القِتال
القِتالُ من ق-ت-ل، والجَذرُ قَطعٌ تامٌّ لِعَقدٍ في العُمقِ يَتَعَلَّقُ بِه الشَّيء. والقِتالُ هذا القَطعُ على وَزنِ فاعَل: يَطلُبُه كُلُّ طَرَفٍ في الآخَر.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
ثلاثةُ حُروف:
- ق: تَعَقُّدٌ واشتِدادٌ في العُمق. ويَظهَرُ مِنه هُنا أوَّلُه: العُقدةُ تَنعَقِدُ وتَشتَدُّ في العُمق، وهو عَقدٌ في العُمق. وهذا وَجهُ «العَقدِ والالتِئامِ في العُمق».
- ت: ضَغطٌ دَقيق. ويَظهَرُ مِنه هُنا آخِرُه: الضَّغطُ الدَّقيقُ يَقطَعُ الحَدَثَ ويُتِمُّه، وهو قَطعٌ تامّ. وهذا وَجهُ «القَطعِ والتَّمامِ والانفِلات».
- ل: تَعَلُّقٌ يَمتَدّ. ويَظهَرُ مِنه هُنا أوَّلُه: الشَّيءُ يَلتَصِقُ بِالعُقدةِ ويَتَعَلَّقُ بِها، وهو تَعَلُّق. وهذا وَجهُ «التَّعَلُّقِ والالتِصاقِ والحَوز».
النَّواةُ قت (ق + ت) = عَقدٌ في العُمقِ يُقطَعُ قَطعاً تامّاً. والإتمامُ بـل يَجعَلُ هذا العَقدَ ما يَتَعَلَّقُ بِه الشَّيء، فإذا قُطِعَ انقَطَعَ تَعَلُّقُ الشَّيءِ بِه. فالجَذرُ ق-ت-ل حرفيّاً: قَطعٌ تامٌّ لِعَقدٍ في العُمقِ يَتَعَلَّقُ بِه الشَّيء.
وقَطعُ هذا العَقدِ في نَفسٍ واحِدةٍ يُقابِلُه في الآيةِ إحياؤُها: ﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾، ثُمَّ ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (٥:٣٢).
اختِبارُ المَعنى على مَواضِعِ الجَذرِ كُلِّها. يَرِدُ الجَذرُ في القُرآنِ في مِئةٍ وسَبعينَ مَوضِعاً (١٧٠)، على خَمسَ عَشْرةَ صيغة: أربَعةٌ وتِسعونَ مَوضِعاً من الفِعلِ المُجَرَّدِ وما يُشتَقُّ مِنه، وخَمسةٌ من فَعَّل، وسَبعةٌ وسِتّونَ من فاعَل، وأربَعةٌ من افتَعَل. وهذه الصِّيَغُ كُلُّها، لِكُلِّ صيغةٍ عَدَدُ مَواضِعِها وشاهِد:
- قَتَلَ (١٩): ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ (١٨:٧٤): قَطعٌ تامٌّ وَقَعَ على نَفسٍ زَكيّةٍ فانقَطَعَ تَعَلُّقُها، ولِذلِك يُسأَلُ عَنه سُؤالَ إنكار.
- يَقتُلُ (٣٤): ﴿لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾ (٥:٢٨): القَطعُ يُقصَدُ إلَيه بِبَسطِ اليَد، والمُتَكَلِّمُ يَرُدُّ يَدَه عَنه. ومنه النَّهيُ: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ (٦:١٥١).
- اقتُلْ (١٠): ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا﴾ (١٢:٩): الأمرُ بِالقَطعِ التّامّ، ويُعطَفُ عَلَيه بِـ«أو» ما هو دونَه، طَرحُه أرضاً.
- قُتِلَ (١٧): ﴿أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ﴾ (٣:١٤٤): وُقوعُ القَطعِ على صاحِبِه، مَعطوفاً على المَوتِ بِـ«أو» فهُما أمرانِ اثنان. ويَأتي المَبنيُّ لِلمَفعولِ دُعاءً بِهذا القَطعِ في خَمسةِ مَواضِع: ﴿قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ (٨٠:١٧).
- يُقتَلُ (٣): ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ﴾ (٢:١٥٤): مَن يُقطَعُ عَقدُه في سَبيلِ اللهِ يُنهى عن تَسمِيَتِه مَيِّتاً، وتُتِمُّ الآية: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ﴾.
- قَتْل (١٠): ﴿لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ﴾ (٣:١٥٤): المَصدَرُ اسمُ القَطعِ نَفسِه، يُكتَبُ على قَومٍ فيَبرُزونَ إلى مَواضِعِه.
- قَتلى (١): ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ (٢:١٧٨): مَن وَقَعَ فيهِمُ القَطع، ويُكتَبُ القِصاصُ فيهِم.
- قَتَّلَ، يُقَتِّلُ، قُتِّلَ (٤): ﴿سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾ (٧:١٢٧): فَعَّلَ يُكَثِّرُ القَطعَ فيَقَعُ على الأبناءِ جَميعاً، ويُقابِلُه استِحياءُ النِّساء.
- تَقتيل (١): ﴿أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ (٣٣:٦١): مَصدَرُ فَعَّل، يُؤَكِّدُ كَثرةَ القَطعِ بَعدَ فِعلِه.
- قاتَلَ (١١): ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ (٣:١٤٦): فاعَلَ يَجعَلُ القَطعَ طَلَباً بَينَ طَرَفَين، يَطلُبُه كُلٌّ مِنهُما في الآخَر. ويَأتي دُعاءً فاعِلُه اللهُ في مَوضِعَين: ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ۚ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾ (٩:٣٠).
- يُقاتِلُ (٢٦): ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾ (٦١:٤): المُفاعَلةُ جارِيةً، والمُقاتِلونَ صَفٌّ واحِدٌ في سَبيلِ الله.
- قاتِلْ (١٤): ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ (٩:٣٦): الأمرُ بِالمُفاعَلة، والآيةُ تُسَوّي بَينَ فِعلِ الطَّرَفَين: «كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ».
- قُوتِلَ، يُقاتَلُ (٣): ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ (٢٢:٣٩): مَن يَقَعُ عَلَيه طَلَبُ الطَّرَفِ الآخَرِ لِهذا القَطع، فيُؤذَنُ لَه أن يَطلُبَه هو.
- قِتال (١٣): ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ (٨:٦٥): مَصدَرُ فاعَل، اسمُ هذا الطَّلَبِ المُتَبادَل.
- اقتَتَلَ، يَقتَتِلُ (٤): ﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ﴾ (٢٨:١٥): افتَعَلَ يَجعَلُ الطَّلَبَ المُتَبادَلَ بَينَ اثنَين، أو بَينَ طائِفَتَينِ من جَماعةٍ واحِدة: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ (٤٩:٩).
من خارِجِ التَّركيب:
- من المُعجَم: قَتَلَ الرَّجُلَ: أزهَقَ رُوحَه. وقَتَلَ الشَّيءَ خُبراً وعِلماً: بَلَغَ غايةَ العِلمِ بِه. وقَتَلَ الخَمرَ: مَزَجَها بِالماءِ فكَسَرَ حِدَّتَها.
- عِندَ جَبَل في النَّواةِ قت: «الدقة وقلة ما به القوة في العمق».
وما يَزيدُه القِتال: يَصيرُ القَطعُ طَلَباً بَينَ طَرَفَين، يَطلُبُه كُلٌّ مِنهُما في الآخَر، فيَقَعُ القَطعُ على الطّالِبِ أو يَغلِب: ﴿فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ﴾ (٤:٧٤). والطَّلَبُ يَقِفُ حينَ يَكُفُّ أحَدُ الطَّرَفَين: ﴿فَإِنِ انتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ (٢:١٩٣). وافتَعَلَ يَجعَلُ هذا الطَّلَبَ بَينَ اثنَينِ (٢٨:١٥) أو بَينَ طائِفَتَينِ من جَماعةٍ واحِدة (٤٩:٩). والصَّفحةُ qatl تَقولُ ما يَزيدُه القَتل.
الصِّيَغ
- قاتَلوا (فاعَلَ، ماضٍ): طَلَبُ كُلِّ طَرَفٍ هذا القَطعَ في الآخَرِ واقِعاً. ومنه الدُّعاءُ «قَاتَلَهُمُ اللَّهُ» (٩:٣٠، ٦٣:٤).
- يُقاتِلُ (مُضارِع): المُفاعَلةُ جارِيةً أو مَطلوبة، ومنه الأمرُ بِاللّامِ «فَلْيُقَاتِلْ» (٤:٧٤).
- قاتِلوا (أمر): طَلَبُ المُفاعَلة.
- قُوتِلَ، يُقاتَلُ (مَبنيٌّ لِلمَفعول): مَن يَقَعُ عَلَيه طَلَبُ الطَّرَفِ الآخَر.
- قِتال (مَصدَرُ فاعَل): اسمُ هذا الطَّلَبِ المُتَبادَل.
- اقتَتَلَ، يَقتَتِلُ (افتَعَل): المُفاعَلةُ بَينَ اثنَين أو بَينَ طائِفَتَينِ من جَماعةٍ واحِدة.
الجَذرُ قَبلَ الوَزن: قَطعٌ تامٌّ لِعَقدٍ في العُمقِ يَتَعَلَّقُ بِه الشَّيء. وفاعَلَ يَجعَلُه طَلَباً بَينَ طَرَفَين. الوَزنُ يُحَدِّدُ: الفِعلَ، أو زَمَنَه، أو مَن يَقَعُ عَلَيه.
الفُروق المَعنويّة
qatl(القَتل): الجَذرُ نَفسُه. القَتلُ قَطعٌ من فاعِلٍ على مَفعول، والقِتالُ طَلَبُ كُلِّ طَرَفٍ هذا القَطعَ في الآخَر. ويَجتَمِعانِ في ٢:١٩١، وفي ٣:١٩٥ ﴿وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا﴾. انظُر القَتل.3adawa(العَداوة): من ع-د-و. القِتالُ فِعلٌ يَقَعُ ويَكُفّ، والآياتُ تَرفَعُه بِانتِهاءِ الطَّرَفِ الآخَر (٢:١٩٣، ٤:٩٠). انظُر العَداوة.i3tida(الاعتِداء): من ع-د-و. القِتالُ في ٢:١٩٠ يَقتَرِنُ بِالنَّهيِ عن الاعتِداء، فلِلمُفاعَلةِ حَدٌّ تَقِفُ عِندَه. انظُر الاعتِداء.
المَواضع: مَواقِعُ القِتالِ في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٢:١٩٠ ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾: مَوضِعُ الافتِتاح. يَدخُلُ القِتالُ القُرآنَ أمراً مُقَيَّداً بِقَيدَين: «فِي سَبِيلِ اللَّهِ»، و«الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ»، فالمُخاطَبونَ يَطلُبونَ القَطعَ في مَن يَطلُبُه فيهِم. ويُعطَفُ على الأمرِ نَهيٌ عن الاعتِداء، فلِلمُفاعَلةِ حَدٌّ إذا جاوَزَته صارَت اعتِداءً لا يُحِبُّه الله.
- ٢:١٩١ ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ ۚ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾: الجَديدُ: يُقَيَّدُ القِتالُ لِأوَّلِ مَرّةٍ بِمَكان: «وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ»، فيُعَلَّقُ الإذنُ فيه بِمُبادَأةِ الطَّرَفِ الآخَرِ كما عُلِّقَ في ٢:١٩٠ بِـ«الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ». ويَنتَقِلُ الأمرُ من المُفاعَلةِ إلى القَطعِ الواحِد «وَاقْتُلُوهُمْ» حَيثُ يُدرَكُ المُقاتِلون، «حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ»، وتَقيسُ الآيةُ القَتلَ بِالفِتنة.
- ٢:١٩٣ ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾: الجَديدُ: يُجعَلُ لِلقِتالِ غايةٌ يَنتَهي إلَيها بِـ«حَتَّىٰ»، حالٌ تَزولُ فيها الفِتنةُ التي قيسَ بِها القَتلُ في ٢:١٩١ ويَصيرُ فيها «الدِّينُ لِلَّهِ». ويُعَلَّقُ انقِطاعُه بِانتِهاءِ الطَّرَفِ الآخَر: «فَإِنِ انتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ»، فالمُفاعَلةُ تَقِفُ حينَ يَكُفُّ أحَدُ طَرَفَيها.
- ٢:١٩٤ ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾: الجَديدُ: تُقيمُ الآيةُ مِيزانَ القِتالِ ولَفظُه غائِبٌ عَنها. يُضافُ إلى قَيدِ المَكانِ في ٢:١٩١ قَيدُ زَمان، الشَّهرُ الحَرامُ بِالشَّهرِ الحَرام، ويُوزَنُ الرَّدُّ بِالمِثل «بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ»، ويُسَمّى الرَّدُّ بِلَفظِ ما نُهِيَ عَنه في ٢:١٩٠: «فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ».
- ٢:٢١٦ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ﴾: الجَديدُ: يَصيرُ القِتالُ مَكتوباً على المُخاطَبين، وتُسَمّي الآيةُ حالَهُم مِنه «كُرْهٌ لَّكُمْ». ثُمَّ تَفصِلُ بَينَ ما تَكرَهُه النُّفوسُ وما هو خَيرٌ لَها، وتَرُدُّ العِلمَ إلى الله: «وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ».
- ٢:٢١٧ ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾: الجَديدُ: يُسأَلُ عن القِتالِ ويُحكَمُ عَلَيه بِالوَزن: «قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ»، وما يُقابِلُه «أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ». ثُمَّ يوصَفُ قِتالُ الطَّرَفِ الآخَرِ بِالدَّوامِ وتُسَمّى غايَتُه بِـ«حَتَّىٰ» كما سُمِّيَت غايةُ المُخاطَبينَ في ٢:١٩٣: «وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ»، فتَقِفُ الغايَتانِ على الدِّينِ من جِهَتَين.
- ٢:٢٤٤ ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾: الجَديدُ: يُعادُ أمرُ ٢:١٩٠ بِلَفظِه «وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ» بِلا مَفعولِه وبِلا نَهيِ الاعتِداء، ويَتلو مَشهَدَ قَومٍ خَرَجوا «حَذَرَ الْمَوْتِ» في ٢:٢٤٣، ويُختَمُ بِأمرٍ بِالعِلم «وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» مَكانَ «إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ».
- ٢:٢٤٦ ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا﴾: الجَديدُ: يَطلُبُ القِتالَ مَن سَيُقاتِلونَ أنفُسُهُم، بَعدَ أن كانَ في ما سَبَقَ أمراً يَنزِلُ على المُخاطَبين، ويُعَلِّلونَ طَلَبَهُم بِإخراجِهِم: «وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا». ثُمَّ تَعودُ صيغةُ ٢:٢١٦ في الغائِب: «فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ»، فيَنقَلِبُ في الآيةِ الواحِدةِ طَلَبُ القِتالِ تَوَلِّياً عَنه حينَ كُتِب.
- ٣:١٢١ ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾: الجَديدُ: يُضافُ إلى القِتالِ مَكانٌ لا حُكم: «مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ». فبَعدَ قُيودِه في البَقَرةِ يَظهَرُ هُنا تَدبيرُه: التَّبويءُ تَرتيبُ المَواضِعِ قَبلَ أن تَبدَأَ المُفاعَلة، والمُبَوَّؤونَ «الْمُؤْمِنِينَ».
- ٣:١٢٧ ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾: الجَديدُ: تُسَمّي الآيةُ غايةَ النَّصرِ المَذكورِ قَبلَها بِفِعلِ القَطع: «لِيَقْطَعَ طَرَفًا»، فيَقَعُ القَطعُ على طَرَفٍ من الذينَ كَفَروا، وبَديلُه بِـ«أَوْ» كَبتٌ يَرُدُّهُم «خَائِبِينَ». فلِما يَنتَهي إلَيه القِتالُ غايَتان، أدناهُما رَدُّ الخائِب.
- ٣:١٦٧ ﴿وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا﴾: الجَديدُ: يُعرَضُ القِتالُ مَعَ بَديلٍ أدنى مِنه «أَوِ ادْفَعُوا»، فالمَطلوبُ أحَدُ أمرَين. والجَوابُ «لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَّاتَّبَعْنَاكُمْ» يَجعَلُ العُذرَ نَفياً لِلعِلمِ بِالقِتالِ وقد صُرِّحَ بِه في العَرضِ نَفسِه. وخِتامُها «يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ» يَنقُلُ الخَلَلَ من مَوضِعِ القِتالِ إلى مَوضِعِ القَول. انظُر النِّفاق.
- ٣:١٩٥ ﴿وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾: الجَديدُ: يَرِدُ الجَذرُ مَرَّتَينِ مُتَجاوِرَتَين: المُفاعَلةُ «وَقَاتَلُوا»، ثُمَّ وُقوعُ القَطعِ عَلَيهِم «وَقُتِلُوا»، فطَلَبُ القَطعِ في الآخَرِ يَتِمُّ بِوُقوعِه على الطّالِب. وهُما آخِرُ سِلسِلةٍ تَبدَأُ بِالهِجرةِ والإخراجِ والأذى، فالقِتالُ خاتِمةُ تَدَرُّج.
- ٤:٧٤ ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾: الجَديدُ: يُسَمّى المَأمورونَ بِصِفةِ بَيعٍ عَقَدوه، يُعطونَ الحَياةَ الدُّنيا ويَأخُذونَ الآخِرة، ثُمَّ تُذكَرُ لِلمُقاتِلِ عاقِبَتانِ بَينَهُما «أَوْ»: «فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ»، يَقَعُ القَطعُ عَلَيه في الأولى، ويَغلِبُ في الثّانية، ويُعقَدُ عَلَيهِما جَوابٌ واحِد: «فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا». انظُر الشِّراء.
- ٤:٧٥ ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ﴾: الجَديدُ: يُسأَلُ المُخاطَبونَ عن عِلّةِ تَركِهِم القِتال، فيَصيرُ السُّؤالُ حَثّاً عَلَيه، ويُقرَنُ بِـ«سَبِيلِ اللَّهِ» طَرَفٌ ثانٍ: «وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ». فلِلقِتالِ مَقصِدٌ في قَومٍ وَقَعَ عَلَيهِمُ الضَّعفُ من فِعلِ غَيرِهِم، وهُم يَدعونَ: «رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا». انظُر الضَّعف والمُضاعَفة.
- ٤:٧٦ ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ﴾: الجَديدُ: الفِعلُ نَفسُه يُسنَدُ إلى فَريقَينِ في جُملَتَينِ على بِناءٍ واحِد، «الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»، ثُمَّ الذينَ كَفَروا في سَبيلٍ آخَر. فـ«فِي سَبِيلِ» التي كانَت قَيدَ القِتالِ مُنذُ ٢:١٩٠ تَصيرُ إطاراً يَشتَرِكُ فيه الفَريقان، ولِكُلٍّ مِنهُما سَبيلُه، ويُفصَلُ بَينَهُما بِالطَّريقِ الذي تَجري فيه المُفاعَلة. ثُمَّ يُسَمّى المُقاتَلونَ بِمَن يَلونَه، «أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ»، ويوصَفُ كَيدُه بِالضَّعف. انظُر الطَّاغوت.
- ٤:٧٧ ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾: الجَديدُ: يُكتَبُ القِتالُ على قَومٍ قيلَ لَهُم قَبلَه «كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ»، فتُواجَهُ الكِتابةُ بِسُؤالٍ عن عِلَّتِها وطَلَبٍ لِتَأخيرِها. ففي ٢:٢١٦ قوبِلَتِ الكِتابةُ بِالكُره، وفي ٢:٢٤٦ بِالتَّوَلّي، وهُنا بِطَلَبِ مُهلة. والجَوابُ يَزِنُ المُهلةَ بِمَتاعٍ قَليل: «قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ». انظُر الأجَل.
- ٤:٨٤ ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾: الجَديدُ: يَنتَقِلُ الأمرُ من الجَمعِ في ٤:٧٦ «فَقَاتِلُوا» إلى الواحِد «فَقَاتِلْ»، ويُحَدُّ ما يُحَمَّلُه المَأمورُ بِنَفسِه وَحدَها. ويُعطَفُ على الأمرِ أمرٌ ثانٍ يَتَّجِهُ إلى غَيرِه قَولاً: «وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ»، ثُمَّ رَجاءٌ أن يَكُفَّ اللهُ بَأسَ الذينَ كَفَروا، والكَفُّ هو ما أُمِرَ بِه أصحابُ الأيدي في ٤:٧٧. انظُر التَّكليف.
- ٤:٩٠ ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾: الجَديدُ: يَتَرَدَّدُ الجَذرُ في الآيةِ أربَعَ مَرّاتٍ على المُفاعَلة، والشَّرطُ الذي قامَ عَلَيه القِتالُ مُنذُ ٢:١٩٠ يُصاغُ هُنا من جِهَتِه الأُخرى: مَن اعتَزَلَ ولم يُقاتِلْ وألقى السَّلَمَ لا يُجعَلُ عَلَيه سَبيل. فالمُفاعَلةُ تَسقُطُ بِكَفِّ أحَدِ طَرَفَيها، وما لم يَقَعْ من قِتالِهِم يُرَدُّ إلى المَشيئة: «وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ». انظُر السِّلم.
التَّقاطُعات
qatl: القَتلُ شَقيقُ القِتالِ في الجَذر، ويَجتَمِعانِ في ٢:١٩١ و٣:١٩٥ و٤:٧٤.sabil: «فِي سَبِيلِ اللَّهِ» قَيدُ القِتالِ في ٢:١٩٠ و٢:٢٤٤ و٤:٧٤، ويَصيرُ في ٤:٧٦ سَبيلَينِ لِفَريقَين.i3tida: القِتالُ يُقرَنُ بِالنَّهيِ عن الاعتِداءِ في ٢:١٩٠.fitna: زَوالُ الفِتنةِ غايةُ القِتالِ في ٢:١٩٣.din: «وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ» غايةُ القِتالِ في ٢:١٩٣.shahr: الشَّهرُ الحَرامُ يُقَيِّدُ القِتالَ في ٢:١٩٤ و٢:٢١٧.
الإشكالات المَفتوحة
- حَدُّ القَيدِ في ٢:١٩٠: «الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ» يَجعَلُ المَأمورَ بِه في هذه الآيةِ قِتالاً لِمَن يُقاتِل، وكذلك ٢:١٩١ و٤:٩٠. وفي ٢:٢٤٤ يَرِدُ الأمرُ بِلا هذا القَيد، فتَبقى الدَّعوى مَحدودةً بِالمَواضِعِ التي قُيِّدَت.
- دَينُ تَسجيل: تَرِدُ المُفاعَلةُ وافتَعَلَ في سُوَرٍ مَنشورةٍ في مَواضِعَ لم تُسَجَّلْ هُنا بَعدُ: ٢:٢٥٣ (اقتَتَلَ مَرَّتَين)، و٣:١٣، و٣:١١١، و٣:١٤٦.