الفِقه
نَفاذٌ يَشُقُّ طَريقَهُ حَتّى يَبلُغَ جَوفَ الأمرِ فيَستَقِرَّ فيه. المُصحَفُ المَنشورُ لا يَكتُبُ الجَذرَ إلّا مُضارِعاً، ولا يَجعَلُ مَفعولَهُ إلّا كَلاماً مَسموعاً، ولا يَذكُرُ لَهُ مانِعاً إلّا غِطاءً على القَلبِ أو ثِقَلاً في الأُذُن.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
- ف: الشَّقُّ والانفِتاحُ الضَّيِّق، ثُمَّ النَّفاذُ والجَريانُ
المُتَّصِل، ثُمَّ التَّفريقُ والإبعاد. شِحنَتُه: شَقٌّ ضَيِّقٌ يَنفُذُ مِنهُ الجاري.
- ق: العَقدُ والالتِئامُ في العُمق، ثُمَّ الاحتِباسُ والاشتِداد، ثُمَّ
الإطلاقُ القاطِع. شِحنَتُه: ما يَشتَدُّ في العُمقِ فيَنعَقِدُ فيه.
- ه: الفَراغُ والخَلاء، وإفراغُ الجَوفِ وجَريانُ النَّفَسِ المُتَّصِل،
والرِّقّةُ والخُفوتُ والتَّلاشي. شِحنَتُه: جَوفٌ خالٍ يَجري فيهِ النَّفَسُ ثُمَّ يَنتَهي إلى الرِّقّةِ والتَّلاشي.
النَّواةُ فق (ف + ق) = شَقٌّ يَنفُذُ حَتّى يَنعَقِدَ في العُمق: مَنفَذٌ ضَيِّقٌ يَجري فيهِ الشَّيءُ ثُمَّ يَشتَدُّ في مُنتَهاه. ومن هذه النَّواةِ في كَلامِ العَرَبِ الفَقارُ: عِظامُ الظَّهرِ المَنظومةُ يَنفُذُ في جَوفِها مَنفَذٌ واحِد. والإغلاقُ بـه يُفَرِّغُ هذا المُنتَهى فيَجعَلُهُ جَوفاً خالِياً يَسَعُ ما نَفَذَ إليه، فيَصيرُ الجَذرُ نَفاذاً لا يَقِفُ عِندَ السَّطحِ بَل يَبلُغُ الجَوفَ ويَستَقِرُّ فيه.
ومنه في كَلامِ العَرَب: فَقُهَ الرَّجُلُ إذا صارَ الفَهمُ لَهُ سَجِيّةً تَنفُذُ إلى باطِنِ الأمرِ لا إلى ظاهِرِه، وتَفَقَّهَ إذا تَكَلَّفَ هذا النَّفاذَ حَتّى يَحصُلَ لَه.
الشِّحنةُ الجامِعة: نَفاذٌ يَشُقُّ إلى جَوفِ الأمرِ فيَستَقِرُّ فيهِ ولا يَقِفُ عِندَ ظاهِرِه.
وهذا يَضبِطُ قِراءةَ الكَلِمةِ في المُصحَف: الفِقهُ لَيسَ عِلماً بِخَبَرٍ يُنقَل، فإنَّ الخَبَرَ يُبلَغُ بِالسَّمعِ وَحدَه. الفِقهُ دُخولٌ إلى داخِلِ المَقول. ولِذلكَ لم يَكُن مانِعُهُ في المَنشورِ جَهلاً بِاللَّفظِ ولا غِياباً عن المَجلِس، بَل غِطاءً مَضروباً على مَوضِعِ الاستِقرارِ وثِقَلاً في مَجرى الدُّخول.
الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن
- تَفْقَهُونَ (مُضارِعٌ مُخاطَبٌ مَرفوعٌ في سِياقِ نَفي)، ١٧:٤٤: النَّفيُ
بِـ«لا» يَجعَلُ الفِقهَ مُنتَفِياً في الحالِ لا مُمتَنِعاً في نَفسِه.
- يَفْقَهُوهُ (مُضارِعٌ مَنصوبٌ بِـ«أن» مُتَّصِلٌ بِهاءِ المَفعول)،
١٧:٤٦: المَصدَرُ المُؤَوَّلُ مَفعولٌ لِأجلِهِ لِلجَعلِ السابِق، فالفِقهُ هو الذي حيلَ دونَه.
- يَفْقَهُوا (مُضارِعٌ مَنصوبٌ بِـ«كَي» أو في جَوابِ الطَّلَب)، ٢٠:٢٨:
الفِقهُ غايةٌ تُطلَبُ بِفَكِّ عُقدةٍ سابِقةٍ في اللِّسان.
لا يَرِدُ لِلجَذرِ في المَنشورِ ماضٍ ولا مَصدَرٌ ولا اسمُ فاعِل: الحَدَثُ يُنفى أو يُمنَعُ أو يُطلَبُ، ولا يُخبَرُ عن وُقوعِهِ تامّاً.
الجَذرُ قبلَ الوَزن: النَّفاذُ إلى الجَوف، من الحُروف. والمُضارِعُ بَعدَ
ذلكَ يُبقيهِ مَفتوحاً على الوُقوعِ والامتِناع.
الفُروق المَعنويّة
لا فَرعَ لِلجَذرِ في المَنشور. والفَرقُ الذي يَحتاجُهُ القارِئُ فَرقُهُ عن ilm وaql: العِلمُ يَقَعُ على الخَبَرِ ولو ظاهِراً، والعَقلُ رَبطٌ يَكُفُّ صاحِبَهُ عَمّا لا يَستَقيم، والفِقهُ وَحدَهُ نَفاذٌ إلى جَوفِ المَقولِ يَستَقِرُّ فيه. ولِذلكَ لا يَقَعُ في المَنشورِ إلّا على كَلامٍ يُسمَع.
المَواضع: مَواقعُ الفِقهِ في المُصحَف (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ١٧:٤٤ ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾: مَوضِعُ الافتِتاح. الجَذرُ يَدخُلُ المُصحَفَ مَنفِيّاً
عن المُخاطَبين، ومَفعولُهُ ﴿تَسْبِيحَهُمْ﴾: كَلامٌ واقِعٌ لا يُنكَرُ وُقوعُه، والمَنفِيُّ النَّفاذُ إليهِ لا وُجودُه. والاستِدراكُ بِـ«وَلَٰكِن» يَضَعُ الخَلَلَ في جِهةِ السامِعِ بَعدَ أن أثبَتَ التَّسبيحَ في جِهةِ المُسَبِّح، فيَتَبَيَّنُ أنَّ الفِقهَ قُدرةُ دُخولٍ لا شَرطُ صِحّةٍ لِلمَسموع.
- ١٧:٤٦ ﴿وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾: الجَديدُ: المانِعُ يُسَمّى ويوصَفُ بِمَوضِعِه.
﴿أَكِنَّةً﴾ على القُلوبِ ووَقرٌ في الآذان: غِطاءٌ على مُستَقَرِّ النَّفاذِ وثِقَلٌ في مَجراه، وهُما الوَجهانِ اللَّذانِ أعطَتهُما الحُروف. والجَديدُ الثاني أنَّ المَفعولَ صارَ ضَميراً عائِداً على القُرآنِ لا على تَسبيحِ خَلق، فالمَمنوعُ عنهُ النَّفاذُ كَلامٌ مُنَزَّلٌ يُتلى. ويَختِمُ السَّطرُ بِـ﴿وَلَّوْا عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾: امتِناعُ الدُّخولِ يَنتَهي إلى تَوَلٍّ ظاهِرٍ في الأبدان.
- ٢٠:٢٨ ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾: الجَديدُ: الفِقهُ يُطلَبُ لا يُنفى، ويُطلَبُ لِقَولِ
المُتَكَلِّمِ نَفسِهِ لا لِقَولٍ عليه. والمَسؤولُ قَبلَهُ فَكُّ عُقدةٍ من اللِّسان، فيَظهَرُ الطَّرَفُ الآخَرُ لِلمَسألة: النَّفاذُ إلى الجَوفِ يَحتاجُ مَخرَجاً سَليماً كَما يَحتاجُ مَحَلّاً غَيرَ مُغَطّى. وهذه أقصَرُ مَواضِعِ الجَذرِ لَفظاً وأتَمُّها بِناءً: فِعلٌ ومَفعولٌ لا ثالِثَ لَهُما.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
tasbih: ١٧:٤٤ تَجعَلُ التَّسبيحَ أوَّلَ مَفعولٍ لِلفِقهِ في
المَنشور، فالمَعجوزُ عنهُ إدراكُ كَلامٍ قائِمٍ لا إثباتُ وُقوعِه.
qalbوghulf: ١٧:٤٦ تَضَعُ الأكِنّةَ على القُلوبِ لِتَمنَعَ
الفِقه، وهو المَوضِعُ الذي يَدَّعيهِ قَومٌ لِأنفُسِهِم حينَ يَقولونَ قُلوبُنا غُلف: الغِطاءُ واحِدٌ والقائِلُ يَختَلِف.
sam3: الآيةُ نَفسُها تَضُمُّ الوَقرَ في الآذانِ إلى الأكِنّةِ على
القُلوب، فمَجرى الفِقهِ سَمعٌ ومُستَقَرُّهُ قَلب.
i3rad: خِتامُ ١٧:٤٦ تَوَلٍّ ونُفور، فامتِناعُ الفِقهِ يَظهَرُ
حَرَكةً في البَدَنِ لا سُكوتاً فَحَسب.
qawl: ٢٠:٢٨ تَجعَلُ القَولَ مَفعولَ الفِقه، فيَستَقيمُ أنَّ الجَذرَ
لا يَتَعَلَّقُ في المَنشورِ إلّا بِكَلام.
ilmوaql: الثَّلاثةُ أفعالُ إدراك، والفِقهُ أخَصُّها
بِالدُّخولِ إلى الجَوف، ولِذلكَ يوصَفُ مانِعُهُ بِالغِطاءِ لا بِالجَهل.
الإشكالات المَفتوحة
- هل الفِقهُ فَهمٌ أم دُخول؟ مَفعولُهُ في المَنشورِ كَلامٌ في
المَواضِعِ الثَّلاثةِ كُلِّها، ومانِعُهُ غِطاءٌ ووَقرٌ لا نَقصُ خَبَر. والحُروفُ تُعطي النَّفاذَ إلى الجَوف. مَوقِفُنا: الدُّخولُ هو الأصل، والفَهمُ أثَرٌ يَلزَمُ عَنهُ لا مُرادِفٌ لَه.
- لِمَ لَم يَقَع الجَذرُ في المَنشورِ ماضِياً ولا تامّاً؟ كُلُّ
مَواضِعِهِ مُضارِعٌ مَنفِيٌّ أو مَمنوعٌ أو مَطلوب. والسُّؤالُ قائِمٌ: أيَجري هذا على قاعِدةٍ تَجعَلُ الفِقهَ حالاً لا تَنقَطِعُ فلا يُخبَرُ عَنها بِالفَراغ.