الحَرَج

haraj جذر · ح-ر-ج موضعٌ واحِدٌ في القرآن
التَّعريف الجَذريّ
ضيقٌ تَلتَحِمُ جَوانِبُه على ما فيه فيَنحَبِسُ مَستوراً بِلا مَنفَذ. والمُصحَفُ يَضَعُه في النَّفسِ والصَّدرِ حيناً، وعلى أصحابِه حيناً، والمَنشورُ يَكتُبُه مَرّةً واحِدةً (٤:٦٥): ضيقاً يُطلَبُ ألّا يوجَدَ في الأنفُسِ بَعدَ القَضاء.

تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر

ثلاثةُ حُروف:

  • ح: تَضَيُّقٌ عَميقٌ في أقصى الحَلقِ يَحتَوي النَّفَسَ في الباطِن. شِحنَتُه: التضييقُ والاحتواءُ في الباطن.
  • ر: خَفَقاتٌ لِطَرَفِ اللِّسانِ على اللِّثة، كُلُّ خَفقةٍ لَمسةٌ ماسِكةٌ عابِرة. شِحنَتُه: اللمسةُ الماسكة (التماسُكُ والالتحام).
  • ج: اجتِماعُ وَسَطِ اللِّسانِ بِوَسَطِ الحَنَكِ يَحبِسُ النَّفَسَ في جَوفِ الفَم. شِحنَتُه: الاحتباسُ في الجوفِ والستر.

النَّواةُ حر (ح + ر) = ضيقٌ في الباطِنِ تَلتَحِمُ جَوانِبُه على ما فيه. ثُمَّ ج (الاحتباسُ في الجوفِ والستر) تَحبِسُ هذا الضّيقَ في الجَوفِ مَستوراً فلا يَظهَرُ ولا يَخرُج. فيَصيرُ الجَذرُ كُلُّه: ضيقٌ مُلتَحِمٌ يَنحَبِسُ في الداخِلِ ولا يَجِدُ مَنفَذاً.

ومنه في كَلامِ العَرَب:

  • الحَرَجة: الشَّجَرُ المُلتَفُّ الذي لا يُسلَكُ فيه، تَلتَحِمُ أغصانُه على ما دَخَلَه.
  • حَرِجَ صَدرُه: ضاق.
  • أحرَجَه: ضَيَّقَ عَلَيه حتّى لا يَجِدَ مَخرَجاً.

والمُصحَفُ يَكتُبُ الجَذرَ في إحدى عَشرةَ آيةً، اسماً في كُلِّها، على وَجهَينِ في الظّاهِر:

  • في الباطِن: «ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ» (٤:٦٥)، و«يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا» (٦:١٢٥)، و«فَلَا يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ» (٧:٢).
  • على الأشخاص: «مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ» (٥:٦)، و«وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» (٢٢:٧٨)، و«لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَىٰ حَرَجٌ» (٢٤:٦١، ٤٨:١٧)، ومِثلُها في ٩:٩١ و٣٣:٣٧ و٣٣:٣٨ و٣٣:٥٠.

والوَجهانِ ضيقٌ واحِد: في الأوَّلِ تَنطَوي النَّفسُ على الضّيقِ فيَنحَبِسُ فيها، وفي الثّاني يَنطَوي الضّيقُ على صاحِبِه فيَنحَبِسُ فيه، و«في» و«على» تُعَيِّنانِ أيُّهُما يَحوي الآخَر. والحَرَجةُ تَجمَعُ الوَجهَين: شَجَرٌ مُلتَفٌّ يَحبِسُ مَن دَخَلَه.

الشِّحنةُ الجامِعةُ لِلجَذرِ ح-ر-ج: ضيقٌ يَلتَحِمُ على ما فيه ولا مَنفَذَ لَه. وهذا يَضبِطُ قِراءةَ الكَلِمةِ في مَسأَلَتَين:

الأولى: لِماذا يوجَدُ الحَرَجُ ولا يُرى. ج تَحبِسُ الضّيقَ في الجَوفِ مَستوراً، فالحَرَجُ يُعرَفُ بِالوِجدانِ في الداخِل: «لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ». فالآيةُ تَطلُبُ ما لا يَبلُغُه النَّظَرُ من الخارِج، وتَجعَلُه شَرطاً بَعدَ فِعلٍ ظاهِرٍ هو التَّحكيم.

الثّانية: لِماذا يُختَمُ المَوضِعُ المَنشورُ بِالتَّسليم. التَّسليمُ من س-ل-م انتِقالُ الشَّيءِ مُنساباً بِلا عائقٍ حتّى يَصيرَ في حَوزِ غَيرِه، وهو عَكسُ ضيقٍ يَحبِسُ ما فيه بِلا مَنفَذ، فـ«وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا» بَعدَ «حَرَجًا» يَفتَحُ ما يَسُدُّه الحَرَج.

الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن

  • حَرَجًا (مَصدَرٌ نَكِرةٌ مَنصوبٌ على فَعَل): الصّيغةُ الوَحيدةُ في المَنشور، ٤:٦٥، مَفعولٌ لِـ«يَجِدوا» في سِياقِ النَّفي، فالنَّكِرةُ تَعُمُّ أدنى الضّيق. وتَرِدُ بِلَفظِها في ٦:١٢٥ وَصفاً لِلصَّدرِ بَعدَ «ضَيِّقًا»، والمَصدَرُ إذا وُصِفَ بِه جَعَلَ الصَّدرَ ضيقاً كُلَّه.

والصِّيَغُ في الآياتِ العَشرِ التي لم تُنشَرِ اسمٌ واحِدٌ في حالَين: مَرفوعاً اسماً لِـ«لَيسَ» و«يَكونُ» كَما في «لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَىٰ حَرَجٌ»، ومَجروراً بِـ«مِن» بَعدَ النَّفيِ كَما في «مِّنْ حَرَجٍ».

الجَذرُ قَبلَ الوَزن: الجَذرُ في المُصحَفِ مَصدَرٌ على فَعَلٍ في مَواضِعِه كُلِّها،

ولا يَرِدُ مِنه فِعلٌ ولا وَصفٌ غَيرُه. فالحَرَجُ فيه حالٌ توجَدُ أو تُجعَلُ أو

تُنفى، ولا يُسنَدُ إلى أحَدٍ أنَّه حَرِج. وهذا مُوافِقٌ لِلحُروف: ضيقٌ مُلتَحِمٌ

مَحبوسٌ صِفةُ مَوضِعٍ قَبلَ أن يَكونَ فِعلاً لِفاعِل.

الفُروق المَعنويّة: مَفاهيمُ مُجاوِرةٌ من جُذورٍ أُخرى

الجَذرُ في المُصحَفِ مَفهومٌ واحِد. ويُجاوِرُه:

  • الجُناح (الجُناح، ج-ن-ح): انحِرافٌ يَتَجَمَّعُ على صاحِبِه مَسؤوليّة، يَرفَعُه المَنشورُ بِـ«لا جُناحَ عَلَيكُم» في غَيرِ مَوضِع. والحَرَجُ ضيقٌ يَنطَوي على صاحِبِه، وتَنفيه «على» في الآياتِ التي لم تُنشَر. فالجُناحُ يُرفَعُ عن مَيلٍ يُحسَبُ على صاحِبِه، والحَرَجُ يُنفى عن مَضيقٍ يُحبَسُ فيه.
  • الإصر (الإصر، أ-ص-ر): قَيدٌ ثَقيلٌ يُشَدُّ على الحامِلِ فلا يَستَطيعُ التَّحَرُّك، ويُسأَلُ ألّا يُحمَلَ في ٢:٢٨٦. الإصرُ حِملٌ يُشَدُّ على صاحِبِه من فَوق، والحَرَجُ ضيقٌ يَلتَحِمُ عَلَيه من الجَوانِب.
  • العُسرة (العُسرة، ع-س-ر): جَرَيانٌ يَسيلُ في مَضيقٍ ثُمَّ يَنعَقِد، حالٌ يَعسُرُ فيها القِيام. العُسرُ ضيقٌ يَبقى فيه مَسلَكٌ بِمَشَقّة، والحَرَجُ ضيقٌ مُلتَحِمٌ لا مَنفَذَ لَه.
  • الضِّيق (ض-ي-ق، ولَيسَ لَه في المُعجَمِ مَفهومٌ يُحالُ عَلَيه): يُقرَنُ بِالحَرَجِ في «ضَيِّقًا حَرَجًا» (٦:١٢٥). الضّيقُ قِلّةُ السَّعة، والحَرَجُ يَزيدُ عَلَيه التِحامَ الجَوانِبِ على ما فيها وانسِدادَ المَنفَذ.

المَواضع: مَواقعُ الحَرَجِ في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)

  • ٤:٦٥ ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ﴾: مَوضِعُ الافتِتاح. «حَرَجاً» مَصدَرٌ نَكِرةٌ مَفعولٌ لِـ«يَجِدوا» في سِياقِ النَّفي، ومَوضِعُه «في أنفُسِهِم»، ومَنشَؤُه «مِمّا قَضَيتَ»، وهو الثّاني من ثَلاثةِ أفعالٍ تَأتي بَعدَ «حَتّى» غايةً لِـ«لا يُؤمِنون»: تَحكيمٌ في ما شَجَرَ بَينَهُم، ثُمَّ خُلُوُّ الأنفُسِ من الحَرَج، ثُمَّ تَسليمٌ مُؤَكَّدٌ بِمَصدَرِه. الجَديدُ: يَدخُلُ الجَذرُ المُصحَفَ ضيقاً يُفَتَّشُ عَنه في الباطِنِ بَعدَ أن يَنفُذَ القَضاءُ في الظّاهِر، والنَّكِرةُ في النَّفيِ تَبلُغُ أدناه. وما شَجَرَ بَينَ القَومِ كَأغصانٍ التَفَّت يُقابِلُه ضيقٌ مُلتَفٌّ في الداخِلِ كَالحَرَجة، ثُمَّ يَفتَحُه تَسليمٌ يَجري بِلا عائق. انظُر القَضاء والشَّجَرة.

التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى

  • مَعَ الشَّجَرة في ٤:٦٥: «فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ» ثُمَّ «حَرَجًا»: ما اشتَبَكَ بَينَ القَومِ في الخارِجِ كَأغصانٍ التَفَّت يُقابِلُه ضيقٌ مُلتَفٌّ في الداخِلِ كَالحَرَجة، والآيةُ تَطلُبُ أن يُفصَلَ الأوَّلُ ولا يَبقى الثّاني.
  • مَعَ القَضاء والحُكم والحُكَّام في ٤:٦٥: التَّحكيمُ يَضَعُ الأمرَ في يَدِ الحَكَم، والقَضاءُ يَقطَعُه ويُمضيه، و«مِّمَّا قَضَيْتَ» تُسَمّي القَضاءَ مَنشَأً لِلضّيقِ المَنفيّ: القَطعُ الذي يَفُكُّ الاشتِباكَ في الخارِجِ يُطلَبُ ألّا يَعقِدَ ضيقاً في الداخِل.
  • مَعَ الإسلام / أَسلَمَ في ٤:٦٥: «وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا» من الجَذرِ س-ل-م بَعدَ «حَرَجًا»: هُناكَ انتِقالٌ بِلا عائق، وهُنا انحِباسٌ بِلا مَنفَذ، والفِعلانِ تَحتَ «حَتّى» نَفسِها، فلا يَرتَفِعُ نَفيُ الإيمانِ حتّى يَنفَتِحَ ما يَسُدُّه الحَرَج.
  • مَعَ الإيمان والنَّفس في ٤:٦٥: يُنفى الإيمانُ بِيَمينٍ حتّى تَجتَمِعَ ثَلاثةُ أفعال، والثّاني مِنها في «أَنفُسِهِمْ»: الحَرَجُ يُفَتَّشُ عَنه في النَّفسِ بَعدَ الحُكم. وفي الأنعامِ يُذكَرُ الصَّدرُ الضَّيِّقُ الحَرَجُ ثُمَّ تُختَمُ الآيةُ بِـ«عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ» (٦:١٢٥)، فالجَذرُ يَقِفُ في المَوضِعَينِ عِندَ حَدِّ الإيمان.

الإشكالات المَفتوحة

  • حَرَجٌ «في» وحَرَجٌ «على»: ضيقٌ واحِد؟ المَنشورُ يَكتُبُ الأوَّلَ وَحدَه. والقِراءةُ من الحُروفِ تَجعَلُهُما ضيقاً واحِداً تُعَيِّنُ الأداةُ أيُّهُما يَحوي الآخَر: النَّفسُ تَحوي الضّيق، أو الضّيقُ يَحوي صاحِبَه. ويُختَبَرُ ذلك حينَ تُنشَرُ السُّوَرُ التي تَكتُبُ الوَجهَ الثّاني: المائدةُ والتَّوبةُ والحَجُّ والنّورُ والأحزابُ والفَتح. مَفتوح.
  • الحَرَجُ والجُناح: رَفعانِ أم رَفعٌ واحِد؟ المُصحَفُ يَنفي كِلَيهِما عن المُخاطَبينَ بِـ«على». والحُروفُ تُفَرِّقُ بَينَهُما: الجُناحُ انحِرافٌ يُحسَبُ على صاحِبِه، والحَرَجُ ضيقٌ يَنطَوي عَلَيه. والجَوابُ العامِل: الأوَّلُ يَرفَعُ الحِسابَ عن فِعلٍ مالَ، والثّاني يَفتَحُ المَسلَكَ لِمَن ضُيِّقَ عَلَيه. والمَنشورُ لا يَكتُبُ «على» مَعَ الحَرَجِ حتّى يُقابَلَ بِـ«لا جُناحَ». مَفتوح.

مَواضِعُ هذا المَفهومِ في القرآن