آل عمران · الآية 75

﴿۞ وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَّا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

۞ وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَّا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ

«وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ ... يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ»: التَّبعيضُ يَفتَحُ مَشهَدَ الأَمانة

تَبدأُ الواوُ بـ«من أهل الكتاب»، ثمّ تأتي «مَن» لِتَفصِلَ فَرداً بحسبِ فِعلِه، فلا يُعطى الاسمُ حُكماً واحداً. والأَمانةُ من أ-م-ن، وهي تَهَيُّؤٌ يَجتَمِعُ في احتِواءٍ داخِليٍّ مُمسِك، ثمّ يَنفُذُ أَثَرُ الأَمنِ من الباطِنِ إلى المَوقِف. والفِعلُ في الآيةِ مُسنَدٌ إلى المُخاطَبِ لا إلى المُؤتَمَن: «إن تَأمَنْه»، فالحَرَكةُ تَبدأُ من صاحِبِ المالِ حينَ يَضَعُ ما في يَدِه في حِفظِ غَيرِه، والباءُ تُسمّي ما وُضِع، وهو القِنطار، فيَدخُلُ المِقدارُ في الاختِبارِ ولا يَبقى خارِجَه. فإن اؤتُمِنَ به هذا الفَردُ «يؤدّه إليك»، والأداءُ من أ-د-ي: دَفعٌ يَبلُغُ تمامَه ثمّ يَمتَدُّ إلى صاحِبِه، فتَرجِعُ الأَمانةُ إلى الجِهةِ التي سَلَّمَتها.

«وَمِنْهُم مَّنْ ... لَّا يُؤَدِّهِ ... إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا»: الفِعلُ المقابِلُ يَحتاجُ مُلازَمة

ثمّ تَعودُ «منهم مَن» فتُثبِتُ داخلَ الاسمِ نَفسِه فَرداً آخَرَ بفِعلٍ مُقابِل، والمقدارُ هذه المرّةَ دينار، ومع ذلك يُنفى الأداءُ إلا مع شَرطٍ: «ما دمت عليه قائماً». والدَّوامُ من د-و-م: حالٌ ثابِتةٌ تَمتَدُّ مُستَرسِلةً ويَطولُ امتِدادُها. والقِيامُ من ق-و-م، وهو عَقدٌ يَلتَئِمُ في العُمقِ ويُمسِكُ ما جَمَعَه من باطِنِه فيَثبُت. وجاءَ «قائماً» حالاً من المُخاطَبِ نَفسِه، فالمَطلوبُ وُقوفٌ يُلازِمُ المَوضِعَ ما بَقِيَ الحَقُّ في يَدِ غَيرِ صاحِبِه، وليس مُطالَبةً تُقالُ مَرّةً وتَمضي، ولذلك قُرِنَ بالدَّوامِ قَبلَه فصارَ الشَّرطانِ شَرطاً واحِداً.

«ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ»: القَولُ مَنقولٌ لا مُقَرَّر

و«ذلك» يَجمعُ الفعلَ الثانيَ وصعوبةَ الأداء، ثمّ تَصله الباءُ بقولٍ منقول: «ليس علينا في الأميين سبيل». والسبيلُ من س-ب-ل: مجرىً دقيقٌ يتصلُ ويتمسّكُ ثمّ يمتدُّ إلى غايته. والجملةُ تَنفي عنهم طريقَ الإلزامِ في شأنِ المذكورين، غيرَ أنّ إسنادَها إلى «قالوا» يَضعُها داخلَ ادعاءٍ سيَكشفُ الختامُ وزنَه، ويَبقى لفظُ «الأميين» جزءاً من حجتهم.

«وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ»: الادِّعاءُ يَنتَقِلُ من العَلاقةِ إلى النِّسبة

والواوُ تَصِلُ القولَ الأوّلَ بفِعلٍ مُضارعٍ يَستَمِرُّ: «يقولون على الله الكذب». والكَذِبُ من ك-ذ-ب، وأصلُه كَتمٌ يُمسِكُ ما في الدّاخِلِ ويُطلِقُ بَدَلَه صورةً حادّةً تُلصَقُ بالمَحلِّ حتى تُحسَبَ منه. وجاءَ مُعَرَّفاً بالألِفِ واللّام، وتَقَدَّمَ عليه «على الله»، فتَقَعُ النِّسبةُ أوّلاً ثمّ يُسمّى جِنسُ القَولِ كَذِباً. وبهذا تَصيرُ خُطورةُ القَولِ في جِهةِ نِسبتِه، ولا تَقِفُ عندَ كونِه تَبريراً بَشريّاً. والآيةُ تُسمّي نِسبةَ هذا الادِّعاءِ إلى الله كَذِباً، فلا تَكتفي برَفضِ نتيجتِه في الأَمانة.

«وَهُمْ يَعْلَمُونَ»: العِلمُ المُعاصِرُ يَشُدُّ المَسؤوليّة

والخِتامُ بجملةِ الحالِ بعدَ الواو: يقولونَ الكذبَ «وهم يعلمون». والعِلمُ من ع-ل-م: خُروجٌ من عُمقٍ يَتَعَلَّقُ بما خَرَجَ إليه، ثمّ يَستَقِرُّ مَضموماً علامةً في مَوضِعِها. وقد جاءَ هنا فِعلاً في جُملةِ حالٍ لا اسماً قائِماً بنَفسِه، فلَزِمَ القَولَ ولم يَنفَصِل عنه. والفعلانِ مضارعانِ، فيَجري القولُ والعلمُ معاً ويَصيرُ الإدراكُ المعاصرُ للفعلِ جزءاً من حُكمه، ويَعودُ هذا الحالُ على الجمعِ الذي نُسبَ إليه القولُ مع بقاءِ التفريقِ الأولِ بينَ الأمينِ وغيره.


حَصيلة

تَرفُضُ الآيةُ أن تَجعَلَ «أهل الكتاب» كُتلةً سُلوكيّةً واحِدة، ففيهم مَن يَرُدُّ القِنطارَ حينَ يُؤتَمَن، وفيهم مَن يَحبِسُ الدِّينارَ حتى يُلازِمَه صاحِبُه قائماً. ثمّ تَكشفُ بِنْيةَ التَّبريرِ المَنسوبِ إلى الفِعلِ الثاني، وهي قولٌ يَنفي السَّبيلَ في شَأنِ الأميين، ثمّ نِسبةٌ إلى الله تُسمّيها الآيةُ كَذِباً. وتأتي حالُ العِلمِ فتَشدُّ المَسؤوليّة، مع بَقاءِ التَّبعيضِ حاكِماً، فالحُكمُ على الفِعلِ والقَول، لا على نَسَبٍ يَشمَلُ الجميع.