البُروز
خُروجٌ إلى المَكشوفِ حَتّى يَنفُذَ الخارِجُ ظاهِراً لا سِترَ دونَه. المُصحَفُ المَنشورُ لا يَكتُبُ الجَذرَ إلّا فِعلاً ماضِياً في مَشهَدِ لِقاءٍ لا مَفَرَّ مِنه.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
- ب: الاتِّصالُ والتَّمَسُّك، ثُمَّ الاحتِباسُ والضَّغط، ثُمَّ
الانفِتاحُ والخُروج. شِحنَتُه: مَحبوسٌ يَنفَتِحُ عنهُ بِالخُروج.
- ر: الجَريانُ المُستَرسِل، واللَّمسةُ الماسِكة، وخِفّةُ اللَّمسة.
شِحنَتُه: جَريانٌ مُستَرسِلٌ يَمتَدُّ ولا يَحتَبِس.
- ز: التَّضاغُطُ والاكتِنازُ في المَضيق، ثُمَّ الجَريانُ النافِذُ
الحادّ، ثُمَّ الاهتِزازُ الخَفيفُ المَجهور. شِحنَتُه: مُكتَنِزٌ يَنفُذُ حادّاً لا يَقِفُ دونَ غايَتِه.
النَّواةُ بر (ب + ر) = خُروجٌ يَمتَدُّ في مُتَّسَع: ما كانَ مَحبوساً فانفَتَحَ عنهُ فجَرى في فَضاءٍ لا يَحبِسُه. ومنه البَرُّ ما اتَّسَعَ وانكَشَفَ من الأرض، والبَراحُ الفَضاءُ لا بِناءَ فيه. والإغلاقُ بـز يَشُدُّ هذا الخُروجَ ويُنفِذُهُ حادّاً، فلا يَبقى خُروجاً إلى سَعةٍ فَحَسبُ بَل يَصيرُ نُفوذاً إلى مَوضِعٍ لا سِترَ فيه.
ومنه في كَلامِ العَرَب: بَرَزَ الرَّجُلُ إذا خَرَجَ إلى البَراز وهو الفَضاءُ الواسِعُ لا يُواريهِ فيهِ شَيء، والمُبارَزةُ خُروجُ القِرنِ إلى قِرنِهِ بِلا حائِلٍ بَينَهُما، والبارِزُ الناتِئُ الظاهِرُ الذي لا يُغَطّى.
الشِّحنةُ الجامِعة: خُروجٌ من سِترٍ إلى مَكشوفٍ حَتّى يَصيرَ الخارِجُ ظاهِراً لا حِجابَ دونَه.
وهذا يَضبِطُ قِراءةَ الكَلِمةِ في المُصحَف: البُروزُ لَيسَ مُجَرَّدَ خُروجٍ من مَكان، فإنَّ الخُروجَ يَكونُ إلى سِترٍ آخَر. البُروزُ خُروجٌ يَنتَهي إلى انكِشافٍ تامّ، ولِذلكَ لَزِمَهُ في المَنشورِ ذِكرُ الطَّرَفِ الذي بَرَزوا لَهُ أو المَوضِعِ الذي بَرَزوا إليه: لا يُترَكُ البارِزُ بِلا مُواجَهة.
الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن
- بَرَزُوا (ماضٍ مُسنَدٌ إلى واوِ الجَماعة)، ٢:٢٥٠: الجَمعُ يَخرُجُ
خُروجاً واحِداً، والفِعلُ يَتَعَدّى بِاللّامِ إلى المُواجَه.
- لَبَرَزَ (ماضٍ مُفرَدٌ في جَوابِ «لَو»)، ٣:١٥٤: الفِعلُ مُعَلَّقٌ على
شَرطٍ مُمتَنِع، ويَتَعَدّى بِـ«إلى» إلى المَوضِعِ لا إلى المُواجِه.
لا يَرِدُ لِلجَذرِ في المَنشورِ مُضارِعٌ ولا اسمُ فاعِلٍ ولا مَبنِيٌّ لِلمَجهول: البُروزُ يُخبَرُ عَنهُ واقِعاً أو مُقَدَّراً، ولا يُنتَظَرُ ولا يُوصَفُ بِهِ صاحِبُه.
الجَذرُ قبلَ الوَزن: الخُروجُ إلى المَكشوف، من الحُروف. والماضي بَعدَ
ذلكَ يُثبِتُهُ واقِعاً في الأولى ومُمتَنِعاً في الثانية.
الفُروق المَعنويّة
لا فَرعَ لِلجَذرِ في المَنشور، ولا يَرِدُ فيهِ البارِزُ ولا البارِزة. والفَرقُ الذي يَحمِلُهُ المَوضِعانِ فَرقُ مُتَعَلَّقٍ لا فَرقُ صيغة: اللّامُ في الأوَّلِ تُعَيِّنُ مَن يُواجَه، و«إلى» في الثاني تُعَيِّنُ المُنتَهى الذي يُبلَغ.
المَواضع: مَواقعُ البُروزِ في المُصحَف (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٢:٢٥٠ ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾: مَوضِعُ الافتِتاح. الخُروجُ هُنا خُروجُ جَماعةٍ قَلَّت
بَعدَ الابتِلاءِ بِالنَّهَر، واللّامُ في «لِجَالُوتَ» تُواجِهُهُم بِمَن خَرَجوا إليه. ومَوضِعُ الجَذرِ من الآيةِ دَقيق: ما إن وَقَعَ البُروزُ حَتّى وَقَعَ الدُّعاء، فالانكِشافُ التامُّ لا يَحتَمِلُ سِتراً بَشَرِيّاً فيُطلَبُ سِترٌ آخَر. والمَسؤولُ ثَلاثةٌ في نَسَقٍ واحِد: صَبرٌ يُفرَغُ، وأقدامٌ تُثَبَّت، ونَصرٌ على القَوم، وهي حاجاتُ مَن لا حِجابَ دونَه.
- ٣:١٥٤ ﴿قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ﴾: الجَديدُ: البُروزُ يَنقَلِبُ من فِعلٍ يَختارُهُ صاحِبُهُ
إلى فِعلٍ يَقَعُ بِهِ وإن لَزِمَ بَيتَه. الشَّرطُ «لَوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ» يَفتَرِضُ أقصى السِّترِ ثُمَّ يُبطِلُه، فالجَوابُ يُخرِجُ المَكتوبَ عليهِ القَتلُ من بَيتِهِ إلى مَضجَعِه. والجَديدُ الثاني تَبديلُ المُتَعَلَّق: لم يَبرُزوا لِعَدُوٍّ بَل إلى مَوضِع، فالمُواجَهةُ لَيسَت مَعَ خَصمٍ بَل مَعَ ما كُتِب. وتَختِمُ الآيةُ بِـ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾، فالبُروزُ الظاهِرُ يُقابِلُهُ في السَّطرِ نَفسِهِ ابتِلاءٌ لِما في الصُّدور: ما يَنكَشِفُ من الأبدانِ في السّاحةِ نَظيرُهُ ما يَنكَشِفُ من القُلوبِ بِالابتِلاء.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
jalut: ٢:٢٥٠ تُعَيِّنُ المُواجَهَ بِاسمِه، فالبُروزُ في هذا
المَوضِعِ لا يَقَعُ إلّا مُضافاً إلى مَن يُبرَزُ لَه.
qital: البُروزُ هو الخُطوةُ التي يَبدَأُ بِها القِتالُ في الآيةِ
نَفسِها، فالجَذرُ يَقَعُ على الحَدِّ بَينَ الاستِعدادِ والمُلاقاة.
sabrوthabat: الدُّعاءُ الذي يَتلو البُروزَ يَجمَعُهُما،
فالانكِشافُ يَستَدعي احتِمالاً في النَّفسِ وتَثبيتاً في القَدَم.
nasr: خِتامُ الدُّعاءِ نَفسِه، فالبُروزُ يُنتَظَرُ لَهُ عَونٌ من
خارِجِ الصَّفّ.
qatlوajal: ٣:١٥٤ تَجعَلُ البارِزينَ هُمُ الذينَ كُتِبَ
عليهِمُ القَتل، فالخُروجُ إلى المَكشوفِ يَجري على مِيقاتٍ مَكتوبٍ لا على اختِيارٍ حاضِر.
ibtilaوsadr: خِتامُ ٣:١٥٤ يَنقُلُ الانكِشافَ من السّاحةِ
إلى الصُّدور، فيَصيرُ الابتِلاءُ بُروزاً باطِناً بِإزاءِ البُروزِ الظاهِر.
الإشكالات المَفتوحة
- هل البُروزُ خُروجٌ إلى مَكانٍ أم انكِشافٌ لِعَين؟ المَوضِعانِ
يَختَلِفانِ في المُتَعَلَّق: اللّامُ تُعَيِّنُ مُواجِهاً و«إلى» تُعَيِّنُ مُنتَهىً. والحُروفُ تُعطي الخُروجَ إلى مَكشوفٍ ولا تُعَيِّنُ أيَّ المُتَعَلَّقَينِ أصل. مَوقِفُنا: الانكِشافُ هو الأصل، والمُواجِهُ والمَوضِعُ وَجهانِ لِما يَقَعُ فيهِ الانكِشاف.
- لِمَ خَلا المَنشورُ من صيغةِ البارِزِ والمُبَرَّز؟ كِلا مَوضِعَيهِ
فِعلٌ ماضٍ لا وَصف. والسُّؤالُ قائِمٌ: أهذا خُلُوُّ السُّوَرِ المَنشورةِ وَحدَها، أم أنَّ الجَذرَ يَأبى أن يُجعَلَ صِفةً لازِمةً لِأنَّ الانكِشافَ حالُ مَوقِفٍ لا حالُ ذات.