ «لَعَلَّ».
- وَارْحَمْنَا (أمرٌ على لِسانِ العَبد): مَوضِعٌ واحِد، وهو الفِعلُ
المَبنيُّ لِلمَعلومِ الوَحيدُ من الجَذرِ في المُسَجَّل.
- أَرْحَامِهِنَّ والْأَرْحَامِ (جَمعُ الرَّحِم): مَوضِعان، وهُما
الوَجهُ المَحسوسُ لِلجَذر.
- بِالْمَرْحَمَةِ (على وَزنِ مَفعَلة): مَوضِعٌ واحِد، وفاعِلُه إنسان.
ومن هذا التَّوزيعِ تَخرُجُ مُلاحَظَتانِ لا تُقالانِ من غَيرِ عَدّ:
الأولى: في المَمسوحِ لا يَقَعُ فِعلٌ ماضٍ ولا مُضارِعٌ مَبنيٌّ لِلمَعلومِ من هذا الجَذر. الفِعلُ إمّا مَبنيٌّ لِلمَجهولِ فيُنظَرُ إليه من جِهةِ مَن وَقَعَ عليه، وإمّا أمرٌ يَطلُبُه العَبد. فالرَّحمةُ في هذه السُّوَرِ مَحمولةٌ في المَصدَرِ لا في الفِعل. وهذه قِسمةُ سُوَرٍ لا حُكمٌ في الجَذر: نُشِرَ الإسراءُ بَعدَ العَدِّ ففيه الفِعلُ مَبنيّاً لِلمَعلومِ فاعِلُه الرَّبّ، ﴿عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ﴾ (١٧:٨، مُسَجَّلةٌ في القِسمِ الرّابِع) ومِثلُها ١٧:٥٤ ﴿إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ﴾.
الثّانية: لا تَرِدُ الرَّحمةُ مَرّةً واحِدةً بِلا ما يَنسِبُها إلى مَصدَرِها: إضافةٌ إلى لَفظِ الجَلالةِ أو إلى ضَميرِه، أو «مِن» تَجُرُّ المَصدَر، أو عَطفٌ على اسمٍ مَقرونٍ بِـ«مِّن رَّبِّهِمْ». الاستِثناءُ الوَحيدُ «بِالْمَرْحَمَةِ» في ٩٠:١٧، وهو المَوضِعُ الوَحيدُ الذي فاعِلُه إنسان. فالمَحوِيُّ مَنسوبٌ إلى الحاوي دائِماً.
الجَذرُ قَبلَ الوَزن: الشِّحنةُ في الصِّيَغِ كُلِّها واحِدة (ضَمٌّ يُمسِكُ
ويُقيمُ إلى حين)، والصِّيَغُ تُوَزِّعُ جِهاتِها. المَصدَرُ يَنظُرُ إلى
الحاصِلِ نَفسِه فيُوهَبُ ويُرجى ويُوزَنُ ويُدخَلُ فيه. والمَبنيُّ
لِلمَجهولِ يَنظُرُ إليه من جِهةِ المَحَلّ. والجَمعُ يَنظُرُ إلى الوِعاءِ
المَحسوس. ووَزنُ مَفعَلةَ يَنظُرُ إلى المَوضِعِ الذي يُصنَعُ فيه.
الفُروق المَعنويّة: الجِذرُ ذاتُه في صِيَغٍ أُخرى، ومَفاهيمُ مُجاوِرة
الجَذرُ واحِدٌ في هذا المَفهومِ وفي الاسمَين، والفَرقُ مَوقِعُ الكَلِمةِ من صورةِ الجَذرِ لا مَعنىً زائِدٌ علَيه: الاسمانِ يَصِفانِ الحاوي، والمَصدَرُ هو المَحوِيّ، والفِعلُ وُقوعُ الحَوايَةِ على مَحَلّ، والأرحامُ الوِعاءُ المَحسوس. وهذا فَرقٌ في البِناءِ يُرى في ما تَقبَلُه كُلُّ صيغةٍ من التَّراكيب:
rahman(على وَزنِ فَعْلان): بِناءُ الامتِلاءِ بِالحال (غَضبان،
شَبعان، عَطشان)، فهو نَظَرٌ إلى الجَوفِ مَملوءاً. ولِذلك لا يُضافُ الاسمُ ولا يُبَعَّضُ ولا يُدخَلُ فيه: لا يُقالُ «رَحمنُ اللهِ» ولا «مِن رَحمنِه» ولا «في رَحمنِه».
rahim(على وَزنِ فَعيل): صِفةٌ مُشَبَّهةٌ تَدُلُّ على ثُبوتِ الحالِ
في المَوصوفِ وتَجَدُّدِها عليه. وهي كَسابِقَتِها وَصفٌ لِلحاوي، فلا تَقبَلُ الإضافةَ ولا التَّبعيضَ ولا الظَّرفيّة.
- الرَّحمة (المَصدَر): لَيسَت وَصفاً لِأحَد، بَل الحاصِلَ نَفسَه. ولِذلك
تَقبَلُ ما لا يَقبَلُه الوَصفان، وكُلُّ ذلك واقِعٌ في المُسَجَّل: تُضافُ («رَحْمَتَ اللَّهِ»)، وتُبَعَّضُ («رَحْمَةً مِّنَّا»)، وتُوهَبُ («وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً»)، وتُرجى («يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ»)، ويُدخَلُ فيها ويُخلَدُ («فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ»)، وتُوزَنُ بِغَيرِها («خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ»)، ويُسَمّى بِها حُكمٌ مَكتوب («تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ»). سَبعةُ تَراكيبَ لا يَدخُلُ الاسمانِ في واحِدٍ منها.
- الرَّحِم / الأرحام: الجَذرُ عَيناً تُرى. ولَيسَ ذِكرُها في القرآنِ
استِطراداً في بابِ الأحكام، بَل هي الشّاهِدُ الذي يُقاسُ عليه المَصدَر.
ومن جُذورٍ أُخرى:
fadl(ف-ض-ل): ما زادَ على المِقدارِ فبَقِيَ فاضِلاً. وهو أثبَتُ
قَرينٍ لِلرَّحمةِ في البَقَرة. والفَرقُ يُرى في الوَصف: يُوصَفُ الفَضلُ بِالعِظَمِ («ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ») ولا تُوصَفُ الرَّحمةُ بِمِقدارٍ في المُسَجَّلِ كُلِّه. فالفَضلُ زِيادةٌ تُقاس، والرَّحمةُ جَوفٌ لا يُقاسُ بِالزِّيادة.
ghufran(غ-ف-ر): سَترٌ يُغَطّي ما كان. والرَّحمةُ إمساكٌ لِمَن كان.
ولِذلك تَقَدَّمَ الغُفرانُ علَيها في المَوضِعَين اللَّذَينِ اجتَمَعا فيهِما (٢:٢٨٦ و٣:١٥٧): يُستَرُ الأثَرُ أوَّلاً، ثُمَّ يُؤخَذُ صاحِبُه في الجَوف.
- الرَّأفة (ر-أ-ف، ولا مَفهومَ لَها في المُعجَمِ بَعد): لُطفٌ يَسبِقُ
الحاجةَ ويَدفَعُ قَبلَ وُقوعِها. وهي في المُسَجَّلِ لا تُقارِنُ المَصدَرَ أبَداً، إنَّما تُقارِنُ الاسمَ («لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ»)، فهي وَصفٌ يُوصَفُ بِه حاوٍ لا شَيءٌ يُوهَب.
المَواضع: مَواقعُ الرَّحمة في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٢:٦٤ ﴿فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾: مَوضِعُ الافتِتاحِ لِلمَصدَر. الجَديدُ: يَدخُلُ القرآنَ في جَوابِ امتِناعٍ («لَولا»)، فلا يُخبَرُ عنه بِما فَعَلَ بَل بِما مَنَع: خُسرانٌ كانَ واقِعاً فلَم يَقَع. والرَّحمةُ مُضافةٌ إلى ضَميرِ الغَيبةِ مَعطوفةٌ على الفَضل، فتُقرَأُ من أوَّلِ مَوضِعٍ مَملوكةً لِصاحِبِها لا قائِمةً بِنَفسِها. ومَوقِعُها بَعدَ «ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ» يَجعَلُها ماسِكةً لِمَن انصَرَف، لا جَزاءً لِمَن أقبَل. انظُر الفَضل والخُسر / الخاسِرون.
- ٢:١٠٥ ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾: الجَديدُ: يُسنَدُ إلى الرَّحمةِ فِعلُ الاختِصاص، فيُحَدُّ مَداها بِالمَشيئةِ لا بِالسُّؤال، وهذا أوَّلُ تَحديدٍ لَه. والباءُ تَجعَلُها آلةَ الاختِصاصِ لا مَفعولَه: يُختَصُّ الإنسانُ بِها ولا تُختَصُّ هي بِه، فيَبقى الجَوفُ ثابِتاً ويَتَغَيَّرُ الدّاخِلُ فيه. والسِّياقُ وُدُّ أهلِ الكِتابِ ألّا يُنَزَّلَ على المُخاطَبينَ خَير، فيُقابَلُ الوُدُّ بِأنَّ الأمرَ اختِصاصٌ لا استِحقاق.
- ٢:١٥٧ ﴿أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾: الجَديدُ: يُذكَرُ لِلرَّحمةِ مُتَلَقٍّ مُعَيَّنٌ لِأوَّلِ مَرّة، وقَد عُرِفَ بِفِعلِه لا بِاسمِه (الصّابِرونَ على المُصيبة). وتَرِدُ مُنَكَّرةً مَعطوفةً على الصَّلَوات، فهي حَظٌّ لا الجُملة. وحَرفُ «على» يَجعَلُها واقِعةً من فَوقُ على مَن تَحتَها، وهذا أوَّلُ اتِّجاهٍ يُذكَرُ لَها. انظُر الصَّبر والرَّبّ.
- ٢:١٧٨ ﴿ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾: الجَديدُ: تُسَمّى الرَّحمةُ حُكماً مَكتوباً لا عَطاءً ولا حالاً، فالمُشارُ إليه بِـ«ذلك» عَفوٌ في القِصاصِ واتِّباعٌ بِالمَعروفِ وأداءٌ بِإحسان. وتُقرَنُ بِالتَّخفيف، والتَّخفيفُ إنقاصُ حِملٍ عَمَّن لا يُطيقُه، فيَظهَرُ وَجهُ الجَذرِ في نَصِّ الحُكمِ نَفسِه: ما يُمسِكُ الجَماعةَ أن يَنقَطِعَ بِها الثَّأر. انظُر القِصاص.
- ٢:٢١٨ ﴿أُولَٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾: الجَديدُ: تَنتَقِلُ الرَّحمةُ إلى جِهةِ الطّالِب: تُرجى ولا تُملَك. وأصحابُ أثقَلِ عَمَلٍ يُذكَرُ في السّورةِ (إيمانٌ وهِجرةٌ وجِهاد) لا يُقالُ لَهُم إلّا «يَرْجُونَ»، فلا يُشتَرى الجَوفُ الحاوي بِعَمَل. وتُكتَبُ هُنا «رَحْمَتَ» بِالتّاءِ المَفتوحةِ مُضافةً إلى لَفظِ الجَلالة، وهو رَسمٌ لا يَتَكَرَّرُ في المُسَجَّل. انظُر الهِجرة والجِهاد.
- ٢:٢٢٨ ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾: الجَديدُ: يَظهَرُ الجَذرُ عَيناً مَحسوسة. وما في الجَوفِ مَنسوبٌ خَلقُه إلى اللهِ لا إلى حامِلَتِه، والنَّهيُ عن كِتمانِه يَجعَلُ الوِعاءَ حاوِياً لِما لَيسَ لَه. فتُقرَأُ صورةُ الجَذرِ في عُضوٍ يُرى: ضَمٌّ يُمسِكُ ما لا يُمسِكُ نَفسَه، وما فيه أمانةٌ لا مِلك. وهذا المَوضِعُ هو الذي يُخرِجُ قِراءةَ الجَوفِ من بابِ الاستِعارةِ إلى بابِ الشَّهادة. انظُر الخَلق.
- ٢:٢٨٦ ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا﴾: الجَديدُ: يَرِدُ الجَذرُ فِعلاً بِصيغةِ الأمر، وهو الفِعلُ المَبنيُّ لِلمَعلومِ الوَحيدُ منه في المُسَجَّل، ومَخرَجُه لِسانُ العَبدِ لا لِسانُ الخَبَر. وتَرتيبُه ثالِثاً بَعدَ العَفوِ والمَغفِرةِ كاشِف: يُمحى الأثَرُ، ثُمَّ يُستَرُ الفاعِل، ثُمَّ يُؤخَذُ في الجَوف. فالرَّحمةُ آخِرُ المَسارِ لا أوَّلَه. انظُر الدُّعاء والغُفران.
- ٣:٦ ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾: الجَديدُ: يُسنَدُ إلى الوِعاءِ عَمَلٌ يَجري فيه لا حِفظٌ فَحَسب، وهو التَّصويرُ الواقِعُ على مَن لا حيلةَ لَه. والخِطابُ بِكافِ الجَمعِ («يُصَوِّرُكُمْ») يَجعَلُ كُلَّ قارِئٍ خارِجاً من هذا الجَوفِ لا ناظِراً إليه من بَعيد. وتُختَمُ الآيةُ بِالعَزيزِ الحَكيمِ لا بِاسمٍ من الرَّحمة، فلا يُؤخَذُ الوِعاءُ لِيناً بَل يُؤخَذُ حُكماً نافِذاً في مَن فيه.
- ٣:٨ ﴿وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً﴾: الجَديدُ: تُطلَبُ الرَّحمةُ اسماً مَوهوباً لا فِعلاً مَطلوباً، فيَختَلِفُ الطَّلَبُ عن ٢:٢٨٦: هُناكَ يُطلَبُ أن يَقَعَ الفِعل، وهُنا أن يُملَكَ الأثَر. ويُقَيَّدُ المَصدَرُ بِـ«مِن لَّدُنكَ» فتُنفى الواسِطة. ومَوقِعُها بَعدَ «لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا» يَجعَلُها المَطلوبةَ لِتَثبيتِ القَلب: ما يُمسِكُ القَلبَ أن يَزيغَ بَعدَ الهُدى. انظُر الزَّيغ والقَلب.
- ٣:١٠٧ ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: الجَديدُ: تَصيرُ الرَّحمةُ ظَرفاً يُدخَلُ فيه ويُقامُ فيه أبَداً: «في» ثُمَّ «فيها»، والضَّميرُ عائِدٌ علَيها إذ لا مُؤَنَّثَ سِواها في الآية، ولَم تُذكَر جَنّةٌ قَبلَها. وفي المُسَجَّلِ تِسعةُ مَواضِعَ تُختَمُ بِـ«هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ»، ثَمانِيَةٌ منها مَرجِعُ الضَّميرِ فيها دار، وهذا وَحدَه مَرجِعُه رَحمة. فيُوضَعُ المَصدَرُ في مَوقِعِ المَسكَنِ صَريحاً، وهو أقوى ما في هذا المَفهومِ من شاهِد. انظُر الخُلود والنّار والجَنَّة.
- ٣:١٣٢ ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾: الجَديدُ: يَرِدُ الفِعلُ مَبنيّاً لِلمَجهولِ مُعَلَّقاً بِـ«لَعَلَّ»، فيُنظَرُ إلى الرَّحمةِ من جِهةِ مَن تَقَعُ علَيه لا من جِهةِ مَن تَصدُرُ عنه، وتُجعَلُ غايةً مَرجُوّةً لِطاعةٍ مَأمورٍ بِها لا عَطاءً ابتِدائيّاً. وهذا يُقابِلُ «يَرْجُونَ» في ٢:٢١٨ من الجِهةِ الأُخرى: هُناكَ رَجاءٌ يَقومُ بِالعَبد، وهُنا تَرَجٍّ يُعرَضُ علَيه. انظُر الرَّسول.
- ٣:١٥٧ ﴿لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾: الجَديدُ: تُوضَعُ الرَّحمةُ في ميزانِ مُفاضَلةٍ مَع غَيرِها لِأوَّلِ مَرّة. والمَقيسُ بِه «مِّمَّا يَجْمَعُونَ»: مالٌ مَضمومٌ بِيَدِ صاحِبِه. فتُقابَلُ ضَمّةٌ بِضَمّة، ويُحكَمُ لِما يَضُمُّ صاحِبَه على ما يَضُمُّه صاحِبُه. ووُقوعُها في سِياقِ القَتلِ والمَوتِ يَجعَلُ المُفاضَلةَ بَينَ ما يُترَكُ هُنا وما يُستَقبَلُ هُناك.
- ٣:١٥٩ ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ﴾: الجَديدُ: تُجعَلُ الرَّحمةُ سَبَباً لِخُلُقٍ في إنسان، فتَمُرُّ من اللهِ في النَّبيِّ إلى النّاس، وهذا أوَّلُ مَوضِعٍ لَها فيه مَجرىً لا مُتَلَقٍّ فَقَط. وأثَرُها المَذكورُ لينٌ، والمَفروضُ عِندَ ارتِفاعِها في الآيةِ نَفسِها «لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ». فيُصَرَّحُ بِأنَّ فِعلَ الرَّحمةِ إبقاءُ الجَماعةِ مَضمومةً حَولَ صاحِبِها، وضِدُّها تَفَرُّقٌ لا قَسوةٌ فَحَسب. انظُر القَلب.
- ١٧:٨ ﴿عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ﴾: الجَديدُ: يَخرُجُ الجَذرُ من المَصدَرِ إلى الفِعلِ المَبنيِّ لِلمَعلوم، وفاعِلُه مُصَرَّحٌ بِه: «رَبُّكُمْ». وهو الوَجهُ الذي كانَ القِسمُ الثّاني يَنفيه عن المَمسوح، فيَنكَشِفُ أنَّ ذلك النَّفيَ قِسمةُ سُوَرٍ لا حُكمٌ في الجَذر. ولا تَنتَقِلُ الرَّحمةُ بِذلك إلى بابِ الاستِحقاق: «عَسَىٰ» تُبقيها مَرجُوّةً لا مَقطوعاً بِها، كَما أبقاها «يَرْجُونَ» في ٢:٢١٨ و«لَعَلَّكُمْ» في ٣:١٣٢، والجَديدُ أنَّ الرَّجاءَ هُنا مَحمولٌ على الفِعلِ لا على المَصدَر. وتَقَعُ بَينَ عَودٍ إلى الإفسادِ وشَرطٍ يَرُدُّه: ﴿وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا﴾، فيُقرَأُ الإمساكُ مَرجُوّاً ومَشروطاً في آيةٍ واحِدة. انظُر الرَّبّ.
- ١٧:٢٤ ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾: الجَديدُ: يَرِدُ الأمرُ من الجَذرِ ثانيَ مَرّةٍ على لِسانِ العَبد، ومَفعولُه غَيرُه: «رَبِّ ارحَمهُما». وكانَ في ٢:٢٨٦ «وارحَمنا» يَطلُبُه الدّاعي لِنَفسِه ومَعَ جَماعَتِه، فيَتَحَوَّلُ هُنا إلى طَلَبٍ لِسِواه. وقَبلَه «مِنَ الرَّحمةِ» تُجعَلُ مَنبَعاً يُؤخَذُ مِنه خَفضُ الجَناح، فتَصيرُ مَصدَراً لِهَيئةِ بَدَنٍ لا حالاً في قَلبٍ فَقَط. والعِلّةُ «كَما رَبَّياني صَغيراً»: يُقاسُ الإمساكُ على إمساكٍ سابِقٍ لِمَن لا حيلةَ لَه، وهو وَجهُ الجَذرِ بِعَينِه.
- ١٧:٢٨ ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا﴾: الجَديدُ: تُبتَغى الرَّحمةُ ويُرجى نَيلُها في المَوضِعِ الذي لا يَملِكُ فيه الطّالِبُ ما يُعطي: «وإمّا تُعرِضَنَّ عَنهُمُ ابتِغاءَ رَحمةٍ». فيَجتَمِعُ في شَخصٍ واحِدٍ أنَّه مَسؤولٌ وسائِل. والرَّجاءُ الذي أُثبِتَ في ٢:٢١٨ لِأصحابِ أثقَلِ عَمَل، يُثبَتُ هُنا لِمَن لا عَمَلَ في يَدِه.
- ١٧:٥٤ ﴿إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ﴾: الجَديدُ: يُوضَعُ الفِعلُ في مُقابَلةٍ صَريحةٍ مَعَ التَّعذيبِ تَحتَ شَرطٍ واحِدٍ مُكَرَّرٍ: «إن يَشَأْ يَرحَمكُم أو إن يَشَأْ يُعَذِّبكُم». وهو ثاني فِعلٍ مَبنيٍّ لِلمَعلومِ من الجَذرِ في المُدَوَّنِ بَعدَ ١٧:٨، وقَد كانَ §٦ يَستَشهِدُ بِه ولا يُسَجِّلُه. والمَشيئةُ تُكَرَّرُ في الطَّرَفَينِ فلا يُرَجَّحُ أحَدُهُما بِلَفظِ الآية.
- ١٧:٥٧ ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾: الجَديدُ: يُقرَنُ رَجاءُ الرَّحمةِ بِخَوفِ العَذابِ في نَسَقٍ واحِد، فيُقرَأُ الجَوفُ في مُقابِلٍ لا في إطلاق. وأصحابُ الرَّجاءِ هُنا هُمُ المَدعُوّونَ أنفُسُهُم يَبتَغونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسيلة، فمَن يُتَّخَذُ مَرجُوّاً هو نَفسُه راجٍ. وهذا أوسَعُ ما بَلَغَه «يَرجونَ» في ٢:٢١٨.
- ١٧:٨٢ ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ … وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾: الجَديدُ: تُنَزَّلُ الرَّحمةُ من الكِتابِ نَفسِه وتُعطَفُ على شِفاء، فتُقرَأُ في بابِ الدَّواءِ الواقِعِ في مَحَلّ. وهي مَقصورةٌ بِاللّامِ على المُؤمِنينَ ويُقابَلُها في الظّالِمينَ خَسار، فالمُنَزَّلُ واحِدٌ والواقِعُ بِه اثنان. وهذا أوَّلُ مَوضِعٍ يُذكَرُ فيه لِلرَّحمةِ ضِدٌّ يَقَعُ بِالشَّيءِ نَفسِه لا بِارتِفاعِها.
- ١٧:٨٧ ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ۚ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾: الجَديدُ: تَرِدُ استِثناءً كَما في ٣٦:٤٤، والمُستَثنى مِنه هُنا ذَهابٌ بِما أُوحِيَ لا غَرَقٌ في ماء، فيُمسَكُ الوَحيُ بِها كَما يُمسَكُ البَدَن. ويُقارِنُها في الآيةِ نَفسِها «إنَّ فَضلَهُ كانَ عَلَيكَ كَبيراً»: يُوصَفُ الفَضلُ بِالكِبَرِ وتُترَكُ الرَّحمةُ بِلا مِقدار، وهو ما يَقولُه §٣ في الفَرقِ بَينَهُما، مَقروءاً هُنا في آيةٍ واحِدة.
- ١٧:١٠٠ ﴿قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَّأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنفَاقِ﴾: الجَديدُ: تُضافُ إلى «خَزائِن»، فيُتَصَوَّرُ لَها مَخزونٌ يُملَكُ ويُمسَكُ ويُنفَق. وفي هذا تَوَتُّرٌ مَعَ ما يُقَرِّرُه §٣ من أنَّها لا تُقاسُ بِزِيادةٍ كَما يُقاسُ الفَضل: الخَزائِنُ لَيسَت وَصفاً بِمِقدارٍ لَكِنَّها تُدخِلُها في لِسانِ ما يُخزَنُ ويُعَدّ. والآيةُ نَفسُها تَرُدُّ ذلك إلى مالِكِه: الفَرضُ أنَّ الإنسانَ لَو مَلَكَها لَأَمسَك، فالإمساكُ صِفةُ المَفروضِ لَه المِلكُ لا صِفةُ المالِك.
- ٣٦:٤٤ ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِّنَّا وَمَتَاعًا إِلَىٰ حِينٍ﴾: الجَديدُ: تَرِدُ الرَّحمةُ استِثناءً من غَرَقٍ قيلَ فيه قَبلَ آيةٍ «فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنقَذُونَ»، فتَقومُ مَقامَ المُغيثِ لِمَن لا يَملِكُ لِنَفسِه شَيئاً. وتُعطَفُ علَيها «وَمَتَاعًا إِلَىٰ حِينٍ»، فيَجتَمِعُ في مَوضِعٍ واحِد: إمساكٌ مِمّا يُهلِك، وتَمتيعٌ، وأجَلٌ مَذكور. وهو أوَّلُ مَوضِعٍ يَدخُلُ فيه الأجَلُ على هذا البابِ في المُسَجَّل. وتُنسَبُ إلى ضَميرِ العَظَمةِ («مِّنَّا») لا إلى لَفظِ الجَلالة. انظُر المَتاع.
- ٣٦:٤٥ ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾: الجَديدُ: تُعادُ صيغةُ ٣:١٣٢ بِلَفظِها، والفَرقُ أنَّها هُنا مَقولةٌ لِقَومٍ يُعرِضونَ عنها لا مَأمورٌ بِها مُؤمِنون، فيُرى التَّرَجّي مَعروضاً ومَردوداً في الآيةِ نَفسِها. ويُعلَمُ بِذلك أنَّ «لَعَلَّ» في المَوضِعِ الأوَّلِ شَرطٌ في المُخاطَبِ لا وَعدٌ عليه. والمَأمورُ بِه تَقوى ما بَينَ الأيدي وما خَلف، فيَتَّسِعُ المُهَيِّئُ لِلرَّحمةِ من طاعةٍ مَخصوصةٍ إلى حَذَرٍ في الزَّمانِ كُلِّه. انظُر التَّقوى.
- ٩٠:١٧ ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾: الجَديدُ: يَرِدُ الجَذرُ على وَزنِ مَفعَلة، وهو بِناءُ المَوضِعِ الذي يَكثُرُ فيه الشَّيء، وفاعِلُه إنسانٌ لا الله. وهو المَوضِعُ الوَحيدُ في المُسَجَّلِ الذي لا يُنسَبُ فيه الجَذرُ إلى مَصدَرٍ إلهيٍّ مَذكور، فيَنتَقِلُ من مَوهوبٍ يُرجى إلى مَصنوعٍ يُتَواصى بِه. وتَرتيبُها بَعدَ الصَّبرِ كاشِف: يُحتَمَلُ الأذى أوَّلاً، ثُمَّ يُصنَعُ المَوضِعُ الذي يُؤوى إليه. انظُر التَّواصي والصَّبر.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
- مَعَ الفَضل في ٢:٦٤ و٢:١٠٥: الفَضلُ أثبَتُ قَرينٍ لِلرَّحمةِ في
البَقَرة، ويُوصَفُ بِالعِظَمِ في الآيةِ نَفسِها التي تُذكَرُ فيها الرَّحمةُ بِلا وَصفٍ ولا مِقدار. فيُقرَأُ الفَرقُ من جِهةِ ما يَقبَلُه كُلٌّ منهُما: الزِّيادةُ تُقاسُ والجَوفُ لا يُقاس.
- مَعَ الغُفران في ٢:٢٨٦ و٣:١٥٧: يَتَقَدَّمُ الغُفرانُ على الرَّحمةِ
في المَوضِعَين، طَلَباً في الأوَّلِ وخَبَراً في الثّاني. والتَّرتيبُ واحِدٌ في الحالَين: سَترُ ما كان، ثُمَّ إمساكُ مَن كان.
- مَعَ الصَّبر في ٢:١٥٧ و٩٠:١٧: تَنزِلُ الرَّحمةُ على الصّابِرينَ في
الأولى، ويُتَواصى بِها بَعدَ الصَّبرِ في الثّانية. فيَجتَمِعُ الوَجهانِ في مَحَلٍّ واحِد: ما يُعطاه الصّابِرُ وما يَصنَعُه.
- مَعَ الخَلق في ٢:٢٢٨ و٣:٦: الأرحامُ في المَوضِعَين مَوضِعُ فِعلٍ
إلهيٍّ (خَلقٌ ثُمَّ تَصوير)، والمَحمولُ فيها لا يَصنَعُ شَيئاً ولا يُنسَبُ إليه شَيء. فيُقرَأُ الوِعاءُ المَحسوسُ شاهِداً على المَصدَرِ لا صورةً تُستَعارُ لَه.
خَالِدُونَ» لا تَقَعُ في المُسَجَّلِ إلّا على دارٍ، إلّا في هذا المَوضِعِ وَحدَه. فيُقرَأُ المَصدَرُ في مَوقِعِ الدّار، ويَجتَمِعُ الحَيِّزُ والدَّوامُ في لَفظٍ واحِد.
- مَعَ الدُّعاء في ٢:٢٨٦ و٣:٨: تُطلَبُ الرَّحمةُ في دُعاءَين، مَرّةً
فِعلاً («وَارْحَمْنَا») ومَرّةً اسماً («رَحْمَةً»). فيُقرَأُ الطَّلَبُ من جِهَتَيه: أن يَقَعَ الفِعل، وأن يُملَكَ الأثَر.
تُعَلَّقُ مَرّةً بِطاعةِ اللهِ والرَّسول، ومَرّةً بِتَقوى ما بَينَ الأيدي وما خَلف. والمُخاطَبُ في الأولى مُؤمِنٌ مَأمور، وفي الثّانيةِ مُعرِضٌ يُساقُ إليه القَولُ فيَرُدُّه.
- مَعَ المَتاع في ٣٦:٤٤: المَتاعُ والرَّحمةُ مَعطوفانِ في مَوضِعِ
الاستِثناءِ الواحِد، فيُقرَأُ الانتِفاعُ داخِلَ الإمساكِ لا بَعدَه.
الإشكالات المَفتوحة
- **خُلُوُّ المَمسوحِ من فِعلٍ مَبنيٍّ لِلمَعلومِ مُسنَدٍ إلى اللهِ من
هذا الجَذر: كانَ السُّؤالُ: أخاصّةُ السُّوَرِ الأربَعِ والثَّلاثينَ هو أم قاعِدةٌ في الكِتاب؟ وعُلِّقَ الجَوابُ على نَشرِ سُوَرٍ فيها الفِعلُ مُسنَداً. وقَد نُشِرَ الإسراء: ١٧:٨ ﴿عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ﴾ و١٧:٥٤ ﴿إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ﴾. فهو خاصّةُ تِلكَ السُّوَرِ لا حُكمٌ في الجَذر، والمَوضِعُ الأوَّلُ مُسَجَّلٌ في القِسمِ الرّابِع. مُغلَق**.
- «إلى حين» في ٣٦:٤٤: أظَرفٌ لِلمَتاعِ وَحدَه أم لِلرَّحمةِ مَعَه؟
الوَجهانِ يَستَقيمانِ في اللَّفظِ ولا يُرَجَّحُ أحَدُهُما بِمَوضِعٍ آخَرَ في المُسَجَّل. وعلى الأوَّلِ تَبقى الرَّحمةُ مُطلَقةً ويُوَقَّتُ الانتِفاعُ بِها، وعلى الثّاني يَدخُلُ الأجَلُ على الجَوفِ نَفسِه كَما يَدخُلُ على الرَّحِم. مَفتوح.
- **أالرَّحِمُ (العُضو) والرَّحمةُ من أصلٍ واحِدٍ حَقّاً أم اشتِراكٌ في
اللَّفظ؟** المُعجَمُ يَجمَعُهُما، وقِراءةُ الجَذرِ هُنا تُوَحِّدُهُما بِصورةِ الجَوفِ الذي يُمسِكُ ويُقيمُ إلى أجَل. ويَشهَدُ لَها أنَّ القرآنَ نَفسَه يَجعَلُ المَصدَرَ ظَرفاً يُخلَدُ فيه (٣:١٠٧). ولَو فُصِلا لَبَقِيَت قِراءةُ المَصدَرِ قائِمةً بِـ٣:١٠٧ و٣٦:٤٤ و٣:١٥٩ من غَيرِ حاجةٍ إلى العُضو. مَفتوح.
- ٢:١٧٨ تُسَمّي حُكماً رَحمة: أفَكُلُّ تَخفيفٍ رَحمة؟ المُسَجَّلُ لا
يُعطي من هذا البابِ إلّا مَوضِعاً واحِداً، فلا يُعَمَّمُ علَيه. ويُختَبَرُ عِندَ تَسجيلِ مَواضِعِ التَّخفيفِ والرُّخصةِ في سُوَرٍ أُخرى. مَفتوح.