الافتِراء
قَدُّ المادّةِ بِيَدٍ تُمسِكُ وتُوَجِّه، حَتّى تَستَوِيَ هَيئةً لَم يَأتِ بِها مَصدَرُها، ثُمَّ تُطرَحَ على غَيرِ صانِعِها.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
- ف: شَقٌّ وانفِتاحٌ ضَيِّق.
شِحنَتُه: شَقٌّ يُفَرِّقُ ويُبعِد.
- ر: لَمسةٌ ماسِكةٌ مَعَ جَريانٍ مُستَرسِل.
شِحنَتُه: لَمسةٌ ماسِكةٌ تَجري ولا تُفلِت.
- ي: امتِدادٌ ولِينٌ وسَريان.
شِحنَتُه: امتِدادٌ لَيِّنٌ يَسري.
النَّواةُ فر (ف + ر) = شَقٌّ ضَيِّقٌ تُمسِكُه اليَدُ فتُوَجِّهُه: قَدٌّ مَقصودٌ لا تَمزيقٌ عابِر. والإغلاقُ بـي يَمُدُّ المَقدودَ ويُلَيِّنُه حَتّى يَستَوِيَ على هَيئة، فيَصيرُ الجَذرُ: قَدُّ المادّةِ وتَشكيلُها هَيئةً جَديدة.
ومنه في كَلامِ العَرَب: فَرى الأديمَ قَدَّهُ على تَقديرٍ يُصلِحُه، وأفراهُ شَقَّهُ على غَيرِ تَقديرٍ فأفسَدَه، والفَرِيَّةُ القِطعةُ تُقتَطَعُ فتوضَعُ في غَيرِ مَوضِعِها.
الشِّحنةُ الجامِعة: صَنعةٌ تَقُدُّ وتُشَكِّل، فيَخرُجُ من يَدِ صاحِبِها ما لَم يَكُن في أصلِ المادّة.
الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن
- يَفْتَرُونَ (مُضارِعُ افتَعَل، جَمعُ الغائِب)، ٣:٢٤: تَجعَلُ
الصَّنعةَ جارِيةً لا تَقِفُ عِندَ حَدّ، وسَبَقَها «ما كانوا» فطالَ زَمَنُها حَتّى صارَت عادة.
- افْتَرَىٰ (ماضي افتَعَل)، ٣:٩٤ و٢٠:٦١: تَعرِضُ الصَّنعةَ عَمَلاً
مُنجَزاً يَحمِلُه صاحِبُه، لا خَطَراً مُبهَماً يُخَوَّفُ مِنه.
- لِتَفْتَرِيَ (مُضارِعٌ مَنصوبٌ بِلامِ التَّعليل)، ١٧:٧٣: تَنقُلُ
الصَّنعةَ من فِعلٍ يَقَعُ إلى غايةٍ تُطلَبُ من غَيرِ صانِعِها.
- تَفْتَرُوا (مُضارِعٌ مَجزومٌ بِالنَّهي)، ٢٠:٦١: تَقطَعُ الصَّنعةَ
قَبلَ وُقوعِها، فتُوضَعُ الكَلِمةُ في مَقامِ المَنعِ لا الوَصف.
ووَزنُ افتَعَل في هذه الصِّيَغِ كُلِّها يَرُدُّ الحَدَثَ على فاعِلِه: يَتَوَلّى الصَّنعةَ لِنَفسِه بِقَصد، ثُمَّ يُعَلِّقُها بِـ«على» على غَيرِه.
الجَذرُ قَبلَ الوَزن: القَدُّ والتَّشكيلُ من الحُروف، والافتِعالُ
يُضيفُ القَصدَ والتَّوَلّي.
الفُروق المَعنويّة
لا فَرعَ مُستَقِلّاً لِهذا الجَذرِ في المَنشور: لا «فَرِيّ» ولا «فِريَة» ولا «مُفتَرىً». والصِّيَغُ الأربَعُ وَجهٌ واحِد، وإنَّما تَختَلِفُ في زَمَنِ الصَّنعةِ ومَوقِعِها من الطَّلَبِ والنَّهي.
وأقرَبُ ما يُجاوِرُه kadhib: الافتِراءُ يَصنَعُ الهَيئة، والكَذِبُ يَصِفُ انقِطاعَها عن الحَقِّ مَعَ إلحاقِها بِمَحَلِّها. ولِذلكَ يُنصَبُ «الكَذِب» مَفعولاً لِلافتِراءِ ولا يَنعَكِسُ الوَضع.
المَواضع: مَواقعُ الكَلِمةِ في المُصحَف (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٣:٢٤ ﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾: مَوضِعُ
الافتِتاح. المُفتَرى مَوصولٌ مُبهَمٌ لا يُسَمّى، ويَقَعُ فاعِلاً لِلغُرور: الصَّنعةُ التي خَرَجَت من أيديهِم عادَت فأخَذَتهُم. وظَرفُها ﴿فِي دِينِهِم﴾، فالمَصنوعُ لا يُعرَضُ خارِجاً بَل يوضَعُ في المَوضِعِ الذي يُرجَعُ إليه. وقَبلَها قَولٌ حَدَّدَ لِلنّارِ ﴿أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ﴾: الهَيئةُ المَقدودةُ حَدٌّ يُصنَعُ لِما لا يَملِكُ صاحِبُ الصَّنعةِ حَدَّه.
- ٣:٩٤ ﴿فَمَنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾: الجَديدُ: الصَّنعةُ تُعَلَّقُ بِـ«على»
فيُسَمّى المَحمولُ عَلَيه، ويُذكَرُ مَفعولُها مُعَرَّفاً بَعدَ أن كانَ مَوصولاً مُبهَماً. والفِعلُ ماضٍ داخِلَ شَرطٍ عامٍّ بِـ«مَن»، فيَنفَتِحُ الحُكمُ لِكُلِّ فاعِلٍ ولا يَلحَقُ جَماعةً بِاسمِها. وقَيدُ ﴿مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ﴾ يَجعَلُ الصَّنعةَ واقِعةً بَعدَ بَيانٍ سَبَقَها، فلا تَقَعُ في فَراغ.
- ١٧:٧٣ ﴿لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ﴾: الجَديدُ: الافتِراءُ
يُطلَبُ من غَيرِ صاحِبِه، فلامُ التَّعليلِ تَجعَلُه غايةَ فِتنةٍ تُدارُ حَولَ واحِدٍ بِعَينِه، والمَطلوبُ بَديلٌ يُصنَعُ لا سُكوتٌ يُلتَزَم. و«عَلَيْنَا» تَحمِلُ المَصنوعَ على غَيرِ صانِعِه بِأظهَرِ إسناد، والمُنَحّى عنه مَوصوفٌ بِمَجيئِه في مَجرىً واحِدٍ ﴿أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾: فالمُقابَلةُ بَينَ ما يَنزِلُ وما يُقَدُّ بِاليَد.
- ٢٠:٦١ ﴿لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ…وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَىٰ﴾: الجَديدُ: أوَّلُ نَهيٍ عن
الجَذر، وأوَّلُ مَوضِعٍ تَجتَمِعُ فيه صيغَتانِ في سَطرٍ واحِد: نَهيٌ يَسبِقُ الوُقوع، وماضٍ مَفروغٌ مِنه. ونُكِّرَ المَفعولُ بَعدَ أن عُرِّفَ من قَبل، فاتَّسَعَ لِكُلِّ صَنعة. وجَوابُ النَّهيِ سَحتٌ لا يُبقي، ثُمَّ يُرفَعُ الكَلامُ إلى مَوصولٍ عامٍّ بِلا مُخاطَب: الخَيبةُ تَلحَقُ الصّانِعَ نَفسَه لا مَصنوعَه.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
kadhib: ٣:٩٤ تَنصِبُ «الْكَذِبَ» مَفعولاً لِلافتِراء: الصَّنعةُ
تُنتِجُ الهَيئةَ والكَذِبُ اسمُ ما أُنتِج.
ghurur: ٣:٢٤ تَجعَلُ المَصنوعَ فاعِلَ الغُرورِ في صاحِبِه، فما
قُدَّ بِاليَدِ يَعودُ فيَأخُذُ يَدَ قادِّه.
awha: ١٧:٧٣ تُقابِلُ بَينَ ما يَنزِلُ في مَجرىً واحِدٍ وما
يُصنَعُ بَديلاً عَنه.
dhulm: ٣:٩٤ تَجعَلُ الظُّلمَ وَصفاً لازِماً لِمَن افتَرى بَعدَ
البَيان، فالوَصفُ يَتَوَلَّدُ من الصَّنعةِ ولا يَسبِقُها.
khulla: ١٧:٧٣ تَعرِضُ الخُلّةَ ثَمَناً لِلصَّنعةِ المَطلوبة.
الإشكالات المَفتوحة
- لِمَ يُعَدّى الافتِراءُ بِـ«على» دونَ سِواها؟ المَوقِفُ من
الحُروف: الجَذرُ يُنتِجُ هَيئةً قائِمةً بِنَفسِها، والهَيئةُ إذا فُرِغَ مِنها احتاجَت مَحَلّاً تُطرَحُ عَليه، فـ«على» تَضَعُ المَصنوعَ فَوقَ مَن لَم يَصنَعه. ولِذلكَ لَم يَجِئ في المَنشورِ «افتَرى لَه» ولا «افتَرى بِه».
- هل الافتِراءُ قَولٌ أم عَمَل؟ المَواضِعُ تُنَبِّهُ إلى الوَجهَين:
٢٠:٦١ يَنهى عَنه في مَقامِ قَولٍ يُقال، و١٧:٧٣ يَطلُبُه بَديلاً عن مُنَزَّل. والحُروفُ تُعطي عَمَلاً يُنتِجُ شَيئاً، فالقَولُ فيه مادّةٌ تُقَدُّ لا صَوتٌ يَمُرّ.