النساء · الآية 65

﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا

«فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ»: قَسَمٌ يَحُفُّه نَفيان

تَصِلُ الفاءُ هذه الآيةَ بِما قَبلَها، ثُمَّ يَأتي نَفيٌ فقَسَمٌ فنَفيٌ ثانٍ: «فلا ورَبِّكَ لا يُؤمِنون»، فالقَسَمُ مَحفوفٌ بِالنَّفيِ من جانِبَيه. ويَحتَمِلُ النَّفيُ الأوَّلُ أن يَكونَ رَدّاً لِما ادَّعاه القَومُ في الآيةِ السِّتّين: يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا﴾، ويَحتَمِلُ أن يَكونَ تَوطِئةً تُقَدِّمُ النَّفيَ قَبلَ القَسَمِ ثُمَّ تُعيدُه بَعدَه فيَشتَدّ، والعِبارةُ تَحمِلُ الوَجهَين مَعاً. والمُقسَمُ بِه «رَبُّكَ»، والرَّبُّ من ر-ب-ب مَن يَرعى ما في كَنَفِه ويُصلِحُه حتّى يَستَوي، فاللهُ يُقسِمُ بِنَفسِه من جِهةِ رِعايَتِه لِلمُخاطَب، وهو المُخاطَبُ نَفسُه الذي يُطلَبُ حَكَماً في ما يَلي، فالقَسَمُ يَربِطُ الحُكمَ المَطلوبَ بِمَن يَرعاه اللهُ ويَتَعَهَّدُه.

و«لا يُؤمِنونَ» نَفيٌ لِلإيمانِ بِالمُضارِع، والإيمانُ من أ-م-ن، أمانٌ يَستَقِرُّ في الباطِنِ ثُمَّ يَخرُجُ من صاحِبِه ثِقةً يُعطيها ويَأمَنُ بِها غَيرُه. والآيةُ تَقيسُه هُنا بِما يَفعَلُه أصحابُه عِندَ الخُصومة: ثَلاثةُ أفعالٍ تَأتي بَعدَ «حتّى»، فهو ثِقةٌ تُمتَحَنُ حينَ يَشتَبِكُ الأمرُ بَينَ النّاس.

«حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ»: فَصلٌ في ما اشتَبَك

و«حتّى» تَجعَلُ لِلنَّفيِ غايةً يَنتَهي عِندَها، وأوَّلُ ما يُطلَبُ عِندَها «يُحَكِّموك». والحُكمُ من ح-ك-م، إمساكٌ ضَيِّقٌ يَمنَعُ الأمرَ أن يَتَفَلَّت، ومنه «حَكَمةُ» الدّابّةِ تَرُدُّها عن الجِماح. و«حَكَّمَه» على التَّفعيل: جَعَلَه صاحِبَ هذا الإمساكِ في أمرِه، فهُم يَختارونَ المُخاطَبَ حَكَماً ويَضَعونَ الأمرَ بَينَ يَدَيه. وفي الجِذرِ نَفسِه وُصِفَ القَومُ في الآيةِ السِّتّينَ بِأنَّهُم يُريدونَ أن «يَتَحاكَموا» إلى الطّاغوت، و«التَّحاكُمُ» على التَّفاعُل: يَأخُذُ فيه كُلُّ فَريقٍ صاحِبَه إلى مَن يَحكُم، فالآيةُ تَنقُلُ الجِذرَ من تَحاكُمٍ يَقصِدونَ بِه الطّاغوتَ إلى تَحكيمٍ يَجعَلونَ فيه المُخاطَبَ هو الحَكَم.

و«فيما شَجَرَ بَينَهُم» يُسَمّي مَوضِعَ الحُكم. والجِذرُ ش-ج-ر فُروعٌ تَنتَشِرُ من أصولٍ شَتّى ثُمَّ تَلتَقي ويَشتَبِكُ بَعضُها بِبَعض، ومنه «الشَّجَر» تَتَداخَلُ أغصانُه، و«شَجَرَ الأمرُ بَينَهُم» إذا اختَلَطَ واشتَبَك، و«التَّشاجُر» التَّنازُع. فالخُصومةُ في الآيةِ مُسَمّاةٌ بِصورةِ أغصانٍ نَبَتَ كُلٌّ مِنها من جِهةٍ ثُمَّ التَفَّ بَعضُها على بَعضٍ حتّى عَسُرَ على أصحابِها فَكُّها. و«بَينَهُم» تَضَعُ هذا الاشتِباكَ في المَسافةِ التي بَينَ الفَريقَين، و«ما» تُطلِقُه فيَعُمُّ كُلَّ ما اشتَبَكَ بَينَهُم، والحَكَمُ مَطلوبٌ لِيَفصِلَ ما عَسُرَ عَلَيهِم فَصلُه.

«ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ»: ضيقٌ يُفَتَّشُ عَنه في الداخِل

ثُمَّ تَنتَقِلُ الآيةُ بِـ«ثُمَّ» من الفِعلِ الظّاهِرِ إلى ما في الباطِن، و«ثُمَّ» تَدُلُّ على مَسافةٍ بَينَ الخُطوَتَين: أن يَرفَعوا الأمرَ إلى الحَكَمِ شَيء، وألّا يَجِدوا في أنفُسِهِم ضيقاً من حُكمِه شَيءٌ أبعَدُ مِنه. والحَرَجُ من ح-ر-ج، ضيقٌ يَنحَبِسُ في الجَوفِ مَستوراً لا مَنفَذَ لَه، ومنه «الحَرَجة» لِلشَّجَرِ المُلتَفِّ الذي لا يُسلَكُ فيه. فصورةُ الشَّجَرِ المُلتَفِّ تَجمَعُ الجِذرَين: ما «شَجَرَ» بَينَهُم من أمرٍ مُلتَفٍّ يُشتَرَطُ ألّا يُخَلِّفَ في أنفُسِهِم «حَرَجاً» مُلتَفّاً مِثلَه، فالعُقدةُ التي قُطِعَت في الخارِجِ لا يَنبَغي أن تَبقى مَعقودةً في الداخِل.

و«في أنفُسِهِم» تُعيدُ الكَلِمةَ التي قالَت فيها الآيةُ الرّابِعةُ والسِّتّون «ظَلَموا أنفُسَهُم»، فالنَّفسُ التي يَقَعُ عَلَيها الظُّلمُ هي نَفسُها المَوضِعُ الذي يُوزَنُ فيه القَضاء. و«يَجِدوا» فِعلُ لِقاء، وهو الفِعلُ الذي خُتِمَت بِه الآيةُ قَبلَها: هُناكَ لو جاءوا «لَوَجَدوا» اللهَ تَوّاباً رَحيماً، وهُنا يُشتَرَطُ ألّا «يَجِدوا» في أنفُسِهِم حَرَجاً. و«مِمّا قَضَيتَ» تُسَمّي مَصدَرَ الضّيقِ المَنفيّ: القَضاء، من ق-ض-ي، قَطعٌ حاسِمٌ يَقَعُ على المُحتَبِسِ المَضغوطِ فيَفُكُّه ويَمضي بِه إلى آخِرِه، فهو الفِعلُ الذي يَقطَعُ ما شَجَرَ ويُنهيه. وقد اقتَرَنَ الحَرَجُ بِنَفيِ الإيمانِ في مَوضِعٍ آخَرَ من الكِتاب: يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ في الأنعام، وخِتامُ آيَتِها عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.

«وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا»: تَسليمٌ يَبلُغُ تَمامَه

والفِعلُ الثّالِثُ «ويُسَلِّموا»، مَعطوفٌ على ما قَبلَه تَحتَ «حتّى» نَفسِها، فالنَّفيُ قائمٌ حتّى تَجتَمِعَ الأفعالُ الثَّلاثة. والتَّسليمُ من س-ل-م، شَيءٌ يَنتَقِلُ مُنساباً بِلا عائقٍ حتّى يَصيرَ في حَوزِ غَيرِه كامِلاً سَليماً، ومنه «سَلَّمَ الشَّيءَ» دَفَعَه إلى صاحِبِه لم يَنقُصْ مِنه شَيء، و«السَّلامة» خُلوصُ الشَّيءِ من العَيب. فهُم يَدفَعونَ الأمرَ الذي شَجَرَ كُلَّه إلى القَضاءِ الذي فَصَلَ فيه، ولا يُمسِكونَ مِنه طَرَفاً، وأُكِّدَ الفِعلُ بِمَصدَرِه «تَسليماً» فجاءَ التَّسليمُ تامّاً لا شَوبَ فيه. وبِهذا التَّرتيبِ تَقيسُ الآيةُ الإيمانَ في ثَلاثِ طَبَقات: فِعلٌ في الخارِجِ هو رَفعُ الأمرِ إلى الحَكَم، وحالٌ في الباطِنِ هي خُلُوُّ النَّفسِ من الضّيق، ثُمَّ تَسليمٌ يَجمَعُ الظّاهِرَ والباطِن. ويَحضُرُ المُخاطَبُ في الآيةِ ثَلاثَ مَرّات: «ورَبِّكَ» و«يُحَكِّموكَ» و«قَضَيتَ»، فالقَسَمُ بِرَبِّه، والحُكمُ يُرفَعُ إلَيه، والقَضاءُ قَضاؤُه.


حَصيلة

تُقسِمُ الآيةُ بِرَبِّ المُخاطَبِ قَسَماً يَحُفُّه نَفيانِ على أنَّ الإيمانَ لا يَثبُتُ لِلقَومِ حتّى تَجتَمِعَ ثَلاثة: أن يَجعَلوا المُخاطَبَ حَكَماً في ما اشتَبَكَ بَينَهُم كَما تَشتَبِكُ فُروعُ الشَّجَر، ثُمَّ ألّا يَجِدوا في أنفُسِهِم ضيقاً مُلتَفّاً من قَضائه الذي يَقطَعُ ذلك الاشتِباك، ثُمَّ أن يُسَلِّموا الأمرَ تَسليماً تامّاً. فالحُكمُ يُطلَبُ في الخارِج، والرِّضا بِه يُفَتَّشُ عَنه في الداخِل، والتَّسليمُ يَجمَعُهُما، والنَّفسُ التي يَقَعُ عَلَيها الظُّلمُ في الآيةِ قَبلَها هي المَوضِعُ الذي يُعرَفُ فيه صِدقُ الإيمان.