اليَقين

yaqin جذر · ي-ق-ن 4 مَواضِعَ في القرآن
التَّعريف الجَذريّ
اتِّصالٌ عَميقٌ يَنفُذُ حتّى القاع، كَالماءِ الذي يَهدَأُ ضَجيجُ أَعلاه فَيَستَقِرُّ في قَرارِه. رُسوخٌ بَعدَ انقِضاءِ الجَدَل.

تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر

ثلاثةُ حُروف:

  • ي: وَصلٌ لَيِّنٌ يَنزَلِق. شِحنَتُه: امتِدادٌ مع لِين، سَريانٌ

مُتَّصِل.

  • ق: حَسمٌ وإحكام من أَقصى الحَنَك. شِحنَتُه: قَطعٌ وإحكامٌ يَستَقِرُّ

في العُمق. (الشِّحنةُ ذاتُها في التَّقوى القِسم ١ والكِتاب القِسم ١.)

  • ن: رَنينٌ داخِليٌّ يَنبَعِث. شِحنَتُه: نَفاذٌ من الباطِنِ يَمتَدُّ.

النَّواةُ يق (ي + ق) = اتِّصالٌ عَميقٌ قَويّ، ارتِباطٌ يَبلُغُ الأَعماق. الإكمالُ بـن يُنفِّذُ هذا الاتِّصالَ العَميقَ إلى الباطِنِ ويُبقيه هُناك، فيَصيرُ الجَذرُ كلُّه: اتِّصالٌ يَبلُغُ العُمقَ ويَنفُذُ إلى الباطِنِ فيَستَقِرُّ هُناك لا يَتَزَعزَع.

ومنه في كلامِ العَرَب:

  • أَيقَنَ (وَزنُ إفعال): بَلَغَ باتِّصالِه القاعَ. التَّعدِيةُ هنا

داخِليّة: الإنسانُ يُبلِّغُ نَفسَه القاع.

  • اليَقين: الاستِقرارُ في القاع. صُورَتُه الماءُ الذي هَدَأَ في قَرارِ

البِئر بَعدَ التَّموُّج.

  • تَيَقَّنَ (وَزنُ تَفَعَّل): أَخَذَ اليَقينَ على نَفسِه مُتَدَرِّجاً.

التَّدَرُّجُ في الوُصولِ إلى القاع.

الشِّحنةُ الجامعةُ للجَذرِ ي-ق-ن: رُسوخٌ يَبلُغُ أَعمَقَ نُقطةٍ في الكَيانِ ويَستَقِرُّ هُناك. اليَقينُ ليس تَصديقاً ذِهنِيّاً يُضافُ إلى المَعلومات، بل حالٌ يَصِلُ القاعَ ثُمَّ يَسكُن.

الصِّيَغ: كيف يَردُ «اليَقين» في القرآن

  • يوقِنون (وَزنُ يُفعِلون): الفِعلُ المُضارِعُ المُتَعَدِّي. يَجعَلون

القاعَ يَتَحَقَّق. الوَزنُ (يُفعِلون) يُفيدُ الإيجادَ: يُيَقِّنون ذاتَهم أو يَستَديمون اليَقين.

  • أَيقَنَ، أَيقَنوا (ماضٍ وَزنُ أَفعَل): بَلَغَ باليَقينِ قاعَه.
  • اليَقين (اسمٌ مَصدَريٌّ): الحالةُ الاستِقراريّةُ في ذاتِها.
  • عِلمُ اليَقين، عَينُ اليَقين، حَقُّ اليَقين: مَراتِبُ اليَقينِ

التي يُرَتِّبُها القرآنُ في سُوَرٍ لاحِقة (لا تَردُ في هذه الآيات).

الجَذرُ قَبلَ الوَزن: في كلِّ الصِّيَغ، شِحنةُ الرُّسوخِ في الأَعماق

قائِمة. الوَزنُ يُحَدِّدُ مَن يَبلُغُ القاعَ وكَيف.

المِفتاحُ البِنيَويُّ، اليَقينُ كَأَعمَقِ مَنزِلَةٍ مِن مَنازِلِ الإيمان: اليَقينُ لَيسَ قانوناً بَل الدَّرَجَةُ القُصوى لِلطَّرَفِ الإنسانيِّ في قانونِ الإيمان. هو نَفسُ الإِيمانِ بَعدَ أَن بَلَغَ قاعَ النَّفس:

  • في الإيمان (٢:٣): «يُؤمِنونَ بِالغَيب»: ضَمُّ النَّفسِ نَحوَ

مَركَزٍ آمِنٍ غَيبيّ.

  • في اليَقين (٢:٤): «وبِالآخِرَةِ هُم يوقِنون»: استِقرارُ النَّفسِ

في قاعِها بِالآخِرَة.

  • التَّفاوُتُ في المَفعول: الإيمانُ بِالغَيبِ مُطلَقاً، واليَقينُ

بِالآخِرَةِ خاصَّةً، لِأَنَّ الآخِرَةَ تَلزَمُها حالٌ تَضبِطُ كُلَّ فِعلٍ في كُلِّ لَحظَة.

اليَقينُ إذَن مادَّةُ الرُّسوخِ في كُلِّ قَوانينِ : شُكرٌ بِلا يَقينٍ مُتَزَعزِع، تَوبَةٌ بِلا يَقينٍ مُتَقَلِّبَة، صَلاةٌ بِلا يَقينٍ سَطحيَّة. وَلِأَنَّ اليَقينَ يَبلُغُ القاعَ، فَهو الذي يَجعَلُ القَوانينَ تُنتِجُ أَثَرَها الكامِل: يَقينُ المُحسِنِ يَجعَلُ إِحسانَه عَميقاً، يَقينُ المُتَّقي يَجعَلُ تَقواه راسِخَة.

والجَذرُ يَكشِفُ هذا: امتِدادٌ لَيِّن (ي)، حَسمٌ في العُمق (ق)، نَفاذٌ من الباطِن (ن). اليَقينُ هو الاتِّصالُ النَّافِذُ المَحسوم: لا يَطفو على السَّطحِ كَالظَّنّ، ولا يَجري في الذِّهنِ كَالعِلمِ المُجَرَّد، بَل يَنزِلُ إلى قاعِ النَّفسِ ويَستَقِرّ.

ولِذلكَ يُرَتَّبُ اليَقينُ في القُرآنِ ثَلاثَ مَراتِب: عِلمُ اليَقين (١٠٢:٥) → عَينُ اليَقين (١٠٢:٧) → حَقُّ اليَقين (٦٩:٥١). كُلُّ مَنزِلَةٍ أَعمَقُ مِن سابِقَتِها: عِلمٌ ذِهنيّ، رُؤيَةٌ عَينيَّة، حَقٌّ ذاتيّ. الإيمانُ يَبدَأُ عِندَ مَنزِلَةِ الغَيب، واليَقينُ مَنزِلَتُه الكامِلَةُ بَعدَ الرُّؤيَة.

الفُروق المَعنويّة: الجِذرُ ذاتُه في صِيَغٍ أُخرى

(لا فُروعَ مَعنَوِيّةً مُتَمَيِّزةً تَستَحِقُّ مَفهوماً مُنفَصِلاً. كلُّ صِيَغِ ي-ق-ن تَدورُ على الرُّسوخِ في الأَعماق.)

المَواضع: مَواقعُ اليَقينِ في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)

  • ٢:٤ ﴿وَبِالآخِرةِ هُم يوقِنون﴾: مَوضعُ الافتِتاح.

اليَقينُ يَدخُلُ القرآنَ هنا في صيغةِ المُضارِعِ الجَمع «يوقِنون»، مَقرونَاً بالآخِرةِ وَحدَها. التَّقديمُ «بِالآخِرةِ» (على الفِعل) يُفيدُ الاختِصاصَ والتَّركيز: اليَقينُ هنا مُقَيَّدٌ بمَوضِعٍ مَخصوص. ولِماذا اليَقينُ للآخِرةِ لا الإيمان؟ لأنَّ الإيمانَ يَكفي للغَيبِ الواسِع، أمّا الآخِرةُ فتَلزَمُها حالٌ تَضبِطُ الفِعلَ في كلِّ لَحظة. اليَقينُ بالآخِرةِ يَجعَلُها كالحاضِر: الأَعمالُ كلُّها مَعدودةٌ أَمامَه ومُثبَّتةٌ في مَوضِعِها. صُورةُ الماءِ في قَرارِ البِئرِ كَامِلةٌ هنا: مَن يوقِنُ لا يَتَمَوَّجُ.

  • ٢:١١٨ ﴿قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾: «يُوقِنون» صِفةُ مَن تَصِلُهُم الآياتُ المُبَيَّنةُ وتَعمَلُ فيهِم. الجَديدُ: اليَقينُ شَرطُ الاستِقبال: الآياتُ بُيِّنَت ولكنَّها تَصِلُ فَقَط إلى «قَومٍ يُوقِنون». مَن لَم يُوقِن يَقِفُ أمامَ الآياتِ المُبَيَّنةِ ولا يَراها.
  • ١٠٢:٥ ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾: اليَقينُ في صِيغةِ الإضافةِ مَعَ «عِلم»، أَوَّلُ مَراتِبِ اليَقينِ في القُرآن. الجَديدُ: «عِلمُ اليَقين» المَعرِفةُ التي بَلَغَت قاعَها الإِدراكيَّ، لا تَخمينٌ ولا حَدسٌ بَل عِلمٌ راسِخ. السِّياقُ: «لَو تَعلَمون»، صيغةُ التَّمَنِّي المَنفيِّ تُشيرُ إلى أنَّ هذا العِلمَ غائِبٌ عنهم حينَ يَتَكاثَرون. لَو حَضَرَ لَتَغَيَّرَ فِعلُهم تَغَيُّراً تامّاً، لَكِنَّ القاعَ لَم يُبلَغ بَعد، فَيَبقى الفِعلُ سَطحيّاً مُنشَغِلاً بِالتَّكاثُر.
  • ١٠٢:٧ ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾: اليَقينُ في صورَتِه الثّانية: «عَينُ اليَقين». الجَديدُ: المُشاهَدةُ المُباشِرةُ التي لا وَساطةَ فيها. التَّدَرُّجُ مَفصَليّ: من «عِلمِ اليَقين» (٥) إلى «عَينِ اليَقين» (٧). العِلمُ ذِهنيٌّ والعَينُ مُباشَرة، حتّى مَن لَم يَبلُغ عِلمَ اليَقينِ في الدُّنيا سَيَبلُغُ عَينَه في الآخِرَة، لَكِنَّ الفَرقَ شاسِع: مَن أَيقَنَ قَبلَ الرُّؤيةِ غَيَّرَ فِعلَه، ومَن انتَظَرَ الرُّؤيةَ لَم يَنفَعه إيقانُه. تَرتيبُ اليَقينِ الكامِلِ في القُرآنِ: عِلمٌ → عَينٌ → حَقٌّ (الواقِعة ٩٥). انظُر التَّكاثُر والجَحيم.

التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى

  • akhira: التَّلازُمُ في ٢:٤. اليَقينُ بِلا آخِرةٍ لا مَوضِعَ له،

والآخِرةُ بِلا يَقينٍ لا تَضبِطُ الفِعل.

  • iman: التَّدَرُّجُ العَمودِيّ: الإيمانُ ضَمٌّ نَحوَ مَركَز، واليَقينُ

رُسوخٌ في القاع. اليَقينُ أَعمَقُ دَرَجاتِ الإيمانِ لا مُنفَصِلٌ عنه.

  • rayb: التَّقابُلُ الكامِل. الرَّيبُ جَريانٌ مُتَقَلِّبٌ يَطفو،

واليَقينُ رُسوخٌ في القاع. ما عَمَّقَ اليَقينَ ضَيَّقَ فَضاءَ الرَّيب.

  • ghayb: الإيمانُ بالغَيبِ (٢:٣) يَتَطَوَّرُ حتّى يَبلُغَ اليَقينَ

بأَجلى صُوَرِ الغَيبِ (الآخِرة). الطَّريقُ من الغَيبِ إلى اليَقينِ طَريقٌ من السَّطحِ إلى القاع.

الإشكالات المَفتوحة

  • هل اليَقينُ مَوهِبةٌ لا يَبلُغُها الجُهدُ أم تُكتَسَب؟ الجَذرُ يُشيرُ

إلى التَّكَلُّف (تَيَقَّنَ: وَزنُ التَّفَعُّلِ يَدُلُّ على التَّكَلُّف والتَّدَرُّج). مَوقِفُنا: اليَقينُ يُكتَسَبُ بالعَمَلِ والمُجاهَدةِ الدّاخِليّة، لكنَّ القاعَ يَنفَتِحُ برَحمةٍ لا بجُهدٍ وَحدَه.

  • ما الفَرقُ بَين «عِلمِ اليَقين» و«عَينِ اليَقين» و«حَقِّ اليَقين»؟

هذه تَرتيبٌ قرآنيٌّ لِمَراتِبِ اليَقين. يَتَّضِحُ في مَواضِعِه (سُوَرٌ مُتَأَخِّرة). إشكالٌ مَفتوحٌ.

مَواضِعُ هذا المَفهومِ في القرآن