المَثابة
المَثابةُ من ث-و-ب، والجَذرُ تَفَشٍّ يَمتَدُّ، ثُمَّ يَتَّصِلُ بِالشَّيءِ فيَتَمَسَّكُ بِه. والمَثابةُ المَوضِعُ الذي يَتَّصِلُ بِه النّاسُ على تَفَشّيهِم فيَتَمَسَّكونَ بِه: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
ثلاثةُ حُروف، والجَذرُ أجوَف:
- ث: كَثافةٌ تَتَفَشّى. ويَظهَرُ مِنه هُنا آخِرُه: ما تَكاثَفَ يَتَفَشّى دَقائِقَ مُنتَثِرة، وهو تَفَشٍّ. وهذا وَجهُ «التَّفَشّي والانتِثارِ الدَّقيق».
- و: اشتِمالٌ يَصِل. ويَظهَرُ مِنه هُنا وَسَطُه: وَصلٌ مَمدودٌ يَمُدُّ ما قَبلَه، وهو مَدّ. وهذا وَجهُ «الوَصلِ المَمدودِ والرَّبط».
- ب: تَجَمُّعٌ رِخوٌ يَلتَصِق. ويَظهَرُ مِنه هُنا أوَّلُه: ما تَجَمَّعَ يَلتَصِقُ بِغَيرِه فيَتَّصِلُ بِه ويَتَمَسَّك، وهو اتِّصالٌ وتَمَسُّك. وهذا وَجهُ «الاتِّصالِ والتَّمَسُّك».
ث (التفشّي والانتثارُ الدقيق) + ب (الاتصالُ والتمسُّك): النواةُ ثب = تَفَشٍّ يَتَّصِلُ بِالشَّيءِ فيَتَمَسَّكُ بِه. وامتدادُ الواوِ بَينَهُما يُطيلُ هذا التَّفَشّيَ قَبلَ أن يَتَّصِل. فالجذرُ ث-و-ب حرفيّاً تَفَشٍّ يَمتَدُّ، ثُمَّ يَتَّصِلُ بِالشَّيءِ فيَتَمَسَّكُ بِه.
النَّواةُ ثب (ث + ب) = تَفَشٍّ يَتَّصِلُ بِالشَّيءِ فيَتَمَسَّكُ بِه. وتَمُدُّ الواوُ بَينَ الحَرفَينِ هذا التَّفَشّيَ قَبلَ أن يَتَّصِل، ولا تَقومُ عَلَيها النَّواة. فالجَذرُ ث-و-ب حرفيّاً: تَفَشٍّ يَمتَدُّ، ثُمَّ يَتَّصِلُ بِالشَّيءِ فيَتَمَسَّكُ بِه.
وبِكَلامٍ واضِح: شَيءٌ يَنتَشِرُ ويَطولُ انتِشارُه، ثُمَّ يَلصَقُ بِشَيءٍ ويَبقى عَلَيه. والآياتُ تُسَمّي ما يَلصَقُ بِه: صاحِبَ العَمَلِ في الثَّواب، والبَيتَ في المَثابة، والجِسمَ في الثِّياب. وتَجمَعُ آيةٌ واحِدةٌ الثِّيابَ والثَّواب: ﴿وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِّن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ ۚ نِعْمَ الثَّوَابُ﴾ (١٨:٣١)، فالثِّيابُ تَتَمَسَّكُ بِأجسامِهِم، وهي من الثَّوابِ الذي يَتَمَسَّكُ بِهِم. وتُسَمّي الآياتُ في الثَّوابِ ما كانَ من صاحِبِه: ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا﴾ (٥:٨٥)، و﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (٨٣:٣٦). وتَقرِنُه بِالمَرَدِّ والعُقب: ﴿خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَّرَدًّا﴾ (١٩:٧٦)، و﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا﴾ (١٨:٤٤). فما في الثَّوابِ من مَعنى الرُّجوعِ إلى صاحِبِه تُسَمّيه هذه الآيات، والحُروفُ تُعطي الاتِّصالَ والتَّمَسُّك.
اختِبارُ المَعنى على مَواضِعِ الجَذرِ كُلِّها. يَرِدُ الجَذرُ في القُرآنِ في ثَمانيةٍ وعِشرينَ مَوضِعاً (٢٨) في ثَلاثٍ وعِشرينَ آية، على سِتِّ صِيَغ. اثنا عَشَرَ مِنها في ثَماني آياتٍ مَنشورة، مُسَجَّلةٌ كُلُّها في القِسمِ الرّابِعِ من الثَّواب والمَثابة. وهذه صِيَغُه كُلُّها، لِكُلِّ صيغةٍ عَدَدُها وشاهِد:
- ثَواب (١٣): ﴿وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ (٣:١٤٥): ما يَتَّصِلُ بِمُريدِه من الدُّنيا، و«مِنْهَا» تُسَمّي ما يَتَفَشّى مِنه. ويُضافُ إلى الآخِرةِ (٣:١٤٥، ٣:١٤٨، ٤:١٣٤) وإلى الله: ﴿ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ (٢٨:٨٠)، فتُسَمّي الآيةُ مَن يَتَّصِلُ بِه. ويَأتي ﴿ثَوَابًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ﴾ (٣:١٩٥). و﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا﴾ (١٩:٧٦)، ومِثلُها ١٨:٤٦: ما يَبقى من الصّالِحاتِ يَتَّصِلُ ثَوابُه بِصاحِبِه عِندَ رَبِّه. و﴿نِعْمَ الثَّوَابُ﴾ (١٨:٣١) بَعدَ ما يَلبَسونَ ويُحَلَّون، و١٨:٤٤ (آنِفاً).
- مَثوبة (٢): ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللَّهِ ۚ مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ (٥:٦٠): ما يَتَّصِلُ بِهِم هُنا لَعنةٌ وغَضَب. فالجَذرُ يُسَمّي الاتِّصال، والآيةُ تُسَمّي ما يَتَّصِل: شَرّاً هُنا، وخَيراً في ﴿لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ (٢:١٠٣).
- أَثابَ (٣): ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ (٥:٨٥): فاعِلٌ يُلصِقُ بِهِم ما يَتَمَسَّكُ بِهِم، والباءُ تُسَمّي ما كانَ مِنهُم. و﴿وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ (٤٨:١٨). و﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَىٰ أَحَدٍ﴾ ثُمَّ ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ (٣:١٥٣): هُم مُصعِدونَ لا يَلوونَ على أحَد، وما يَتَّصِلُ بِهِم غَمّ.
- ثُوِّبَ (١): ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (٨٣:٣٦): المُلصَقُ بِهِم هو ما كانوا يَفعَلونَه، والفاعِلُ لا يُسَمّى.
- مَثابة (١): ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ (٢:١٢٥): مَوضِعٌ يَتَّصِلُ بِه النّاسُ فيَتَمَسَّكونَ بِه، وتُسَمّي الآيةُ مَن يَتَمَسَّكُ بِه: ﴿لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾.
- ثِياب (٨): ﴿أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ﴾ (١١:٥)، ومِثلُها ٧١:٧: الثَّوبُ يَنتَشِرُ على صاحِبِه فيَغشاه ويَتَمَسَّكُ بِه. و﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ﴾ (٧٦:٢١): الثِّيابُ فَوقَ أجسامِهِم. و﴿قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ﴾ (٢٢:١٩): نارٌ تُقطَعُ لَهُم فتَتَمَسَّكُ بِهِم. و﴿وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ﴾ (٢٤:٥٨): يُفَكُّ هذا الاتِّصالُ في وَقتٍ تُسَمّيه الآية. وفي ٢٤:٦٠ يُفَكُّ لِمَن تُسَمّيهِنَّ الآية: «وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ». و﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ (٧٤:٤)، و١٨:٣١ (آنِفاً).
ما أُخرِجَ من العَدّ: ﴿لَا تَثْرِيبَ﴾ (١٢:٩٢) من ث-ر-ب، و«ثابِت» و«الثّابِت» (١٤:٢٤، ١٤:٢٧) من ث-ب-ت، و«ثاقِب» و«الثّاقِب» (٣٧:١٠، ٨٦:٣) من ث-ق-ب، و«كَثيباً» (٧٣:١٤) من ك-ث-ب. و«ثَيِّبات» (٦٦:٥) تُعَدُّ في ث-ي-ب، وهو تَوأمُ هذا الجَذر (القِسمُ السّادِس).
من خارِجِ التَّركيب:
- من المُعجَم: ثابَ يَثوبُ رَجَعَ بَعدَ ذَهاب، وثابَ الماءُ في البِئرِ اجتَمَعَ بَعدَ أن نُزِح، وثابَ النّاسُ اجتَمَعوا، والثَّوبُ ما يُلبَس، والمَثابةُ المَوضِعُ يُثابُ إلَيه.
- عِندَ جَبَل في النَّواةِ ثب: «التجمع والتماسك». ولا قِراءةَ لَه لِلجَذرِ ث-و-ب. والصَّفحةُ تَتبَعُه في التَّماسُك، وهو الباء، وتَتبَعُ الفِقرةَ المَنقولةَ في الثّاء.
وما تَزيدُه المَثابة: هي المَوضِعُ الذي يَتَّصِلُ بِه ما تَفَشّى فيَتَمَسَّكُ بِه. والآيةُ تَجعَلُه البَيت، وتَجعَلُ المُتَّصِلينَ بِه النّاس، ثُمَّ تُسَمّي مِنهُم مَن يَتَمَسَّكُ بِه (القِسمُ الرّابِع).
الصِّيَغ
- مَثابةً (مَفعَلة، اسمُ مَوضِع): المَوضِعُ الذي يَتَّصِلُ بِه ما تَفَشّى فيَتَمَسَّكُ بِه (٢:١٢٥)، وهي صيغَتُه الوَحيدةُ في القُرآن.
- ثَواب، مَثوبة، أَثابَ، ثِياب (من الجَذرِ نَفسِه): ما يَتَّصِلُ بِصاحِبِ العَمَلِ فيَتَمَسَّكُ بِه (انظُر الثَّواب)، وما يَتَمَسَّكُ بِالجِسم (القِسمُ الأوَّل).
الجَذرُ قَبلَ الوَزن: تَفَشٍّ يَمتَدُّ، ثُمَّ يَتَّصِلُ بِالشَّيءِ فيَتَمَسَّكُ بِه. الوَزنُ يُحَدِّدُ هُنا مَوضِعَ الاتِّصال.
الفُروق المَعنويّة
thawab(الثَّواب، ث-و-ب): الجَذرُ نَفسُه. المَثابةُ المَوضِعُ الذي يَتَّصِلُ بِه النّاس، والثَّوابُ ما يَتَّصِلُ بِصاحِبِ العَمَل: ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (٨٣:٣٦). انظُر الثَّواب.amn(الأمن، أ-م-ن): جُملَتُه «ضَمٌّ تامُّ الانطِباقِ يَحوي ما في جَوفِه». والبَيتُ في ٢:١٢٥ الاثنانِ مَعاً: مَوضِعٌ يَتَّصِلُ بِه النّاسُ فيَتَمَسَّكون، وضَمٌّ مُطبَقٌ يَحوي مَن فيه. انظُر الأَمن.3awd(العَود، ع-و-د): المَعادُ عِندَه ﴿لَرَادُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ﴾ (٢٨:٨٥) «مَوضِعُ الالتِحام»: يَلتَحِمُ فيه آخِرُ الشَّيءِ بِأوَّلِه. والمَثابةُ مَوضِعٌ يَتَّصِلُ بِه ما تَفَشّى، وحُروفُها لا تُسَمّي أوَّلاً يَرجِعُ إلَيه. انظُر العَود.tawaf(الطَّواف، ط-و-ف): جُملَتُه «تَغطِيةٌ عَريضةٌ تَجري على الشَّيءِ مُتَّصِلةً وتَمتَدّ». وفي ٢:١٢٥ الطّائِفونَ أوَّلُ مَن تُسَمّيهِمُ الآيةُ مِمَّن يَتَمَسَّكُ بِالبَيت، ثُمَّ العاكِفونَ والرُّكَّعُ السُّجود. انظُر الطَّواف / الطّائفة.
المَواضع: مَواقِعُ المَثابةِ في القُرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٢:١٢٥ ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾: المَثابةُ اسمُ مَوضِع: البَيتُ يَتَّصِلُ بِه النّاسُ على تَفَشّيهِم فيَتَمَسَّكونَ بِه، و«لِلنَّاسِ» تَجعَلُه لَهُم جَميعاً. ويُعطَفُ عَلَيها ﴿وَأَمْنًا﴾، فمَن تَمَسَّكَ بِه في ضَمٍّ مُطبَقٍ يَحويه. ثُمَّ تُسَمّي الآيةُ مَن يَتَمَسَّكُ بِه، ويُعهَدُ بِتَطهيرِه لَهُم: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾. انظُر البَيت والأَمن والطَّواف / الطّائفة.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
bayt: في ٢:١٢٥ البَيتُ هو المَثابة.amn: المَثابةُ والأَمنُ وَصفانِ مُزدَوَجانِ لِلبَيت.thawab: الجَذرُ ذاتُه: المَثابةُ مَوضِعُ الاتِّصال، والثَّوابُ ما يَتَّصِل.tawaf: الطّائِفونَ في الآيةِ نَفسِها.
الإشكالات المَفتوحة
- تَفَشّي النّاسِ في ٢:١٢٥: الآيةُ تُسَمّي النّاسَ ولا تَصِفُ تَفَشّيَهُم، فالثّاءُ هُنا أخفى مِنها في الثِّيابِ (١١:٥) وفي ٨٣:٣٦ و٣:١٥٣. والاتِّصالُ والتَّمَسُّكُ ظاهِرانِ في مَن تُسَمّيهِمُ الآية.
- لَحظةُ الثّاء، وثَيِّبات (٦٦:٥): انظُر الثَّواب في القِسمِ السّادِس.
- السُّؤالُ القَديمُ «مَرجِعاً أم جائِزة؟» أُغلِق: الجَذرُ يُسَمّي الاتِّصال، والمَثابةُ مَوضِعُه، والثَّوابُ ما يَتَّصِل.