الإسراء · الآية 46

﴿وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا ۚ وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا ۚ وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا

«وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً»: جَعلٌ ثانٍ يَنتَقِلُ من المَسافةِ إلى المَحَلّ

هذا جَعلٌ ثانٍ في آيَتَينِ مُتَتالِيَتَين. الأوَّلُ وُضِعَ في الفُرجةِ بَينَ طَرَفَين، وهذا يوضَعُ على عُضوٍ بِعَينِه. انتَقَلَ الوَضعُ من ما بَينَ الاثنَينِ إلى ما في أحَدِهِما.

و«على» حَرفُ استِعلاء: شَيءٌ يوضَعُ فَوق. و«أكِنّة» جَمعُ كِنان، والجِذرُ ك-ن-ن كَتمٌ يَحتَوي في جَوفٍ ثُمَّ يُحكِمُ الاحتِواء. فالكِنانُ وِعاءٌ يَضُمُّ ما تَحتَه ويَكتُمُه، لا قُفلٌ يُغلَقُ على شَيء.

وقُلوبُهُم من ق-ل-ب: مُنعَقِدٌ في العُمقِ يَنفَتِحُ فيَتَحَوَّل. فالمَوضِعُ الذي وُضِعَ عَلَيهِ الغِطاءُ هو العُضوُ الذي شَأنُه التَّقَلُّب. ما غُطِّيَ لم يُكسَرْ، وإنَّما مُنِعَ أن يُقَلَّب.

«أَن يَفْقَهُوهُ»: الفِعلُ الذي نُفِيَ قَبلَ آيَتَينِ يَعودُ

هو الفِعلُ نَفسُه. قيلَ قَبلَ آيَتَينِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾، ويُقالُ هُنا «أن يَفقَهوه». نَقصٌ واحِدٌ ومُتَعَلَّقانِ اثنان.

والجِذرُ ف-ق-ه شَقٌّ يَنفُذُ إلى ما انعَقَدَ في العُمقِ حتّى يُستَبانَ ما فيه. والغِطاءُ المَوضوعُ فَوقَ القَلبِ يَمنَعُ ذلك الشَّقَّ من مَوضِعِه. فالمَمنوعُ في المَوضِعَينِ دُخولُ الجَوف، لا بُلوغُ الخَبَرِ إلى السَّمع.

و«أن» هُنا مَصدَرِيّةٌ يُعَلَّلُ بِها الوَضع، فالغِطاءُ مَوصوفٌ بِما وُضِعَ في وَجهِه. والضَّميرُ في «يَفقَهوه» غائِبٌ لم يُسَمَّ في صَدرِ الآية، ويُذكَرُ ما يُشيرُ إلَيهِ في آخِرِها.

«وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا»: حَرفانِ مُختَلِفانِ لِعُضوَين

تَغَيَّرَ الحَرف. كانَ «على» لِلقُلوبِ وصارَ «في» لِلآذان. الغِطاءُ فَوقَ العُضوِ الأوَّل، والثِّقلُ داخِلَ الثّاني.

ولَو سُوِّيَ بَينَ الحَرفَينِ لَضاعَ الفَرق. ما يُغَطّى يُمنَعُ عنه الوُصول، وما يُملَأُ يوقَفُ فيه الواصِل.

والجِذرُ و-ق-ر إحاطةٌ تَحتَبِسُ وتَشتَدُّ ثُمَّ تُمسَكُ فتَثقُل. فالأُذُنُ لم تُسَدَّ، بَل حُمِّلَت. لَيسَ في الآيةِ سَدٌّ يَمنَعُ الصَّوت، وإنَّما ثِقَلٌ يَبلُغُه الصَّوتُ فيَقِفُ حَيثُ بَلَغ.

«وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ»: شَرطٌ يَضيقُ حتّى يَبلُغَ كَلِمةً

«إذا» ثانِيَةٌ في آيَتَين. كانَ الشَّرطُ الأوَّلُ تِلاوةً كامِلة، وصارَ هُنا ذِكراً واحِداً داخِلَ التِّلاوة. اتَّسَعَ ثُمَّ ضاقَ.

والقُرآنُ يَعودُ مَجروراً بِـ«في» كما كانَ في أوَّلِ المَقطَع، وقد كانَ في الآيةِ السّابِقةِ مَفعولاً. ثَلاثةُ مَواقِعَ لِاسمٍ واحِدٍ في سِتِّ آيات.

ثُمَّ تَأتي الكَلِمةُ الحاسِمة: «وَحدَه». لَيسَ الذِّكرُ هو ما نَفَروا مِنه، ولا الرَّبُّ هو ما نَفَروا مِنه. النّافِرُ نَفَرَ من الانفِراد.

والجِذرُ و-ح-د إحاطةٌ تُضَيِّقُ حتّى لا تَسَعَ غَيرَ واحِدٍ ثُمَّ تَثبُتُ عَلَيه. وقد مَضى في هذا المَقطَعِ نَفسِه فَرضُ آلِهةٍ «مَعَه»؛ فلَمّا رُفِعَتِ المَعِيّةُ من الذِّكرِ لم يَبقَ لَهُم مَوضِع. الجَمعُ كانَ يَسَعُهُم، والواحِدُ لا يَسَعُ إلّا نَفسَه.

«وَلَّوْا عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا»: انصِرافٌ يُتَّخَذُ الظَّهرُ فيهِ جِهة

«وَلَّوا» على فَعَّلَ من و-ل-ي، وأصلُ الجِذرِ إحاطةٌ تَلتَصِقُ بِما وَلِيَتْه. فالتَّولِيَةُ صَرفُ الجِهةِ حتّى يَصيرَ اللّاصِقُ مُفارِقاً.

و«على أدبارِهِم» تُعيدُ حَرفَ الاستِعلاءِ الذي وُضِعَت بِه الأكِنّة. مَرَّةً وُضِعَ عَلَيهِم شَيء، ومَرَّةً مَشَوا هُم على شَيء. والجِذرُ د-ب-ر ما يَجيءُ خَلفَ الشَّيءِ ويَتلوه؛ فالمَشيُ على الأدبارِ اتِّخاذُ ما كانَ وَراءَهُم طَريقاً.

ثُمَّ «نُفوراً». وقد وَرَدَت هذه الكَلِمةُ في مَطلَعِ المَقطَعِ مِقداراً يُزادونَه، وتَرِدُ هُنا هَيئةً يَنصَرِفونَ بِها. مَرَّةً ما زادَ عَلَيهِم، ومَرَّةً ما مَشَوا بِه.

وبِها فُتِحَ الفَصلُ وبِها يُغلَق. كَلِمةٌ واحِدةٌ جُعِلَت حَدَّينِ، وما بَينَهُما هو المَسافةُ كُلُّها.


حَصيلة

جَعلٌ ثانٍ في آيَتَين: وُضِعَ الأوَّلُ في الفُرجة، ويوضَعُ هذا على المَحَلّ. و«على» تَحمِلُ أكِنّةً من ك-ن-ن، وهي أوعِيةٌ تَضُمُّ وتَكتُم، فوُضِعَت فَوقَ عُضوٍ من ق-ل-ب شَأنُه التَّحَوُّل. و«أن يَفقَهوه» تُعيدُ الفِعلَ الذي نُفِيَ قَبلَ آيَتَين، وف-ق-ه شَقٌّ يَبلُغُ الجَوف: فالمَمنوعُ دُخولُ الباطِنِ في المَوضِعَينِ. ثُمَّ يَتَغَيَّرُ الحَرفُ إلى «في» لِلآذانِ، وو-ق-ر ثِقَلٌ يَحتَبِسُ ويُمسَك: يَبلُغُ الصَّوتُ فيَقِفُ عِندَ حِملِه. ثُمَّ شَرطٌ ثانٍ أضيَقُ من الأوَّل: ذِكرٌ واحِدٌ داخِلَ التِّلاوة، وفيه الكَلِمةُ الحاسِمة «وَحدَه»، وو-ح-د إحاطةٌ لا تَسَعُ ضَميمة. وقد فُرِضَ في هذا المَقطَعِ نَفسِه آلِهةٌ «مَعَه»، فلَمّا رُفِعَتِ المَعِيّةُ سَقَطَ مَوضِعُهُم. ثُمَّ «وَلَّوا» صَرفُ جِهةٍ، و«على أدبارِهِم» اتِّخاذُ ما وَراءَهُم طَريقاً، و«نُفوراً» تُغلِقُ ما فَتَحَتْه في أوَّلِ المَقطَع. غُطِّيَ ما يَتَقَلَّبُ وثُقِّلَ ما يَسمَع، فلَمّا قيلَ الاسمُ وَحدَه لم يَبقَ في المَوضِعِ مُتَّسَعٌ لِقَدَم.