البقرة · الآية 125

﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ۖ وَعَهِدْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

(ج ع ل): قدسيّةُ البيتِ مَنحيّةٌ لا ذاتيّة

«الجعلُ» في القرآنِ يُفارِقُ «الخلقَ»: الخلقُ إيجادٌ من عدم، والجعلُ تحويلُ موجودٍ وتخصيصُه لوظيفةٍ جديدة. فحجارةُ البيتِ لم تُولَد مُقدَّسةً بذاتِها، ولم تَختَلِف في تركيبتِها الفيزيائيّةِ عن غيرِها من الحجارة، ولكنّ الله جَعَلَ البيتَ مَثابةً وأمناً بِفِعلٍ إلهيٍّ تَحويليٍّ مُباشِر. فالقدسيّةُ مَحَلُّها الجَعل، وليست في الحجر، ومَحَلُّ البركةِ تكليفُ الموقعِ بوظيفة، دون المَوقعِ نفسِه. ومِن هنا ربطُ الآيةِ ببناءِ إبراهيم: نحنُ نُعظِّمُ ما عَظَّمَه الله، لا ما تَراكَمَت عليه الحضاراتُ من هالاتٍ قُدسيّة، والحاكِمُ هو الجَعلُ لا الحَجَر.

(ث و ب): «مَثَابَة» مَركزُ العودةِ القُطبيّ

و«مَثَابَة» من جذر (ث و ب)، وأصلُ «ثابَ يَثوبُ» الرجوعُ إلى حالٍ بعدَ تَرْك، فالمَثابةُ مَوضِعُ عودةٍ يَعودُ إليه الإنسانُ فيَجِدُه كما تَرَكَه. والبيتُ بهذا الوصفِ نقطةٌ قُطبيّةٌ ثابتة، يَثوبُ إليها الناسُ أينما اتَّجهوا شرقاً أو غرباً فيَجِدونَها مَرجِعاً لا يَتَبدَّل. والحجُّ استمرارٌ لهذه الوظيفةِ لا استنفادٌ لها، فالزيارةُ لا تَنقَطِع، والعودةُ مُتَجَدِّدة، والمَثابةُ مَركزُ جَذبٍ يَحمِلُ الأمّةَ إلى نفسِها كلّما تَفَرَّقَت بها الطُّرُق، وليست مَزاراً مَرّةً في العمر. وتعريفُ «البيتِ» هنا في مقابلِ تنكيرِه في إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ يُشيرُ إلى أنّ البيتَ المقصودَ مُحدَّدٌ في ذهنِ السامِعِ بالفعل، وهو المَرجِعُ المُعَرَّفُ بالجَعلِ الإلهيّ لا بالإنشاءِ الحضاريّ.

(أ م ن): «أَمْناً» ثَمَرةُ الاستسلامِ لا انعدامُ الخَطَر

و«أمناً» من جذر (أ م ن) الذي منه الإيمانُ والأمانة، والنواةُ (أم) تأكيدُ التَجَمُّع، ثمّ (ن) نفاذٌ باطنيّ. فالأمنُ الذي جُعِلَ للبيتِ تَأكيدُ الطُمأنينةِ الداخليّةِ في داخلِ مَن يَقصِدُه، زيادةً على غيابِ الخَوفِ الخارجيّ. ولذلك قُرِنَ «أمناً» بـ«مَثابةً» في سياقٍ واحد: المَثابةُ للروحِ العائدة، والأمنُ للنفسِ المُطمَئِنّة. ومَن وَصَلَ إلى البيتِ حامِلاً التسليمَ الكلِّيَّ لله وَجَدَ الأمنَ يَنبُعُ من داخِلِه، لأنّ الأمنَ في هذا السياقِ ثَمرةُ الاستسلامِ لا حِمايةٌ خارجيّةٌ تُفرَض، فمَن أعطى أمانَه لله في البيتِ أعطاه الله أمانَه.

«وَاتَّخِذوا»: الفِعلُ الذي يَجعَلُ المَكانَ في حَوزَتِك

و«اتَّخَذَ» غَيرُ «أَخَذَ» وَحدَه، فالأَخذُ قَبض، والاتِّخاذُ سَحبُ الشَّيءِ إلى دائِرَةِ المُتَّخِذِ ثُمَّ تَعليقُه فيها بِوَظيفَة. فمَن أَخَذَ الحَجَرَ بَقِيَ حَجَراً في يَدِه، ومَنِ اتَّخَذَه وِسادَةً دَخَلَ الحَجَرُ في عَلاقَةٍ مَعَه لا يَخرُجُ مِنها إلّا أَن يَفُكَّها هُوَ.

ولِذلِكَ جاءَتِ الآيَةُ بِـ«مِن» التَّبعيضِيَّةِ: وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾، أي يُسحَبُ مِنَ المَوضِعِ خَيطٌ إلى الحاضِرِ فيَصيرُ في عُهدَةِ المُصَلِّي، ولا يُؤخَذُ المَوضِعُ كَما هُوَ. وأَثَرُ القَدَمِ كانَ هُناكَ مَتروكاً، وبِالاتِّخاذِ يَدخُلُ في يَدِ القائِم.

والفِعلُ نَفسُه يَتَرَدَّدُ في السّورةِ في وَجهٍ مُقابِل: اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ﴾ ووَلَقَدْ جَاءَكُم مُّوسَىٰ بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ﴾، وهي الحَرَكَةُ نَفسُها، جَذبٌ يُعَلِّقُ القَومَ بِمَأخوذ، لكنَّ المَأخوذَ هُنا عِجلٌ مَصنوع، وهُناكَ مَوضِعُ عَبدٍ قائِم. والفِعلُ مِرآة: ما يَتَّخِذُه المَرءُ يَتَّخِذُه، ويَقومُ بِما اتَّخَذَه قِبلَةً، حَجَراً كانَ أَو ذَهَباً.

والفَرقُ بَينَ المَوضِعَينِ واحِد، وهُوَ كُلُّ شَيء، ومَدارُه على ما يَسحَبُه المَرءُ إلى دائِرَتِه.

«مَقامِ إبراهيم»: المَوضِعُ الذي يَتَذَكَّرُ مَن قامَ فيه

والمَقامُ مَوضِع، غَيرَ أنَّه مَوضِعٌ يَحمِلُ في طِينَتِه ذِكرى قِيامٍ أَمسَكَ صاحِبَه على أَمرٍ واحِدٍ فَلَم يَنفَرِط. والمَكانُ بِلا قَيِّمٍ تُرابٌ مَبسوط، والمَقامُ تُرابٌ شَهِدَ ثَباتاً، فَبَقِيَ فيه ضَوءُ ذلك الثَّبات.

وهنا تَنفَتِحُ دَلالَتُه على وَجهَين يَجريان مَعاً: وَجهٌ حِسِّيّ، وهو نُقطَةُ أَرضٍ مَوسومَةٌ بِأَثَرِ قَدَم، ووَجهٌ باطِنيّ، وهو مَنزِلَةٌ في القَلبِ يَستَوي عِندَها العَبد. والقَدَمُ والقَلبُ في الكَلِمَةِ نَفسِها، لأنّ القائِمَ بِجَسَدِه يَقومُ بِباطِنِه، فيَترُكُ على الحَصى عَلامَةَ ما كانَ في صَدرِه.

والجِذرُ نَفسُه يَفتَحُ بَوّابَةً ثانِيَة، في وَإِذِ اسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ﴾ ووَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ﴾: هُناكَ القِيامُ يَتَوَزَّعُ على أَجسادٍ يُمسِكُها أَمرٌ واحِدٌ تَحتَ راعٍ، وهُنا في المَقامِ يَتَكَثَّفُ في فَردٍ واحِدٍ ثُمَّ يَتَخَلَّفُ في مَوضِعٍ بَعدَه. والقِيامُ هُناكَ يَتَّجِهُ من الرّاعي إلى الجَماعَة، وهُنا يَتَّجِهُ من الجَسَدِ إلى الأَرض، والقَومُ ناسٌ يَقومون، أمّا المَقامُ فمَكانٌ يَتَذَكَّرُ القائِم.

ولِذلِكَ صَلَحَ أَن يَكونَ مُصَلَّى، لأنَّ كُلَّ مَن يَأتي بَعدَ إبراهيمَ يَجِدُ المَكانَ يَنتَظِرُه بِهَيئَةِ صَلاةٍ سابِقَة، ويَقِفُ في مَوضِعِ قَدَمٍ خَلَت، فَيَستَأنِفُ القِيامَ من حَيثُ تُرِك.

والمَقامُ ما يَبقَى مِنَ القِيامِ بَعدَ أَن يَنصَرِفَ القائِم، والأَثَرُ يَستَمِرُّ في الوَقفَةِ بَعدَ أَن تَنتَهيَ الوَقفَة.

مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى: الأَثَرُ المكانيُّ للعَهد

و«المقامُ» موضعُ القيامِ وأثرُه، و«المُصلَّى» موضعُ الصِلةِ بالله، فقولُه وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى يُحوِّلُ الأثرَ الشخصيَّ لعبدٍ أَتَمَّ الكلماتِ إلى نقطةِ اتّصالٍ دائمةٍ بعده. وفي القراءةِ بالأمر «وَاتَّخِذوا» وفي القراءةِ بالماضي «وَاتَّخَذوا» يَتَكامَلُ المعنيان: الأمرُ الإلهيُّ والامتثالُ البَشَريُّ في آن. والأصلُ في التَدَبُّرِ أنّ القراءاتِ يُفسِّرُ بعضُها بعضاً ولا تَتَناقَض، مِصداقاً لقولِه وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا. فالمُصَلَّى في الآيةِ أثرُ عبادةٍ دائمٍ يَبقى بعد العابد، لا مَزارٌ شخصيٌّ لصاحبِه.

(ط ه ر): عَهدُ التطهيرِ شَرطُ استمرارِ الوظيفة

وقولُه وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ يَضَعُ التطهيرَ شَرطاً لبقاءِ البيتِ على وظيفتِه. و«طَهَّرَ» من (ط ه ر): إزاحةُ ما يَعوقُ ظُهورَ الحقيقة، فتَطهيرُ البيتِ إزاحةُ ما يُعَطِّلُه عن أداءِ وَظيفتِه في استقبالِ العائدين. وإسماعيلُ في الآيةِ شريكٌ كاملٌ في العَهد، غيرُ تابعٍ صامت، والفعلُ مُوجَّهٌ إلى الاثنينِ بصيغةِ المُثنَّى طَهِّرَا. وهذا أصلٌ في قراءةِ البيت: الحفاظُ عليه مَسؤوليّةٌ تُتَوارَث، والوظيفةُ لا تَسقُطُ بموتِ المُؤَسِّس، والتَدنيسُ يَنزِعُ الوظيفةَ حتى لو بَقِيَ البِناء.

(ط و ف): «طافَ» قدومٌ ودخولٌ قبلَ أن يكونَ دَوَراناً

و«طافَ يَطوفُ» يَحمِلُ في أصلِه اللُغويِّ معنى القدومِ والزيارةِ والوصولِ إلى الشيءِ بَعدَ قَصد، ولا يَقتَصِرُ على الدَّوران. وشواهدُ القرآنِ تُبَيِّنُ ذلك: طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ دخولٌ وخروجٌ دون تَحَرُّج، ويَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ ذهابٌ وعودة، ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ وصولٌ إلى كلِّ فردٍ بعَينه، وفَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مَجيءٌ لا دَوَران. ومنه «الطَّوْف» و«الطوفان» و«الطائِف». أمّا الدوران حولَ البيتِ فشكلٌ خاصٌّ من أشكالِ الطوافِ لا يُعَيِّنُه هذا النَّصّ، وليس هو المعنى اللُغويَّ الأصليَّ للفعل، فالطائفُ في الآيةِ يَشمَلُ كلَّ قاصِدٍ للبيتِ من خارجِ مكانِه، والدوران تفصيلٌ في أداءٍ مخصوص.

الطائفون والعاكفون والرُّكَّعُ السجود: ثلاثُ وَظائفَ مُتَعايشة

والواوُ في لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ تُفيدُ التغايرَ لا التَكرار، فالطائفُ هو القادمُ الزائرُ من خارج، والعاكفُ هو المُقيمُ المُلازِمُ للبيت، والرُّكَّعُ السجودُ وَصفٌ ثالثٌ لفئةٍ تُمارِسُ صِلةً جسديّةً ذاتَ وَضعيّةٍ مُعيَّنة، وهي ثلاثُ وَظائفَ تَتَعايَشُ في الفضاءِ الواحد، لا طَريقةٌ واحدةٌ للتديُّنِ تُفرَضُ على الجميع. والبيتُ جُعِلَ «لِلنَّاسِ» لا لطائفةٍ بعينها، فهو يَستَوعِبُ التَنَوُّعَ في صِيَغِ الحضور: مَن يَعبُرُ ومَن يُقيمُ ومَن يَركَع. وهذا التَنَوُّعُ بِنيةٌ في النصِّ لا تَفصيلٌ سَرديّ، والبيتُ مَفتوحٌ على وَظائفَ مُتَعَدِّدة، وأيُّ تَضييقٍ على صِنفٍ منها يُخالِفُ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: «البيتُ» في الآيةِ مَثابةُ عَودةٍ وأمنُ تَسليمٍ وعَهدُ تطهير، تَتَعايَشُ فيه ثلاثُ وَظائفَ مَفتوحةٍ على «الناس» لا على الطائفة، وليس عَلَمَ ملكيّةٍ لجماعة. فالوظيفةُ تَسبِقُ المِلكيّة، والتطهيرُ شَرطُ البقاءِ على الوظيفة.


حَصيلة

تَبني الآيَةُ البَيتَ على ج-ع-ل لا على خ-ل-ق: الحِجارَةُ لَم تُولَد مُقَدَّسَةً، والقَداسَةُ في الجَعلِ الإلهيِّ التَّحويليّ لا في المادَّة. و«المَثابَة» من ث-و-ب نُقطَةٌ قُطبيَّةٌ يَثوبُ إليها الإنسانُ فَيَجِدُها كَما تَرَكَها، وهي مَركَزُ جَذبٍ يَرُدُّ الأمَّةَ إلى نَفسِها كُلَّما تَفَرَّقَت. و«الأمن» من أ-م-ن طُمَأنينَةٌ تَنبُعُ مِن داخِلِ مَن يُسَلِّمُ نَفسَه عِندَ العَتَبَة، وليسَ غِيابَ الخَطَرِ الخارِجيّ. ثُمَّ جاءَ الأمرُ: وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾، وهُوَ اتِّخاذٌ لا أَخذٌ مُجَرَّد، أي سَحبُ خَيطٍ من أَثَرِ قَدَمٍ سابِقَةٍ إلى الحاضِر، فَيَقِفُ القائِمُ اليَومَ في مَوضِعِ قائِمٍ خَلا فَيَستَأنِفُ قِيامَه، والمَقامُ ما يَبقى من القِيامِ بَعدَ أن يَنصَرِفَ القائِم. وخُتِمَتِ الآيَةُ بِعَهدِ التَّطهير: طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾ بِصيغَةِ المُثَنَّى، فَإبراهيمُ وإسماعيلُ كِلاهُما شَريكانِ في العَهدِ لا أحَدُهُما تابِعٌ للآخَر، والتَّطهيرُ شَرطُ بَقاءِ الوَظيفَة. وثَلاثُ فِئاتٍ تَتَعايَشُ في فَضاءِ البَيت: الطّائِفونَ قادِمونَ مِن خارِج، والعاكِفونَ مُقيمونَ في الدّاخِل، والرُّكَّعُ السُّجودُ يُمارِسونَ وَضعيَّةَ صِلَةٍ جَسَديَّة. والبَيتُ جُعِلَ لِلنّاسِ لا لِطائِفَة، فأيُّ تَضييقٍ على صِنفٍ مِنَ الحاضِرينَ يُخالِفُ الجَعلَ الافتِتاحيَّ.