البُروز
خُروجٌ إلى المَكشوفِ حَتّى يَنفُذَ الخارِجُ ظاهِراً لا سِترَ دونَه. المُصحَفُ المَنشورُ لا يَكتُبُ الجَذرَ إلّا فِعلاً ماضِياً، وأكثَرُه في مَشهَدِ لِقاءٍ لا مَفَرَّ مِنه.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
- ب: الاتِّصالُ والتَّمَسُّك، ثُمَّ الاحتِباسُ والضَّغط، ثُمَّ
الانفِتاحُ والخُروج. شِحنَتُه: مَحبوسٌ يَنفَتِحُ عنهُ بِالخُروج.
- ر: الجَريانُ المُستَرسِل، واللَّمسةُ الماسِكة، وخِفّةُ اللَّمسة.
شِحنَتُه: جَريانٌ مُستَرسِلٌ يَمتَدُّ ولا يَحتَبِس.
- ز: التَّضاغُطُ والاكتِنازُ في المَضيق، ثُمَّ الجَريانُ النافِذُ
الحادّ، ثُمَّ الاهتِزازُ الخَفيفُ المَجهور. شِحنَتُه: مُكتَنِزٌ يَنفُذُ حادّاً لا يَقِفُ دونَ غايَتِه.
النَّواةُ بر (ب + ر) = خُروجٌ يَمتَدُّ في مُتَّسَع: ما كانَ مَحبوساً فانفَتَحَ عنهُ فجَرى في فَضاءٍ لا يَحبِسُه. ومنه البَرُّ ما اتَّسَعَ وانكَشَفَ من الأرض، والبَراحُ الفَضاءُ لا بِناءَ فيه. والإغلاقُ بـز يَشُدُّ هذا الخُروجَ ويُنفِذُهُ حادّاً، فلا يَبقى خُروجاً إلى سَعةٍ فَحَسبُ بَل يَصيرُ نُفوذاً إلى مَوضِعٍ لا سِترَ فيه.
ومنه في كَلامِ العَرَب: بَرَزَ الرَّجُلُ إذا خَرَجَ إلى البَراز وهو الفَضاءُ الواسِعُ لا يُواريهِ فيهِ شَيء، والمُبارَزةُ خُروجُ القِرنِ إلى قِرنِهِ بِلا حائِلٍ بَينَهُما، والبارِزُ الناتِئُ الظاهِرُ الذي لا يُغَطّى.
الشِّحنةُ الجامِعة: خُروجٌ من سِترٍ إلى مَكشوفٍ حَتّى يَصيرَ الخارِجُ ظاهِراً لا حِجابَ دونَه.
وهذا يَضبِطُ قِراءةَ الكَلِمةِ في المُصحَف: البُروزُ لَيسَ مُجَرَّدَ خُروجٍ من مَكان، فإنَّ الخُروجَ يَكونُ إلى سِترٍ آخَر. البُروزُ خُروجٌ يَنتَهي إلى انكِشافٍ تامّ، ولِذلكَ لَزِمَهُ في المَنشورِ ذِكرُ الطَّرَفِ الذي بَرَزوا لَهُ أو المَوضِعِ الذي بَرَزوا إليه أو الحَضرةِ التي بَرَزوا منها (٤:٨١): لا يُترَكُ البُروزُ بِلا مُتَعَلَّق.
الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن
- بَرَزُوا (ماضٍ مُسنَدٌ إلى واوِ الجَماعة)، ٢:٢٥٠: الجَمعُ يَخرُجُ
خُروجاً واحِداً، والفِعلُ يَتَعَدّى بِاللّامِ إلى المُواجَه، ويَتَعَدّى في ٤:٨١ بِـ«مِن» إلى الحَضرةِ التي يُخرَجُ منها.
- لَبَرَزَ (ماضٍ مُفرَدٌ في جَوابِ «لَو»)، ٣:١٥٤: الفِعلُ مُعَلَّقٌ على
شَرطٍ مُمتَنِع، ويَتَعَدّى بِـ«إلى» إلى المَوضِعِ لا إلى المُواجِه.
لا يَرِدُ لِلجَذرِ في المَنشورِ مُضارِعٌ ولا اسمُ فاعِل، ولا يُبنى لِلمَجهولِ إلّا في ٧٩:٣٦ على فَعَّل: البُروزُ يُخبَرُ عَنهُ واقِعاً أو مُقَدَّراً، ولا يُنتَظَرُ ولا يُوصَفُ بِهِ صاحِبُه.
الجَذرُ قبلَ الوَزن: الخُروجُ إلى المَكشوف، من الحُروف. والماضي بَعدَ
ذلكَ يُثبِتُهُ واقِعاً في الأولى ومُمتَنِعاً في الثانية.
الفُروق المَعنويّة
لا فَرعَ لِلجَذرِ في المَنشور، ولا يَرِدُ فيهِ البارِزُ ولا البارِزة. والفَرقُ الذي تَحمِلُهُ المَواضِعُ الأربَعةُ في المَنشورِ فَرقُ مُتَعَلَّق: اللّامُ في ٢:٢٥٠ و٧٩:٣٦ تُعَيِّنُ مَن يُواجَه، و«إلى» في ٣:١٥٤ تُعَيِّنُ المُنتَهى الذي يُبلَغ، و«مِن» في ٤:٨١ تُعَيِّنُ الحَضرةَ التي يُخرَجُ منها.
المَواضع: مَواقعُ البُروزِ في المُصحَف (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٢:٢٥٠ ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾: مَوضِعُ الافتِتاح. الخُروجُ هُنا خُروجُ جَماعةٍ قَلَّت
بَعدَ الابتِلاءِ بِالنَّهَر، واللّامُ في «لِجَالُوتَ» تُواجِهُهُم بِمَن خَرَجوا إليه. ومَوضِعُ الجَذرِ من الآيةِ دَقيق: ما إن وَقَعَ البُروزُ حَتّى وَقَعَ الدُّعاء، فالانكِشافُ التامُّ لا يَحتَمِلُ سِتراً بَشَرِيّاً فيُطلَبُ سِترٌ آخَر. والمَسؤولُ ثَلاثةٌ في نَسَقٍ واحِد: صَبرٌ يُفرَغُ، وأقدامٌ تُثَبَّت، ونَصرٌ على القَوم، وهي حاجاتُ مَن لا حِجابَ دونَه.
- ٣:١٥٤ ﴿قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ﴾: الجَديدُ: البُروزُ يَنقَلِبُ من فِعلٍ يَختارُهُ صاحِبُهُ
إلى فِعلٍ يَقَعُ بِهِ وإن لَزِمَ بَيتَه. الشَّرطُ «لَوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ» يَفتَرِضُ أقصى السِّترِ ثُمَّ يُبطِلُه، فالجَوابُ يُخرِجُ المَكتوبَ عليهِ القَتلُ من بَيتِهِ إلى مَضجَعِه. والجَديدُ الثاني تَبديلُ المُتَعَلَّق: لم يَبرُزوا لِعَدُوٍّ بَل إلى مَوضِع، فالمُواجَهةُ لَيسَت مَعَ خَصمٍ بَل مَعَ ما كُتِب. وتَختِمُ الآيةُ بِـ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾، فالبُروزُ الظاهِرُ يُقابِلُهُ في السَّطرِ نَفسِهِ ابتِلاءٌ لِما في الصُّدور: ما يَنكَشِفُ من الأبدانِ في السّاحةِ نَظيرُهُ ما يَنكَشِفُ من القُلوبِ بِالابتِلاء.
- ٤:٨١ ﴿فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾: الفِعلُ ماضٍ في شَرطٍ بِـ«إذا»، يَتَعَدّى بِـ«مِن» إلى «عِندِكَ»، ويُجابُ بِتَبييتِ طائفةٍ مِنهُم أمراً غَيرَ ما يُقال. الجَديدُ: يَقَعُ البُروزُ خُروجاً من حُضورِ المُخاطَبِ لا خُروجاً إلى عَدُوٍّ (٢:٢٥٠) ولا إلى مَضجَعٍ مَكتوبٍ (٣:١٥٤)، ويُفضي الخُروجُ إلى المَكشوفِ إلى نَقيضِه: أمرٌ يُبرَمُ في سِترِ اللَّيل. فالقَومُ يَقولونَ «طَاعَةٌ» في الحُضور، ويَخرُجونَ فيُخفونَ غَيرَه، والجَذرُ الذي يَقرَأُ الانكِشافَ يَصيرُ هُنا بابَ الاستِتار. وما يُبَيَّتُ مَكتوبٌ عِندَ الله، فالسِّترُ الذي طُلِبَ بَعدَ البُروزِ لا يَستُر. انظُر النِّفاق.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
jalut: ٢:٢٥٠ تُعَيِّنُ المُواجَهَ بِاسمِه، فالبُروزُ في هذا
المَوضِعِ لا يَقَعُ إلّا مُضافاً إلى مَن يُبرَزُ لَه.
qital: البُروزُ هو الخُطوةُ التي يَبدَأُ بِها القِتالُ في الآيةِ
نَفسِها، فالجَذرُ يَقَعُ على الحَدِّ بَينَ الاستِعدادِ والمُلاقاة.
sabrوthabat: الدُّعاءُ الذي يَتلو البُروزَ يَجمَعُهُما،
فالانكِشافُ يَستَدعي احتِمالاً في النَّفسِ وتَثبيتاً في القَدَم.
nasr: خِتامُ الدُّعاءِ نَفسِه، فالبُروزُ يُنتَظَرُ لَهُ عَونٌ من
خارِجِ الصَّفّ.
qatlوajal: ٣:١٥٤ تَجعَلُ البارِزينَ هُمُ الذينَ كُتِبَ
عليهِمُ القَتل، فالخُروجُ إلى المَكشوفِ يَجري على مِيقاتٍ مَكتوبٍ لا على اختِيارٍ حاضِر.
ibtilaوsadr: خِتامُ ٣:١٥٤ يَنقُلُ الانكِشافَ من السّاحةِ
إلى الصُّدور، فيَصيرُ الابتِلاءُ بُروزاً باطِناً بِإزاءِ البُروزِ الظاهِر.
الإشكالات المَفتوحة
- هل البُروزُ خُروجٌ إلى مَكانٍ أم انكِشافٌ لِعَين؟ المَواضِعُ
تَختَلِفُ في المُتَعَلَّق: اللّامُ تُعَيِّنُ مُواجِهاً و«إلى» تُعَيِّنُ مُنتَهىً و«مِن» تُعَيِّنُ مَبدَأً (٤:٨١). والحُروفُ تُعطي الخُروجَ إلى مَكشوفٍ ولا تُعَيِّنُ أيَّ المُتَعَلَّقاتِ أصل. مَوقِفُنا: الانكِشافُ هو الأصل، والمُواجِهُ والمَوضِعُ وَجهانِ لِما يَقَعُ فيهِ الانكِشاف. ويَقَعُ في ٤:٨١ خُروجٌ يَتلوه استِتار، فيَبقى فيه الخُروجُ وَحدَه.
- لِمَ خَلا المَنشورُ من صيغةِ البارِزِ والمُبَرَّز؟ مَواضِعُه الأربَعةُ
كُلُّها فِعلٌ ماضٍ لا وَصف. والسُّؤالُ قائِمٌ: أهذا خُلُوُّ السُّوَرِ المَنشورةِ وَحدَها، أم أنَّ الجَذرَ يَأبى أن يُجعَلَ صِفةً لازِمةً لِأنَّ الانكِشافَ حالُ مَوقِفٍ لا حالُ ذات.