آل عمران · الآية 154

﴿ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَىٰ طَائِفَةً مِّنكُمْ ۖ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ ۖ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الْأَمْرِ مِن شَيْءٍ ۗ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ۗ يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبْدُونَ لَكَ ۖ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا ۗ قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ ۖ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَىٰ طَائِفَةً مِّنكُمْ ۖ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ ۖ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الْأَمْرِ مِن شَيْءٍ ۗ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ۗ يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبْدُونَ لَكَ ۖ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا ۗ قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ ۖ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ

«ثُمَّ أَنزَلَ ... أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَىٰ طَائِفَةً مِّنكُمْ»: السَّكينةُ تَصلُ إلى بعضِ الجماعة

تُرتِّبُ «ثمّ» بعدَ الغمِّ إنزالاً عليهم. الإنزالُ من ن-ز-ل احتواءٌ يَتضاغطُ ثمّ يَمتَدُّ إلى مَحلّ، ومفعولُه «أمنة» من أ-م-ن، ثقةٌ داخلةٌ في مأمن. ويأتي «نعاساً» بياناً لها، ثمّ يَصفُه المضارعُ «يغشى»: الغشيُ من غ-ش-ي غَورٌ يَنتشرُ ويَمتَدُّ غطاءً. المفعولُ «طائفة» وجاءت «منكم» تبعيضيّةً؛ فأمَنةُ النعاسِ غشيت بعضَ الجماعةِ وحدَّدتهم الآيةُ بطائفةٍ منهم.

«وَطَائِفَةٌ ... يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ»: الفئةُ الثانيةُ تُعرَفُ بهمِّها وظنِّها

تَعطِفُ الواوُ طائفةً أخرى لم تدخُلْها «منكم». «قد أهمّتهم أنفسهم» يُثبِتُ أنّ الهمَّ شَغَلَهم بأنفسِهم. ثمّ يَصفُهم المضارعُ «يظنّون». الظنُّ من ظ-ن-ن حَجبٌ غاشٍ يَدخُلُ احتواءً جوفيّاً ويُكثِّفُه تَكرارُ النون، فيَحمِلُ تقديراً غيرَ مكشوف. تعلّقَ الظنُّ بالله ووُصِفَ بأنّه غيرُ الحق، ثمّ سُمّي «ظنّ الجاهلية»؛ فالاسمُ يَصفُ الظنَّ نفسَه ويَكشفُ نوعَه.

«هَل لَّنَا مِنَ الْأَمْرِ مِن شَيْءٍ ... إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ»: الأَمرُ يَخرُجُ من الدَّعوى إلى الله

يَنقلُ المضارعُ قولَهم: هل لنا من الأمرِ من شيء. تَكرارُ «من» في السؤالِ يُدخِلُ أقلَّ جزءٍ ممكنٍ من الأمر. ثمّ يأتي الأمرُ «قل» بجوابٍ مؤكَّد: إنّ الأمرَ كلَّه لله. تَقديمُ «كلّه» توكيدٌ للاستغراق، واللّامُ تَربِطُ الأمرَ بالله. البناءُ يَضعُ سؤالَ أقلِّ جزءٍ من الأمرِ في جهة، ويَضعُ استغراقَ الأمرِ كلِّه لله في الجوابِ المقابل.

«يُخْفُونَ ... مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ ... لَوْ كَانَ لَنَا ... مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا»: الداخلُ يُكشَفُ بالقول

يُسنِدُ «يخفون» إليهم فعلاً من خ-ف-ي: اختراقٌ يَفتَحُ شَقّاً ثمّ يَمتَدُّ في خفاء، ومَحلُّه أنفسُهم. الموصولُ هو ما لا يُبدونَ للمخاطَبِ المفرد. ثمّ يَنقلُ قولَهم الشرطيّ: لو كانَ لنا من الأمرِ شيءٌ ما قُتلنا هاهنا. «هاهنا» تُثبِتُ موضعَهم الحاضر، و«قُتلنا» مبنيٌّ للمجهول. ما كانَ مخفيّاً في الأنفسِ يَبرُزُ إذن في قولٍ يَربطُ امتلاكَ الأمرِ بالقتلِ في ذلك الموضع.

«لَوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ ... وَلِيَبْتَلِيَ ... وَلِيُمَحِّصَ ... وَاللَّهُ عَلِيمٌ»: الجوابُ يَردُّ الفعلَ إلى الثَّبتِ والكشف

يأتي «قل» ثانيةً: لو كنتم في بيوتِكم لبرزَ الذين كُتبَ عليهم القتلُ إلى مضاجعِهم. البروزُ من ب-ر-ز اتصالٌ يَجري نافذاً ثمّ يَخرجُ من مَضيق، فيَحمِلُ ظهورَ المكتوبِ عليهم إلى موضعِ الاضطجاع. وتَعطفُ لامانِ الابتلاءَ لِما في الصدورِ والتمحيصَ لِما في القلوب؛ التفعيلُ في «يمحّص» شحنةٌ مستدامةٌ متكرّرة. الصدرُ من ص-د-ر إطباقٌ يَدفَعُ ثمّ يَجري، حَيِّزٌ يَضمُّ الداخل. والخاتمةُ «عليم بذات الصدور» تَجعلُ مكنونَها تحتَ علمٍ دائم.


حَصيلة

تُقسِّمُ الآيةُ الجماعةَ إلى طائفتين: طائفةٌ غشيَها نعاسُ الأمنة، وطائفةٌ شغلتْها أنفسُها وظنّت غيرَ الحق. يَردُّ الجوابُ أمرَهم إلى الله كلِّه، ويَكشفُ قولُهم ما أخفَوه عن المخاطَب. ثمّ يَكسِرُ جوابُ «لو» ظنَّ الحمايةِ بالبيوت، إذ يَبرُزُ المكتوبُ عليهم القتلُ إلى مضاجعِهم. وتَصلُ اللامانِ المسارَ بابتلاءِ ما في الصدورِ وتمحيصِ ما في القلوب، قبلَ ختمِه بعلمِ الله بذاتِ الصدور.