البقرة · الآية 126

﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ الْجَحِيمِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ الْجَحِيمِ

(ج ع ل) + (ب ل د): الأمنُ وَظيفةٌ مَخصوصةٌ للمكان

دعاءُ إبراهيم رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا ليس طَلَبَ إيجاد، بل طَلَبَ تَحويل. فالمكانُ موجودٌ أصلاً، والبلدُ قائمٌ من جذر (ب ل د) = مكانٌ يَظهَرُ ويَحتَبِس فيه أهلُه فيَستَقِرُّون. لكنّ إبراهيمَ طَلَبَ أن تُخَصَّصَ له وظيفةٌ جديدة: «الأمن» صفةً جوهريّةً تَسكُنُ البلد. «جَعَلَ» هنا تحويلُ موضعٍ من وَضعيّةٍ إلى وَضعيّة، لا خلقٌ من عَدَم. والأمنُ في الدعاءِ ليس نتيجةً عَرَضيّةً لِحُسنِ إدارة، بل غايةٌ مُبدِئيّة: البلدُ يُجعَلُ للأمن قَبلَ أن يُعمَرَ بالسُّكنى. فهذا ترتيبٌ في الدعاءِ يَكشِفُ ترتيباً في الوظائف.

تقديمُ الأمنِ على الرزق: بِنيةُ الاستقرارِ في القرآن

بَدَأَ إبراهيمُ بالأمنِ ثمّ ثَنّى بالرزق. هذا الترتيبُ مَقصودٌ لا مُصادفة: الناسُ تَصبِرُ على قِلّةِ الرزقِ ولا تَصبِرُ على قِلّةِ الأمن، فمن ضاعَ أمنُه ضاعَ بَيتُه حتى لو امتَلأَ مالاً. والقرآنُ يُوافِقُ هذا الترتيبَ في أماكنَ عِدّة: الأمنُ مَدخَلٌ لِكُلِّ عُمران، والرزقُ جَريَانٌ يَستَقيمُ فوقَ أرضٍ آمنة. ولهذا كانت أوّلُ رسالةِ إبراهيمَ الخَليلِ في مكانِ البيتِ طَلَبَ أمنِ المكان، لا طَلَبَ خَيراتِه، لأنّ الخيراتِ لا تَثبُتُ إلّا على أمنٍ سابق.

وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ: الرزقُ الطيّبُ بيئةٌ للإيمان

جاءَ الرزقُ في الدعاءِ مُقَيَّداً بالثمرات: «من الثمرات» تبعيضٌ وتخصيصٌ في نَوعيّةِ المَطلوب. والثَمَرةُ نتاجٌ مُسترسلٌ من الأرضِ بعدَ كَدحِ الزارع، فهي رزقٌ مرتبطٌ بالعملِ لا بالسقوطِ من السماء. ثمّ قَيَّدَ إبراهيمُ ذلك أكثرَ بقوله مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ: طَلَبَ أن تكونَ بيئةُ الأهلِ بيئةَ إيمان، لأنّ الرزقَ الطيّبَ على المؤمنِ يُعينُه على الثبات. فالدعاءُ يَربِطُ الرزقَ بالإيمانِ العَمَليِّ لا بالانتِسابِ الشَكليِّ، ويَجعَلُ من البيتِ بيئةً تَرعى فيها الثمارُ المؤمنين.

قَيَّدَ إبراهيمُ ووَسَّعَ الله: حدودُ دعاءِ النبيِّ أمامَ سَعةِ الرحمة

قال إبراهيمُ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ فاختَصَرَ الدعاءَ على المؤمنين. فجاءَ الردُّ الإلهيُّ يُوَسِّعُه: وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا. هذه بنيةٌ لاهوتيّةٌ دقيقة: النبيُّ حتى في ذُروةِ مَقامِه يَدعو بما يَراه صواباً، واللهُ يُوَسِّعُ المنطوقَ بما يَراه أشملَ وأعدَل. فالرزقُ لا يُحتَكَرُ بالانتماء، والأمنُ لا يُفَصَّلُ على مقاسِ طائفة، بل هو نِظامٌ كونيٌّ يَشمَلُ المؤمنَ والكافرَ معاً في الدنيا. ودلّت الآيةُ على حدودِ الطَلَبِ البَشَريِّ حتى من الأنبياء، وعلى أنّ الرحمةَ الإلهيّةَ أوسَعُ من ضِيقِ الدعاء. فسَقفُ الدعاءِ تَحتَ سَقفِ الرحمة.

فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ: الجزاءُ يَبدَأُ في الدنيا ويَستَكمِلُ بعدها

رَدُّ الله فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ يَكشِفُ عن نِظامٍ كونيٍّ مُتَدَرِّج: الدنيا لها حِصّتُها من الجزاء، والآخرةُ تَستَكمِلُ ما لم يَحِن وقتُه. فالمَتاعُ الدنيويُّ «قليلٌ» لا لأنّه قليلُ الكمِّ بل لأنّه قليلُ الامتداد: يَنقَضي. و«أَضْطَرُّهُ» ليست سَلبَ إرادةٍ يومَ القيامةِ تَحمِلُه الملائكةُ إلى النار، بل هي سِياقُ المَصيرِ الذي يَنعَقِدُ في الدنيا: يَتَوَرَّطُ الإنسانُ في طريقٍ يَظُنُّه خيراً فيَجِدُ نفسَه مُساقاً إلى ما ليس في حُسبانه. فالاضطرارُ مُركَّبٌ من اختياراتٍ دُنيويّةٍ تَراكَمَت، لا مُسَلَّطٌ من فوق. الحسابُ يَبدَأُ حيثُ يَظُنُّ الغافلُ أنّ الأمانَ حاصِل.

غايةُ الأنبياءِ الأولى: الأمنُ والسِّلمُ كبِنيةِ التوحيد

الأنبياءُ قَبلَ آلافِ السنينَ لم يَكونوا يُقَسِّمونَ علمَ العقيدةِ في أبوابٍ كما تَبَلوَرَ لاحقاً، ولم تَكُن مَهَمَّتُهم الأولى تَفصيلَ العقيدة. كانت مَهَمَّتُهم إخراجَ الناسِ من الهَمَجيّةِ إلى الإنسانيّةِ والاستقرار، وتَأسيسَ بيئةٍ سِلميّةٍ تَتَعايَشُ فيها الأممُ على مبادئَ مشتركة. ولذلك ارتَبَطَ التوحيدُ في الدعوةِ الإبراهيميّةِ بالأمنِ والسِّلمِ ارتباطاً بُنيَوِيّاً: «لا إله إلا الله» كانت تَكفي مَدخَلاً، وما يَليها كان التَأسيسَ لوطنٍ آمنٍ يَعيشُ فيه المختلفون. فالدعاءُ في الآيةِ تَجسيدٌ لهذه البِنية: أمنٌ أوّلاً، ثمّ رزقٌ، ثمّ سَعةُ الرحمةِ تَغمُرُ المؤمنَ وغيرَه.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: «البلدُ الآمنُ» في الآيةِ بِنيةٌ وَظيفيّةٌ يُجعَلُ لها المكانُ قبلَ أن تَنبُتَ فيه الثمار، والرزقُ سَعةٌ لا تَحتَكِرُها طائفة. فالأمنُ وَظيفةٌ قبلَ أن يكونَ صِفة، والرحمةُ أوسعُ من سَقفِ الدعاءِ النَبَويّ.


حَصيلة

ابتَدَأَ إبراهيمُ دُعاءَه بالأمنِ قَبلَ الرِّزق، وهذا ترتيبٌ مَقصودٌ: الأمنُ من أ-م-ن اشتِمالٌ يَنفُذُ إلى باطِنِ ساكِنِ المَكان، ومَن ضاعَ أمنُه ضاعَ بَيتُه وإن امتَلَأَ مالاً. والبَلَدُ من ب-ل-د أرضٌ يَستَقِرُّ فيها أهلُها، فَطَلَبُ الجَعلِ لا يُنشِئُها من عَدَمٍ بَل يَمنَحُها وَظيفَةَ الأمنِ التي تُؤَهِّلُها لِمَكانَةِ البَيت. ثُمَّ جاءَ الرِّزقُ بالثَّمَراتِ من ث-م-ر: نَتاجٌ يَتَراكَمُ بَعدَ الغَرسِ والكَدح، لا عَطاءٌ يَسقُطُ من السَّماء. وقَيَّدَ إبراهيمُ الدُّعاءَ بِالمُؤمِنين قائِلاً مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، فَرَدَّ اللهُ بِما يَتَجاوَزُ الطَّلَب: وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾. الكَفرُ من ك-ف-ر تَغطِيَةٌ مُستَمِرَّةٌ تَحجُبُ النُّور، لكِنَّ الرِّزقَ الكَونيَّ لا يَنقَطِعُ بالانتِماءِ الطّائِفيّ. وهُنا يَظهَرُ الأدَبُ البَليغ: النَّبيُّ في ذُروَةِ مَقامِه يَدعو بِما يَراه صَواباً، والرَّحمَةُ الإلهيَّةُ أوسَعُ من سَقفِ الطَّلَب. ثُمَّ يُكمِلُ الجوابُ: ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ الْجَحِيمِ﴾ والاضطِرارُ ليسَ جَبراً مُفاجِئاً بَل مَصيرٌ يَنعَقِدُ من تَراكُمِ اختِياراتٍ دُنيوِيَّةٍ حَتّى يَجِدَ المَرءُ نَفسَه مَسوقاً دونَ أن يَرى كَيف. الأمنُ وَظيفَةٌ قَبلَ أن يَكونَ صِفَة، والرَّحمَةُ تُجيبُ بِسَعَةٍ على كُلِّ دُعاءٍ ضيِّق.