القِتال
قَطعٌ تَسَلسُليٌّ مُتَبادَلٌ، القِتالُ كَصيغةِ مُفاعَلةٍ من نَفسِ جَذرِ القَتل، لكنَّه يُفيدُ التَّبادُلَ بَينَ طَرَفَين. القَتلُ إنهاءُ امتِدادٍ، والقِتالُ إنهاءاتٌ مُتَبادَلةٌ بَينَ طَرَفَين في مَعرَكة. قاتَلَ لا قَتَلَ.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
- ق :: انعِقادُ أقصى اللِّسانِ على أقصى الحَنَك، يَحتَبِسُ خَلفَه
النَّفَسُ مُشتَدّاً ثُمَّ يَنقَطِعُ عَنه بِإطلاقٍ قاطِعٍ شَديد. فالمَبدَأُ اشتِدادٌ يَنتَهي إلى قَطع.
- ت :: انطِباقٌ دَقيقٌ يَقرَعُ أصولَ الثَّنايا قَرعاً خَفيفاً،
ثُمَّ انفِتاحٌ خاطِفٌ يَقطَعُ الحَدَثَ ويُتِمُّه، وصِفَتُه الدِّقّةُ والوَحدة. فالوَسَطُ قَطعٌ واحِدٌ تامّ.
- ل :: تَعَلُّقٌ والتِصاقٌ وحَوز، مَعَ امتِدادٍ وانسِياب.
فالمُنتَهى تَعَلُّقٌ بِامتِداد.
فالتَّركيبُ: اشتِدادٌ يَقطَع، فقَطعةٌ واحِدةٌ تامّة، فتَعَلُّقٌ بِامتِدادٍ يُقطَع. وأدَقُّ ما في هذا صِفةُ التّاء: الوَحدة. فالجَذرُ لا يُسَمّي عَداوةً مُستَمِرّةً ولا حالَ حَرب، يُسَمّي فِعلاً واحِداً تامّاً يَقطَعُ امتِداداً.
وما تَدفَعُه هذه القِراءة: أنَّ القِتالَ حَيثُ قُيِّدَ في المُسَجَّلِ مُعَلَّقٌ بِشَرطٍ يَنقَطِعُ بِانقِطاعِه: قَيدُه في ٢:١٩٠ «الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ»، وغايَتُه في ٢:١٩٣ «فَإِنِ انتَهَوْا». ولَو كانَ اللَّفظُ اسماً لِحالِ عَداوةٍ لَما صَحَّ ذلك، لِأنَّ الحالَ لا تُرفَعُ بِفِعلِ الخَصمِ وَحدَه. وعلى وَحدةِ التّاءِ يَستَقيم: ما يُؤمَرُ بِه جُملةُ أفعالٍ مُفرَدةٍ مُتَبادَلة، فمَتى كَفَّ أحَدُ الطَّرَفَينِ عَن فِعلِه سَقَطَ الفِعلُ المُقابِلُ لَه بِعَينِه. ومن هُنا لا يَضطَرِبُ السِّياقُ حينَ يَنتَقِلُ في ٢:١٩١ من صيغةِ المُفاعَلةِ إلى «وَاقْتُلُوهُمْ»: المُفاعَلةُ مُرَكَّبةٌ من هذه الآحاد، فالانتِقالُ من الجُملةِ إلى واحِدِها لَيسَ تَغييرَ مَوضوع.
الصِّيَغ
- قاتِلوا (أَمرٌ من قاتَلَ): الأَمرُ بِالمُقاتَلةِ. في ٢:١٩٠ مُقَيَّدٌ بـ«في سَبيلِ اللهِ» و«الذينَ يُقاتِلونَكُم».
- يُقاتِلونَكُم (مُضارِعٌ متبادَل): هُم يُقاتِلون ونَحنُ مُقاتَلون: التَّبادُلُ قائِم.
- قِتال (مَصدَر): الفِعلُ المُتَبادَلُ في ذاتِه.
الفُروق المَعنويّة
qatl(القَتل): ق-ت-ل: الإنهاءُ الأَحاديُّ، فِعلٌ واحِدٌ لِطَرَفٍ واحِد. القِتالُ مُتَعَدِّدٌ ومُتَبادَل. انظُر القَتل.3adawa(العَداوة): ع-د-و: الشُّعورُ المُتَبادَلُ المُعادي. القِتالُ فِعلٌ، والعَداوةُ حالةٌ.i3tida(الاعتِداء): ع-د-و: تَجاوُزُ الحَدِّ. القِتالُ في «سَبيلِ اللهِ» لَيسَ اعتِداءً، والقِتالُ خارِجَ الحَدِّ اعتِداء.
المَواضع: مَواقِعُ القِتالِ في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٢:١٩٠ ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾: مَوضِعُ الافتِتاح. القِتالُ يَدخُلُ القُرآنَ مُقَيَّداً مِن البَدايةِ بِقَيدَين: (١) «في سَبيلِ الله»، لِلقِتالِ غايةٌ عابِرةٌ لِلذَّاتِ، (٢) «الذينَ يُقاتِلونَكُم»، المُقاتَلةُ ردٌّ على مُبادِئِ القِتال لا مُبادَأةٌ بِه. والنَّهيُ عن الاعتِداءِ صَريحٌ، القِتالُ بِلا حَدٍّ يَتَحَوَّلُ إلى اعتِداء.
- ٢:١٩١ ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ ۚ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾: الفِتنةُ أَشَدُّ من القَتل: تَعطيلُ الوُجودِ الإنسانيِّ الحَرِّ أَشَدُّ ضَرَراً من نَهايةِ حَياةٍ واحِدة. وقيدٌ جديد: «وَلا تُقاتِلوهُم عِندَ المَسجِدِ الحَرام حتّى يُقاتِلوكُم فيه»، المَسجِدُ الحَرامُ مَنطِقةُ تَضَاعُفِ الحَيِّز.
- ٢:١٩٣ ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾: الغايةُ تُرسَمُ: حتّى تَزولَ الفِتنةُ ويَستَقِرَّ الدِّينُ لِله. إذا انتَهوا: «فَلا عُدوانَ إِلّا على الظَّالِمين»، القِتالُ يَتَوَقَّفُ بِتَوَقُّفِ سَبَبِه.
- ٢:١٩٤ ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾: القِتالُ في الشَّهرِ الحَرامِ: الحُرُماتُ تَخضَعُ للمُعادَلةِ ذاتِها. مَن انتَهَكَ حُرمةَ الشَّهرِ الحَرامِ جَعَلَها قابِلةً للمُعادَلة.
- ٢:٢١٦ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ﴾: القِتالُ يَصيرُ فَريضةً مَكتوبة: «كُتِبَ» صيغةُ البِناءِ للمَجهولِ تُفيدُ الإلزامَ الإلهيّ. الجَديدُ: القِتالُ لا يَنتَظِرُ مَيلَ النُّفوس، «كُرهٌ لَكُم» حالٌ مُعتَرَفٌ به. الحُكمُ يَسبِقُ الميلَ ويَتجاوَزُه.
- ٢:٢١٧ ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾: القِتالُ في الشَّهرِ الحَرام: «كَبير» لكنَّ الصَّدَّ والكُفرَ «أَكبَرُ عِندَ الله». ميزانٌ جَديد: القِتالُ الكَبيرُ في مُقابِلِ الصَّدِّ الأَكبَر.
- ٢:٢٤٤ ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾: القِتالُ «في سَبيلِ الله» مَعَ ختمٍ تَحذيريٍّ: «سَميعٌ عَليم»، اللهُ يَسمَعُ النِّيَّةَ ويَعلَمُها. القِتالُ لا يُؤدَّى بِمَعزِلٍ عَن المُراقَبة.
- ٢:٢٤٦ ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا﴾: القِتالُ المَكتوبُ (جَذرُ «كُتِبَ» تَكرارٌ من ٢:٢١٦) يَظهَرُ في قِصَّةِ بَني إسرائيل. المُتَكَلِّمُ نَبيُّهُم يَسبِقُ تَوَقُّعَ التَّراجُع: «هَل عَسَيتُم... أَلّا تُقاتِلوا»، وهذا ما وَقَع فعلاً «تَوَلَّوا إلّا قَليلاً». القِتالُ الفَريضةُ لا تَضمَنُ الامتِثال.
- ٣:١٢١ ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾: الجَديدُ: القِتالُ يُذكَرُ هُنا مُضافاً إليه مَكانٌ لا حُكم: «مَقاعِدَ لِلقِتال». فبَعدَ أن دَخَلَ في البَقَرةِ بِقُيودِه (في سَبيلِ الله، ورَدّاً لا ابتِداءً) يَظهَرُ هُنا في تَدبيرِه: التَّبويءُ تَرتيبُ مَواضِعَ قَبلَ وُقوعِ الفِعل. والمُبَوَّؤونَ «المُؤمِنين»، فالتَّرتيبُ يَقَعُ على مَن ثَبَتَ وَصفُهُم قَبلَ أن يَقَعَ القِتال.
- ٣:١٢٧ ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾: الجَديدُ: تُذكَرُ لِلقِتالِ غايةٌ مُصاغةٌ بِلامِ التَّعليلِ ومُقَسَّمةٌ بِـ«أو» بَينَ قَطعِ طَرَفٍ وكَبتٍ يُخَيِّب، فتَتَبَيَّنُ لَه غايتانِ لا واحِدة، أدناهُما رَدُّ الخائبِ لا إهلاكُه.
- ٣:١٦٧ ﴿وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا﴾: الجَديدُ: القِتالُ يُعرَضُ هُنا مَعَ بَديلٍ أدنى مِنه «أوِ ادفَعوا»، فالمَطلوبُ أحَدُ أمرَينِ لا أمرٌ واحِد. والجَوابُ «لَو نَعلَمُ قِتالاً لاتَّبَعناكُم» يَجعَلُ العُذرَ نَفياً لِلعِلمِ بِالقِتالِ وقد صُرِّحَ بِه في العَرضِ نَفسِه، فالنَّفيُ يَقَعُ على ما وَقَعَ التَّصريحُ بِه. وخِتامُها «يَقولونَ بِأفواهِهِم ما لَيسَ في قُلوبِهِم» يَنقُلُ الخَلَلَ من مَوضِعِ القِتالِ إلى مَوضِعِ القَول. انظُر النِّفاق.
- ٣:١٩٥ ﴿وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾: الجَديدُ: الفِعلُ يَرِدُ مَرَّتَينِ مُتَجاوِرَتَين، مَبنيّاً لِلفاعِلِ ثُمَّ مَبنيّاً لِلمَفعول، فوَزنُ المُفاعَلةِ الذي يُفيدُ التَّبادُلَ يُستَكمَلُ بِوُقوعِ الطَّرَفِ الآخَرِ على القائمِ بِه. وهُما آخِرُ سِلسِلةٍ تَبدَأُ بِالهِجرةِ والإخراجِ والأذى، فالقِتالُ خاتِمةُ تَدَرُّجٍ لا مَدخَلُه.
التَّقاطُعات
qatl: القَتلُ الشَّقيقُ الجَذريُّ للقِتال.sabil: «في سَبيلِ الله» قيدُ القِتالِ الأَساسيّ.i3tida: القِتالُ بِلا حَدٍّ اعتِداء.fitna: القِتالُ مُسَوَّغٌ لِرَفعِ الفِتنة.din: «وَيَكونَ الدِّينُ للهِ» غايةُ القِتال.shahr: الشَّهرُ الحَرامُ يُقَيِّدُ القِتال.
الإشكالات المَفتوحة
- هَل القِتالُ في ٢:١٩٠ دِفاعٌ بَحتٌ أم يَشمَلُ المُبادَأةَ؟ المَوقِف: «الذينَ يُقاتِلونَكُم» تُقَيِّدُ بِالمُبادَأةِ من الطَّرفِ الآخَر. القِتالُ في هذه الآيةِ رَدٌّ لا مُبادَأة.