البقرة · الآية 285

﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ۚ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ۚ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ

(أ م ن): صيغةُ الفِعلِ المُفرَد «آمَنَ» مُكرَّرة

ووَرَدَ فِعلُ (آمَنَ) مَرَّتَين: مَرَّةً للرَّسول، ومَرَّةً لـ«كُلٍّ» مِن المُؤمِنين، وهذا التَّكرارُ مَقصود، فإيمانُ الرَّسولِ فِعلٌ شَخصيٌّ صَدَرَ عنه كما صَدَرَ عن كُلِّ مُؤمِنٍ مَعَه، وليسَ أمرًا مُسَلَّمًا كأنَّه مُندَمِجٌ في مَنصِبِه. وفي هذا تَسويةٌ عَميقةٌ في ساحةِ القَلب: الرَّسولُ والمُؤمِنون في مَوقِعِ التَّصديقِ سَواء، وإن اختَلَفَت وَظائِفُهم. ويَتبَيَّنُ أنَّ «بِما أُنزِلَ إليه» تَعليقٌ بالمَفعولِ الصَّريحِ للوَحي، لا بالقائِل، فالإيمانُ بالنَّصِّ قَبلَ أن يَكونَ إيمانًا بالمُبَلِّغ.

(ن ز ل)+(ر ب ب): مَصدَرُ الوَحيِ وسِلسِلتُه

وأصلُ جِذرِ (ن ز ل) الانحِدارُ من عُلُوّ، ومِنه المَنزِلُ لبَيتِ النُّزول، والمَنزِلةُ للمَوضِعِ في سُلَّمِ القيمة، فالوَحيُ نُزولٌ من عِندِ مُتَعالٍ إلى مُتَلَقٍّ. وجِذرُ (ر ب ب) يَحمِلُ تَربيةً ومِلكًا ورِعايةً في آنٍ واحد، و«من رَبِّه» تُؤَكِّدُ أنَّ ما نَزَلَ كلامُ المُرَبِّي لِتِلميذِه، والمالِكِ لِمَملوكِه، والمُدَبِّرِ لِمَن يُدَبِّرُ أمرَه، وليسَ قولًا مُحايِدًا.

أركانُ التَّصديق: الله، المَلائِكة، الكُتُب، الرُّسُل

والمؤكَّدُ أنَّ هذه الأركانَ الأربَعةَ تُشَكِّلُ شَبَكةً مُتَرابِطة، فالإيمانُ بالله وَحدَه دونَ تَصديقٍ بوَسائِلِ تَواصُلِه (مَلائِكة، كُتُب، رُسُل) يَجعَلُ الإلهَ مُنعَزِلًا لا يُخاطِب، والإيمانُ بالرُّسُلِ دونَ تَصديقٍ بالكُتُبِ يَجعَلُ الرَّسولَ صَوتًا بلا نَصّ، والإيمانُ بالكُتُبِ دونَ تَصديقٍ بالمَلائِكةِ يَقطَعُ النَّصَّ عن قَناةِ تَنَزُّلِه. فالأركانُ الأربَعةُ تَصِفُ بُنيةَ الوَحيِ كامِلةً: مُرسِلٌ، وقَناةٌ، ونَصٌّ، ومُبَلِّغ.

(ف ر ق)+«بَينَ أحَدٍ مِن رُسُلِه»: نَقدُ التَّفريقِ الطّائِفيّ

وأصلُ جِذرِ (ف ر ق) الفَصلُ بَينَ المُجتَمِعَين، ومِنه الفَريقُ والفِرقة. والمَنفيُّ في الآيةِ التَّفريقُ بَينَ الرُّسُل، أي قَبولُ بَعضِهم ورَفضُ بَعضِهم الآخَر، وفي ذلك نَقدٌ صَريحٌ لمَن قيلَ لهم في الآياتِ السّابِقةِ من السُّورة أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ (الآية 85 والآيات المُتَّصِلة بها). فالجَماعةُ الجَديدةُ تَتَعَرَّفُ على نَفسِها بنَفيِ هذا التَّفريقِ الذي هو جَذرُ كُلِّ طائِفيَّةٍ دينيَّة.

(س م ع)+(ط و ع): الانقِلابُ الكَبير على صيغةِ بَني إسرائيل

وعِبارةُ «سَمِعنا وأطَعنا» تَقِفُ في مَوقِعِ الانقِلابِ التّامِّ على ما جاءَ في الآيةِ 93 من السُّورةِ نَفسِها: «وقالوا سَمِعنا وعَصَينا»، فالسَّماعُ واحِد، والفَرقُ في الاستِجابة. وجِذرُ (س م ع) يَدُلُّ على التَّلَقّي السَّمعيّ، وأصلُ (ط و ع) الانقِياد، وحينَ يَجتَمِعانِ في جُملةٍ واحِدةٍ يَكونُ الإيمانُ بُنيةً من مَرحَلَتَين: تَلَقٍّ ثُمَّ انقِياد، وحينَ يَنفَصِلانِ إلى «سَمِعنا وعَصَينا» تَنكَسِرُ بُنيةُ الإيمانِ نَفسُها.

(غ ف ر)+«غُفرانَكَ»: المَفعولُ المُطلَقُ بصيغةِ الدُّعاء

و«غُفرانَكَ» مَنصوبٌ على المَفعوليَّةِ المُطلَقة، والعامِلُ فيه فِعلٌ مَحذوفٌ تَقديرُه «نَطلُبُ» أو «اغفِر». فالبِنيةُ النَّحويَّةُ ذاتُها تَقتَطِعُ الفِعلَ وتُبقي المَصدَر، وكأنَّ المَطلوبَ صِفةُ الغُفرانِ نَفسُها، زيادةً على عَمَلِيَّةِ الغُفران. والإضافةُ في «غُفرانَكَ» تَجعَلُ الغُفرانَ مَنسوبًا إلى المالِك، وهو غُفرانُه وَحدَه.

(ص ي ر)+«إليكَ المَصير»: خِتامُ الحَركة

وأصلُ جِذرِ (ص ي ر) التَّحَوُّلُ إلى حالٍ جَديد، ومِنه «صارَ الشَّيءُ كَذا» بمَعنى انتَقَلَ من حالٍ إلى حال، فالمَصيرُ حالٌ نَصيرُ إليها، ولا يَكفي في مَعناه مَكانٌ نَصِلُ إليه. وتَقديمُ الجارِّ «إليكَ» على «المَصير» لِلحَصر، فلا مَصيرَ إلّا إليه. وهذا الخِتامُ يُقابِلُ مَطلَعَ الآيةِ السّابِقة «لله ما في السَّماواتِ وما في الأرض»، فكما أنَّ المِلكَ كُلَّه له، كذلك المَصيرُ كُلُّه إليه.

بِنيةُ الآيةِ جَماعيَّة

وتَبدَأُ الآيةُ بالفِعلِ المُفرَد «آمَنَ الرَّسول»، ثُمَّ تَنتَقِلُ إلى الجَمع «وقالوا سَمِعنا وأطَعنا»، ثُمَّ إلى المُتَكَلِّمِ المَجموعِ في الدُّعاء «ربَّنا». فالحَركةُ من المُفرَدِ إلى الجَمعِ بَيانٌ لطَبيعةِ الإيمان، ولا تَقِفُ عِندَ التَّنَوُّعِ الأسلوبِيّ: يَبدَأُ الإيمانُ من قَلبِ الرَّسولِ ثُمَّ يَنتَشِرُ في القُلوبِ المُؤمِنة، فيُصبِحُ كُلُّ واحِدٍ جُزءًا من جَماعةٍ تَتَوَجَّهُ بصَوتٍ واحِدٍ إلى رَبِّها.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة، فدَورُ «التَّصديقِ الجامِعِ بكُلِّ الرُّسُل» يَسبِقُ دَورَ «الانتِماءِ الطّائِفيِّ إلى رَسولٍ دونَ آخَر»، ودَورُ «سَمِعنا وأطَعنا» يَسبِقُ دَورَ «العَهدِ المَكتوبِ أو الهُوِيَّةِ الدِّينِيَّة».


حَصيلة

تَأتي الآيةُ جَواباً على آيةِ المُحاسَبةِ الشّاملةِ قَبلَها (284): لا نَملِكُ أن نُدافِعَ عن أنفُسِنا بأَعمالِنا، غَيرَ أنّا نَملِكُ أن نُصَدِّق، ونَسمَعَ ونُطيع، ونَطلُبَ الغُفران، ونُقِرَّ بأنّ المَصيرَ إليه. وفي صِياغَتِها تَسويةٌ عَميقةٌ في ساحةِ القَلب: «آمَنَ الرَّسولُ بما أُنزِلَ إليه مِن رَبِّه والمُؤمِنون»، فالفِعلُ يَتَكَرَّرُ للرَّسولِ ولـ«كلٍّ» من المُؤمِنين، وإيمانُ الرَّسولِ فِعلٌ شَخصيٌّ كفِعلِ كلِّ مُؤمنٍ مَعه، وليس مُسَلَّماً مُدمَجاً في مَنصِبِه. ثُمّ تَنزِلُ أَركانُ التَّصديقِ الأَربعةُ في شَبكةٍ مُتَرابِطة: الله، والمَلائكة، والكُتُب، والرُّسُل، والإيمانُ بالله دونَ قَنواتِ تَواصُلِه يَجعَلُ الإلٰهَ مُنعَزِلاً، والإيمانُ بالرُّسُلِ دونَ الكُتُبِ يَجعَلُ الرَّسولَ صَوتاً بلا نَصّ. ثُمّ يَنزِلُ النَّفي: «لا نُفَرِّقُ بَينَ أَحَدٍ من رُسُلِه». والتَّفريقُ (ف-ر-ق) فَصلُ المُجتَمِعَين، وفي نَفيِه نَقدٌ صَريحٌ لِما قالَه أَهلُ الكِتابِ في صَدرِ السورة: «نُؤمِنُ ببَعضٍ ونَكفُرُ ببَعض»، والجَماعةُ الجَديدةُ تَتَعَرَّفُ على نَفسِها بنَفيِ هذا التَّفريقِ الذي هو جَذرُ كلِّ طائفيّةٍ دينيّة. ثُمّ تَأتي عِبارةُ الانقِلابِ الكُبرى «سَمِعنا وأَطَعنا»، وهي على ضِدِّ ما جاءَ في السورةِ نَفسِها (93): قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾، والسَّماعُ واحدٌ، والفَرقُ في الاستِجابة، والإيمانُ بِنيَةٌ من مَرحَلَتَين: تَلَقٍّ ثُمّ انقياد، وانفصالُهما كَسرٌ للبِنية. ثُمّ المَفعولُ المُطلَقُ في «غُفرانَكَ رَبَّنا»، والبِنيةُ النَّحويّةُ فيه تَقتَطِعُ الفِعلَ وتُبقي المَصدَر، فالمَطلوبُ صِفةُ الغُفرانِ نَفسُها. ثُمّ الخاتِمةُ «وإليكَ المَصير»، والمَصيرُ (ص-ي-ر) حالٌ نَصيرُ إليها، وليس مَكاناً نَصِلُ إليه، وتَقديمُ «إليكَ» حَصرٌ يُقابِلُ صَدرَ 284: كما أنّ المِلكَ كلَّه له، كذلك المَصيرُ كلُّه إليه. والآيةُ تَنتَقِلُ من مُفرَدٍ (الرَّسول) إلى جَمعٍ (قالوا) إلى صَوتِ الجَماعةِ في الدُّعاء (رَبَّناوالإيمانُ فيها يَبدَأُ من قَلبِ الرَّسولِ ثُمّ يَنتَشِرُ بصَوتٍ واحد.