القُدرة
وَضعُ كلِّ شَيءٍ في مِقدارِه المُستَحَقّ: طَاقةٌ مَوزونةٌ تَمتَدُّ في مِقدارِها بِدِقَّة. ليسَ البَطشَ العَشوائيَّ بل إقامةَ كلِّ شَيءٍ في مَقدورِه الأَحَقِّ به.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
ثلاثةُ حُروف:
- ق: حَرفٌ خَلفيٌّ يَنشأُ في أَقصى الحَنَك. شِحنَتُه: قَطعٌ
وإحكام، قُوَّةٌ حاسِمةٌ صادِرة.
- د: حَرفٌ أَسنانيٌّ مَجهور. شِحنَتُه: ضَبطٌ وثَبات، دَفعٌ
مَحبوسٌ مُمتَدّ.
- ر: اهتِزازُ اللِّسانِ في الغار. شِحنَتُه: استِرسالٌ مُمتَدّ
في اتِّجاهٍ مُحَدَّد.
النَّواةُ قد (ق + د) = قُوَّةٌ مُضبوطةٌ مَحبوسة، طَاقةٌ مُحكَمةٌ مَوزونة. الإكمالُ بـر يُفَعِّلُ هذه الطَّاقةَ المَوزونةَ في مَسارِها، فيَصيرُ الجَذرُ كلُّه: قُوَّةٌ مَوزونةٌ تَمتَدُّ في مَسارِها بِضَبطٍ دَقيق، إقامةُ كلِّ شَيءٍ في مِقدارِه الأَدَقّ.
ومنه في كلامِ العَرَب:
- قَدَرَ: وَزَنَ الشَّيءَ ووَضَعَه في مِقدارِه. الفِعلُ الأَساس.
- القَدر: المِقدارُ المُحدَّدُ لِشَيء.
- القَدير: المُتَّصِفُ بِالقُدرةِ إلى أَقصى حَدٍّ. وَزنُ «فَعيل»
يَدُلُّ على الاتِّصافِ الثَّابِت.
- قَدَّرَ (تَفعيل): وَضَعَ بِضَبطٍ مُتَكَرِّر.
- الإقدار: التَّمكينُ من الوَضعِ الدَّقيق.
الشِّحنةُ الجامعةُ للجَذرِ ق-د-ر: قُوَّةٌ مَوزونةٌ تَضَعُ كلَّ شَيءٍ في مِقدارِه الأَدَقّ، الإحكامُ الدَّقيقُ لا القَهرُ الجائِر.
صِلةٌ بالجَذرِ ذاتِه: «القَدَر» (ق-د-ر) في شِحنةِ «المِقدارِ
المُحَدَّدِ الذي يَقَعُ عليه الشَّيء» له مَفهومُه المُستَقِلّ: القَدر.
الصِّيَغ: كيف يَردُ «القُدرة» في القرآن
- قَدير (صِيَغةُ مُبالَغة، وَزنُ فَعيل): المُتَّصِفُ بالوَضعِ
الدَّقيقِ إلى أَقصى مَدى. يَردُ في ٢:٢٠ «إنَّ اللهَ على كلِّ شَيءٍ قَدير»: الإحاطةُ الكامِلةُ بكلِّ شَيءٍ في مِقدارِه.
- قُدرة (مَصدَر): فِعلُ الوَضعِ الدَّقيقِ نَفسُه.
- قادِر (اسمُ فاعِل): مَن يَضَعُ في المِقدارِ الأَدَقّ.
- يَقدِر، قَدَرَ: الفِعلُ في زَمَنَيه.
الجَذرُ قَبلَ الوَزن: في كلِّ الصِّيَغ شِحنةُ «الطَّاقةِ الدَّقيقةِ
الموزونة» قائِمة. الوَزنُ يُحَدِّدُ دَرَجةَ الاتِّصافِ والزَّمَن.
المِفتاحُ البِنيَويُّ، القُدرةُ كَالطَّاقةِ التي تَضمَنُ نَفاذَ كُلِّ القَوانين: القُدرةُ لَيسَت قانوناً بَل الصِّفَةُ الإلَهيَّةُ التي تَضمَنُ تَنفيذَ كُلِّ القَوانينِ على وَجهِها. لا قانونٌ يَنفُذُ بِلا قُدرَة:
- في النَّسخ (٢:١٠٦): القُدرةُ ضامِنَةُ حَقِّ النَّسخ: مَن يَملِكُ
وَضعَ كُلِّ شَيءٍ في مِقدارِه يَملِكُ تَحويلَ المِقدار.
- في الصَّبرِ والصَّفح (٢:١٠٩): القُدرةُ ضامِنَةُ مَآلِ العَفو:
العافي لا يَخسَرُ لِأَنَّ اللهَ قادِرٌ على إِتيانِ الأَمر.
- في القَرضِ الإِدراكيّ (٢:٢٠): القُدرةُ تَكشِفُ أنَّ السَّمعَ
والبَصَرَ قَرضٌ مَوزون.
- في الجَزاء: القُدرةُ تَضمَنُ أنَّ الحِسابَ يَقَعُ في مِقدارِه
الأَدَقّ.
القُدرةُ إذَن مادَّةُ التَّنفيذِ في كُلِّ القَوانينِ: الحَمدُ يَستَحِقُّه القادِر، التَّوبَةُ تَنفُذُ بِالقادِر، الهِدايَةُ تَجري بِالقادِر، الجَزاءُ يَقَعُ بِالقادِر. هي الطَّاقةُ المَوزونَةُ التي تَجعَلُ كُلَّ حَدَثٍ في مِقدارِه.
والجَذرُ يَكشِفُ هذا: قَطعٌ حاسِم (ق)، ضَبطٌ ثابِت (د)، استِرسالٌ مَوزون (ر). القُدرةُ لَيسَت بَطشاً جائِراً بَل الإِحكامَ الدَّقيقَ الجاري: كُلُّ شَيءٍ في مَوضِعِه، لا هَدَرَ في العَطاءِ ولا ظُلمَ في المَنع.
ولِذلكَ تَختِمُ القُدرةُ آياتٍ كُبرى («على كُلِّ شَيءٍ قَدير») كَتَأكيدٍ على نَفاذِ ما قَبلَها: ما ذُكِرَ في الآيَةِ ليسَ أَملاً ولا تَهديداً بَل حَدَثٌ سَيَقَعُ بِقُدرَةٍ ضامِنَة.
الفُروق المَعنويّة: الجِذرُ ذاتُه في صِيَغٍ أُخرى
qadr(القَدَر): الجَذرُ ذاتُه في شِحنةِ «المِقدارِ
المُحَدَّدِ الذي يَقَعُ عليه الشَّيء»: ما قُدِّرَ وَضَبَطَه المِقدار. انظُر القَدر.
المَواضع: مَواقعُ القُدرةِ في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٢:٢٠ ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: مَوضِعُ الافتِتاح. القُدرةُ تَدخُلُ
القرآنَ هنا في خاتِمةِ مَثَلِ الصَّيِّب. «إنَّ اللهَ على كلِّ شَيءٍ قَدير»: الصِّيغةُ تَجمَعُ «على كلِّ شَيء» (شُمولُ المُحيط) مَعَ «قَدير» (الوَضعُ الدَّقيقُ الثَّابِت). هذه ليسَت جُملةَ تَهديدٍ إضافيّاً بَل إعلانٌ عن طَبيعةِ الأَداةِ التي اقتَرَضوها: السَّمعُ والبَصَرُ اللَّذانِ يَستَعمِلونَهُما في لَحَظاتِ البَرقِ هُما قَرضٌ لا مُلك. القُدرةُ تَعني أنَّ كلَّ إدراكٍ يَملِكونَه مَوضوعٌ في مِقدارِه بِدِقَّةٍ إلهيَّة: لا هَدَراً في العَطاءِ ولا ظُلماً في المَنع. والشَّطرُ «لَو شاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمعِهِم»: شَرطٌ امتِناعيٌّ يَكشِفُ أنَّ ما يَبقى لَهُم من إدراكٍ هو بَقاءٌ بِإِرادةٍ إلهيّةٍ لا بِحَقٍّ مُكتَسَب. انظُر البَرق والخَطف والسَّمع والبَصَر.
- ٢:١٠٦ ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: الصِّيغةُ ذاتُها تَعودُ في خاتِمةِ آيةِ النَّسخ. القُدرةُ هنا الدَّليلُ على حَقِّ النَّسخ: مَن يَملِكُ القُدرةَ التَّامَّةَ على كُلِّ شَيءٍ لا يُقَيَّدُ بِصيغةٍ سابِقَة. الاستِفهامُ «أَلَم تَعلَم»: مَن يُعلِمُ القارئَ أنَّ القُدرةَ الإلهيَّةَ حاضِرةٌ في النَّسخِ كَحُضورِها في كُلِّ شَيء.
- ٢:١٠٩ ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: القُدرةُ تَعودُ ختاماً لِلأَمرِ بِالعَفوِ والصَّفح: «حتّى يَأتيَ اللهُ بِأَمرِه إنَّ اللهَ على كلِّ شَيءٍ قَدير». القُدرةُ هُنا الضَّمانةُ التي تُتيحُ العَفوَ: مَن يَعفو ويَصفَحُ لا يَخسَرُ لِأنَّ اللهَ قادِرٌ على أن يَأتيَ بِأَمرِه. الصَّبرُ قائِمٌ على القُدرة.
- ٣:٢٦ ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: الجَديدُ: تُختَمُ بِالقُدرةِ سِلسِلةٌ من أربَعةِ أفعالٍ مُتَقابِلةٍ في الآية (إيتاءٌ ونَزعٌ، إعزازٌ وإذلال)، فتَظهَرُ القُدرةُ ضابِطاً لِلطَّرَفَينِ مَعاً لا لِأحَدِهِما. وهذا يَزيدُ على المَواضِعِ السّابِقةِ التي جاءَت فيها خِتاماً لِفِعلٍ واحِد.
- ٣:٢٩ ﴿يَعْلَمْهُ اللَّهُ ۗ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: الجَديدُ: تُقرَنُ القُدرةُ بِالعِلمِ في نَسَقٍ واحِدٍ يَبدَأُ بِأخفى مَوضِعٍ (ما في الصُّدور) ويَنتَهي بِأوسَعِه، فيُقرَأُ القادِرُ عَقِبَ العَليم: ما أُحيطَ بِه عِلماً لا يَمتَنِعُ قُدرةً. انظُر العِلم.
- ٣:٤٠ ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ ۖ قَالَ كَذَٰلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾: الجَديدُ: يَجيءُ الجَوابُ عن سُؤالِ الكَيفيّةِ بِتَقريرِ الفِعلِ لا بِبَيانِ الطَّريقة: «كَذٰلك… يَفعَلُ ما يَشاء». فتُقرَأُ القُدرةُ هُنا رَدّاً على مانِعَينِ حِسِّيَّينِ مُسَمَّيَين، لا في مَقامِ خَتمِ آيةٍ عامّة.
- ٣:١٦٥ ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: الجَديدُ: تَجيءُ القُدرةُ بَعدَ رَدِّ سَبَبِ المُصيبةِ إلى المُصابينَ أنفُسِهِم، فلا تُستَعمَلُ لِنَفيِ الفاعِليّةِ البَشَريّةِ بَل تُذكَرُ بِجانِبِها. انظُر النَّفس.
- ١٧:٣٠ ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾: الفِعلُ في مُقابَلةِ البَسط. الجَديدُ: يَرِدُ الجَذرُ فِعلاً لازِماً مُقابِلاً لِـ«يَبسُط»، فيُقرَأُ من داخِلِ النَّصِّ ما قامَ عَلَيه القِسمُ الأوَّل: القُدرةُ وَضعُ الشَّيءِ في مِقدارِه، ونَقيضُها التَّوسِعةُ لا العَجز. فالتَّضييقُ في الرِّزقِ تَقديرٌ لَه ورَفعُ الحَدِّ بَسطٌ. وهو أوَّلُ مَوضِعٍ يَقَعُ فيه الجَذرُ فِعلاً لا وَصفاً خاتِماً، وخِتامُه «خَبِيرًا بَصِيرًا» لا وَصفُ القُدرة، فيُقرَنُ التَّقديرُ بِالعِلمِ بِمَن قُدِّرَ لَهُم.
- ١٧:٩٩ ﴿أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ … وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَّا رَيْبَ فِيهِ﴾: المُقايَسةُ وقَبلَها رُؤيةٌ وبَعدَها أجَل. الجَديدُ: تُعَدّى القُدرةُ بِفِعلِ الرُّؤيةِ في استِفهامِ تَقرير، فتُجعَلُ شَيئاً يُنظَرُ فيه لا خَبَراً يُلقى، ويُعطَفُ عَلَيها ضَربُ أجَلٍ لا رَيبَ فيه، فيَجتَمِعُ في المَوضِعِ الواحِدِ تَقديرُ الخَلقِ وتَقديرُ الوَقت. وقِراءةُ المُقايَسةِ مُسَجَّلةٌ في ٣٦:٨١ ومَوضِعُها من المُصحَفِ بَعدَ هذا، فالشّاهِدُ الأوَّلُ لَها هُنا وهُناكَ ثانيه.
- ٣٦:٨١ ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم﴾: الجَديدُ: تُقاسُ القُدرةُ بِمُقايَسةِ الأكبَرِ على الأصغَر: مَن خَلَقَ العَوالِمَ أقدَرُ على إعادةِ مِثلِ هَؤلاء. فيُقرَأُ المَفهومُ بُرهاناً مُتَدَرِّجاً لا خَبَراً مُجَرَّداً.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
barq: القُدرةُ تَأتي بَعدَ مَشهَدِ البَرقِ في ٢:٢٠. انظُر البَرق.khataf: القُدرةُ تُؤَطِّرُ مَشهَدَ الخَطف. انظُر الخَطف.sam3: «بِسَمعِهِم» في ٢:٢٠ يَرتَبِطُ بِالقُدرةِ الإلهيَّةِ
على أَخذِه. انظُر السَّمع.
basar: «وأَبصارِهِم» كَالسَّابِق. انظُر البَصَر.divine-names/allah: «إنَّ اللهَ على كلِّ شَيءٍ قَدير» وَصفٌ
إلهيٌّ. انظُر divine-names/allah.md.
الإشكالات المَفتوحة
- هل القُدرةُ في القرآنِ مُطلَقةٌ أم مُقَيَّدةٌ بالحِكمة؟ الجَذرُ
يُعطي «الوَضعَ الدَّقيق» لا القَهرَ المُطلَق. مَوقِفُنا: «على كلِّ شَيءٍ قَدير» = اللهُ يَضَعُ كلَّ شَيءٍ في مِقدارِه الأَدَقّ. القُدرةُ والحِكمةُ لا تَتَناقَضانِ في الجَذرِ.