الإسراء · الآية 44

﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ۗ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ۗ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا

«تُسَبِّحُ لَهُ»: المِفتاحُ يَنقَلِبُ فِعلاً، ولامٌ تُوَجِّهُه

كانَ اللَّفظُ اسماً فصارَ عَمَلاً. افتَتَحَتِ السّورةُ بِـ«سُبحان»، وأعادَتها في الآيةِ التي قَبلَ هذه «سُبحانَه»، ثُمَّ تَبني عَلَيها هُنا فِعلاً.

وفي الآيةِ الواحِدةِ ثَلاثُ صُوَرٍ من الجِذرِ نَفسِه: «تُسَبِّحُ» و«يُسَبِّحُ» و«تَسبيحَهُم». فِعلانِ ومَصدَر. المِفتاحُ الذي فُتِحَت بِه السّورةُ يُصَرَّفُ هُنا حتّى يُستَوفى.

و«لَهُ» لامٌ تُوَجِّه. لَيسَ التَّسبيحُ صِفةً قائِمةً في المُسَبِّحِ يوصَفُ بِها، بَل فِعلاً لَه جِهةٌ يَصدُرُ إلَيها. والجِذرُ س-ب-ح جَريانٌ يَنفَتِحُ ثُمَّ يَخلُصُ نَقِيّاً؛ فالتَّسبيحُ تَخلِيةُ مَجرىً، واللّامُ تَقولُ لِمَن خُلِّي.

«السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ»: عَدَدٌ يُذكَرُ ولا يُوصَف

ذُكِرَ العَدَدُ ولم يُذكَرْ شَيءٌ عن مَعدودِه. لا صِفةَ ولا تَرتيبَ ولا هَيئة. ما ذَكَرَتْهُ الآيةُ مَذكور، وما سَكَتَت عنه يَبقى ساكِتاً.

ثُمَّ «وَمَن فِيهِنَّ». و«مَن» لِمَن يَعقِل. فالمَعدودُ أوَّلاً أمكِنة، والمَضمومُ إلَيها مَن سَكَنَها لا ما مُلِئَت به. الجُملةُ تَبدَأُ واسِعةً ثُمَّ تَضُمُّ إلَيها العاقِل.

«وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ»: نَفيٌ يَستَغرِقُ واستِثناءٌ لا يُبقي مُستَثنى

«إن» نافِيَة، و«مِن» زائِدةٌ تُفيدُ الاستِغراق، و«شَيء» أعَمُّ ما يُقالُ في اللُّغة. اجتَمَعَ ثَلاثةُ أدَواتٍ على أن لا يُترَكَ طَرَف.

ثُمَّ يَأتي الاستِثناءُ فيُثبِتُ ما نُفِيَ ضِدُّه. صيغةٌ تَبدَأُ بِالإخلاءِ التّامِّ وتَنتَهي إلى الشُّمولِ التّامّ. ولَو قيلَ «كُلُّ شَيءٍ يُسَبِّح» لَكانَ خَبَراً؛ فلَمّا قيلَ «وما مِن شَيءٍ إلّا يُسَبِّح» صارَ حَصراً لا يَقبَلُ ثُغرة.

و«بِحَمدِه» باءُ مُصاحَبة. لا يَسيرُ التَّسبيحُ وَحدَه، بَل يَحمِلُ الحَمدَ مَعَه. والجِذرُ ح-م-د نَفاذٌ خالِصٌ يَمتَدُّ ثُمَّ يَثبُتُ في مَحَلِّه. فالحَرَكَتانِ مُتَلازِمَتان: تَخلِيةٌ تَرفَعُ ما عَلِقَ، وثَناءٌ يوضَعُ فيَستَقِرّ. تُفرَغُ الجِهةُ ثُمَّ يوضَعُ فيها الحَقُّ لِصاحِبِها.

«وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ»: النَّقصُ مَنسوبٌ إلَينا، والمَنفِيُّ فِقهٌ لا سَمع

«لَٰكِن» استِدراك، والوَجهُ يَنقَلِبُ إلى المُخاطَب. قيلَ ما يَفعَلُه كُلُّ شَيء، ثُمَّ قيلَ ما لا نَفعَلُه نَحن.

ولم يُقَلْ «لا تَسمَعون» ولا «لا تَعلَمون». قيلَ «لا تَفقَهون». والجِذرُ ف-ق-ه شَقٌّ يَنفُذُ إلى ما انعَقَدَ في العُمقِ حتّى يُفرِغَ جَوفَه فيَستَبين. فالمَنفِيُّ دُخولُ الباطِن، لا وُصولُ الصَّوتِ إلى الأُذُن.

و«تَسبيحَهُم» بِضَميرِ العاقِل. جاءَت الجُملةُ من «مَن» ثُمَّ اتَّسَعَت إلى «شَيء» ثُمَّ عادَت فكَنَّت عن الجَميعِ بِـ«هُم». ما جُعِلَ ضَميرُه ضَميرَ العُقَلاءِ لا يُقالُ فيه إنَّه أثَرٌ يُقاسُ.

وهذا مَوضِعُ وُقوفٍ لا مَوضِعُ مُرور. الآيةُ تُخبِرُ بِوُقوعِ التَّسبيحِ ولا تَصِفُ كَيفَه، ثُمَّ تُصَرِّحُ بِأنَّه غَيرُ مَفقوهٍ لَنا. فمَن أعطاهُ وَجهاً يُفقَهُ فقد رَفَعَ النَّفيَ الذي في الجُملةِ التي يَشرَحُها. النَّفيُ هُنا مَنصوصٌ لا مُستَنبَط، ومَن نَقَضَ نَصَّ الآيةِ لِيُفَسِّرَها فقد شَرَحَ غَيرَها.

«إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا»: خَتمٌ بِإمساكٍ وسَتر

بَعدَ دَعوى تَعُمُّ كُلَّ شَيء، وبَعدَ إعلانِ عَجزِنا عنها، يُنتَظَرُ خَتمٌ بِالقُدرةِ أو بِالعِلم. وجاءَ الخَتمُ بِغَيرِهِما.

و«كانَ» تُقَدِّمُ الوَصفَ على المَوقِف. الحِلمُ والغُفرانُ لَيسا جَواباً لِهذا العَجزِ حينَ ظَهَر، بَل سابِقانِ لَه.

والحِلمُ في ح-ل-م احتِواءٌ في الباطِنِ يَحوزُ ثُمَّ يَضُمُّ فيُمسِك: إمساكُ ما كانَ يَنفَلِتُ لَولا الإمساك. والغُفرانُ في غ-ف-ر سِترٌ كَثيفٌ يُبعِدُ ما تَحتَه عن العُيونِ ثُمَّ يَلزَمُه فلا يَنكَشِف، ومنه المِغفَرُ يوضَعُ على الرَّأسِ فيَستُرُ ويَقي.

فالخاتِمةُ إمساكٌ وتَغطِيَة. أُخبِرنا بِما لا نُدرِكُه، ثُمَّ لم يُتبَعِ الخَبَرُ وَعيداً. قيلَ لَنا ما لا نُحسِنُه، ثُمَّ غُطِّيَ عَلَينا فيه.


حَصيلة

المِفتاحُ الذي فُتِحَت بِه السّورةُ يَعودُ هُنا عَمَلاً: فِعلانِ ومَصدَرٌ من س-ب-ح في آيةٍ واحِدة، واللّامُ في «لَه» تَجعَلُ التَّخلِيَةَ مُوَجَّهةً لا صِفةً قائِمة. ثُمَّ يُذكَرُ العَدَدُ ولا يُوصَفُ مَعدودُه، وتُضَمُّ «مَن فِيهِنَّ» بِلَفظِ العاقِل. ثُمَّ يَتَّسِعُ اللَّفظُ إلى أعَمِّ ما في اللُّغة: نَفيٌ مُستَغرِقٌ بِـ«إن» و«مِن» و«شَيء»، ثُمَّ استِثناءٌ يُعيدُ الكُلَّ فلا يَبقى طَرَفٌ خارِجَه. و«بِحَمدِه» تُصاحِبُ التَّخلِيَةَ بِثَناءٍ يَثبُت، فتَتِمُّ الحَرَكةُ: يُرفَعُ ما عَلِقَ ويوضَعُ ما يَستَحِقّ. ثُمَّ يَنقَلِبُ الخِطابُ إلَينا بِـ«لَٰكِن»، والمَنفِيُّ فِقهٌ لا سَمع، وف-ق-ه شَقٌّ يَبلُغُ الجَوف. فالنَّقصُ مَنسوبٌ إلَينا مَنصوصاً، والكَيفُ مَسكوتٌ عنه، ومَن مَلَأَ ذلك السُّكوتَ فقد نَقَضَ العِبارةَ التي أرادَ إيضاحَها. ثُمَّ يُختَمُ بِـ«حَليماً غَفوراً»: إمساكٌ يَسَعُ وسِترٌ يَلزَم. أُعلِنَ حَدُّنا، ثُمَّ سُتِرَ عَلَينا عِندَه.