آل عمران · الآية 159

﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ

«فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ»: اللِّينُ يُربَطُ بمصدرِ الرَّحمة

الفاءُ تُعقِّبُ على ما سبق، والباءُ تَربِطُ اللِّينَ برحمةٍ من الله. والرحمةُ من ر-ح-م، ومعناها جريانٌ يَدخُلُ احتواءً باطناً ثمّ يَضُمُّ في لقاء، و«من الله» تَحفظُ مصدرَها. والفعلُ «لنت» من ل-ي-ن، وأصلُه انسِيابٌ مُمتَدٌّ يَنبَعِثُ من باطِنِ الشَّيءِ إلى ظاهِرِه فيُطاوِعُ ما يُلاقيه، فيَحمِلُ مرونةً متّصلةً بالمَحلّ. والتاءُ تُسنِدُ اللِّينَ إلى المخاطَبِ المفرد، واللامُ تَربِطُه بالجماعةِ «لهم»، فالرحمةُ علّةُ هذه الصلةِ اللّيّنة.

«وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ»: قَسوَةُ القَلبِ تَفُضُّ الجَمع

و«لو» تَفتحُ حالاً مضادّةً لما وقع: لو كنت فظّاً غليظَ القلب. والفظاظةُ من ف-ظ-ظ، وهي شَقٌّ يَدخُلُ حَجباً غاشياً ويُكثِّفُه التكرار، فتَحمِلُ خشونةً مُطبقة، والغلظةُ من غ-ل-ظ، ومعناها غِطاءٌ كثيفٌ يَتعلّقُ بما يُغطّيه ثمّ يُطبَقُ عليه غِطاءٌ فوقَ غِطاءٍ حتّى يَحجُبَ ما وراءَه، وقد أُضيفت إلى القلب. وجوابُ «لو» هو «لانفضّوا من حولك»، والانفضاضُ من ف-ض-ض، وأصلُه شَقٌّ يَضمُّ بثِقلٍ ثمّ يُكثِّفُ التكرارُ انبساطَه وخروجَه، فيَحمِلُ تفرّقَ الجماعةِ بعيداً عن محيطِ المخاطَب.

«فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ»: العَفوُ والغُفرانُ والمُشاوَرةُ تُعيدُ الصِّلة

وجاءَت الفاءُ بثلاثةِ أوامرَ للمفرد. والعفوُ من ع-ف-و، وهو ظُهورٌ يَفتَحُ شَقّاً ثمّ يُفضي إلى تَجاوز، و«عنهم» تُخلّي المَجرى بعيداً عن متعلّقِه. والاستغفارُ طلبُ سِترِ المغفرةِ «لهم»، فيَبقى اللهُ مصدرَ الغفرانِ والمخاطَبُ طالبَه. ثمّ «شاورهم» من ش-و-ر، ومدارُه على حَصرٍ يَضُمُّ الشَّيءَ ثمّ يُجريه مُستَرسِلاً، وصيغةُ المفاعلةِ تَحمِلُ تبادلاً في إظهارِ الرأي، والظرفُ «في الأمر» يَحدُّ مجالَ المشاورة، فالعفوُ والطلبُ والمشاورةُ هي حركاتُ إعادةِ الصلة.

«فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ»: القرارُ يَعقُبُه اعتمادٌ متعمَّد

والفاءُ تَربِطُ «إذا» بما سبق، و«إذا» تَفتحُ زمنَ تحقّقِ العزم. والعزمُ من ع-ز-م، وأصلُه ظُهورٌ من العُمقِ يَتضاغطُ في مَضيقٍ ثمّ يَضُمُّ ويتلاصق، فيَحمِلُ قراراً اجتمعَ بعدَ التردّد. وجوابُ الشرطِ أمرٌ: فتوكّل على الله، والتوكّلُ من و-ك-ل، وهو عقدٌ يَدخُلُ كَتماً وامتساكاً ثمّ يَتعلّقُ بجهة، وصيغةُ التفعّلِ تُدخِلُ الفاعلَ في اعتمادٍ عامد، و«على الله» تَضبطُ الجهةَ التي يُلقى عليها الاعتماد. والمشاورةُ لا تُلغِي العزم، كما أنّ العزمَ لا يُغني عن التوكّل.

«إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ»: الخاتمةُ تَصِلُ الاعتمادَ بالمَحبّة

وتُختَمُ الآيةُ بـ«إنّ» للتوكيد، واسمُها اسمُ الله، والمضارعُ «يحبّ» خبرُها. والمحبّةُ صِلةٌ باطنةٌ يَتَّصلُ مَحلُّها ويُكثِّفُ تَكرارُ الباءِ ثباتَها. والمفعولُ «المتوكّلين» اسمُ فاعلٍ من التوكّل، يَحمِلُ طبيعةً فاعلةً مستمرّةً في الاعتمادِ على الله، لا فعلاً لحظيّاً بعدَ قرارٍ واحد، والجمعُ يَفتحُ الصفةَ لكلِّ أصحابِها ولا يَحصرُها في المخاطَبِ المفرد. وبهذا تَنتقلُ الآيةُ من رحمةٍ أَنتجت لِيناً إلى اعتمادٍ مستمرٍّ يَتَّصلُ بمحبّةِ الله.


حَصيلة

تَربِطُ الآيةُ اللِّينَ برحمةٍ من الله، ثمّ تَكشفُ «لو» أنّ الفظاظةَ وغلظةَ القلبِ كانتا سَتُفَرِّقانِ الجَماعةَ مِن حَولِك. والعلاجُ في ثلاثةِ أوامر: العفوِ عنهم، وطلبِ المغفرةِ لهم، ومشاورتِهم في الأمر، وبعدَ العزمِ ينتقلُ الفعلُ إلى التوكّلِ على الله، فيَحفظُ القرارَ والاعتمادَ معاً. ثمّ تُختَمُ الآيةُ بمحبّةِ الله للمتوكّلينَ أصحابِ الاعتمادِ المستمرّ.