الغُرور

ghurur جذر · غ-ر-ر 5 مَواضِعَ في القرآن
التَّعريف الجَذريّ
سِترٌ كَثيفٌ رَخوٌ لا يَقطَعُ ما يَستُرُه، ثُمَّ جَريانٌ خَفيفٌ يَتَكَرَّر. لَيسَ الغُرورُ كَذِباً يُقالُ ولا حُفرةً تُحفَر، بَل سَطحٌ صادِقٌ لا يَزالُ يَتَحَرَّكُ حتّى يَشغَلَ مَكانَ ما وَراءَه. ولِذلك لا يُسَمّي المُصحَفُ المَنشورُ بِهذا الجَذرِ غارّاً من النّاسِ قَطُّ: الذي غَرَّ في المَواضِعِ السِّتّةِ شَيءٌ أو حال، فِريةٌ افتَرَوها، ومَتاعٌ يُنتَفَعُ بِه، وتَقَلُّبٌ في البِلاد، ووَعدٌ لا يوفى في مَوضِعَين، وشَيءٌ لا يُسَمّى يُسأَلُ عَنه في ٨٢:٦.

تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر

  • غ :: غَؤورٌ في أقصى الحَلقِ يَعقِدُ غِطاءً رَخواً كَثيفاً **يَستُرُ

المَجرى ولا يَقطَعُه**، ووَجهُه في القانونِ السَّترُ والتَّغطيةُ بِالكَثافة. فالمَبدَأُ حِجابٌ يَحجُبُ ولا يَمنَع.

  • ر :: خَفَقاتٌ مُتَوالِياتٌ خَفيفاتٌ لِطَرَفِ اللِّسان، كُلُّ خَفقةٍ

لَمسةٌ ماسِكةٌ عابِرة، والنَّفَسُ يَجري من تَحتِها جَرَياناً مُستَرسِلاً لا يَحتَبِس. فالوَسَطُ جَريانٌ خَفيفٌ لا يَقِف.

  • ر ثانِيةً :: والجَذرُ يُعيدُ الحَرفَ نَفسَه فيُعيدُ الجَريان،

والتَّكرارُ والتَّردُّدُ أحَدُ وُجوهِ الرّاءِ في القانون. فالمُنتَهى سَطحٌ لا يَكُفُّ عن الحَرَكة.

فالتَّركيبُ: حِجابٌ لا يَقطَع، فجَريانٌ خَفيف، فجَريانٌ ثانٍ. وهذه ثَلاثُ خَصائِصَ لا تُوجَدُ في الكَذِبِ ولا في الخِداع: أنَّ الغُرورَ لا يُنشِئُ شَيئاً، وأنَّه لا يَمنَعُ النَّظَر، وأنَّه يَعمَلُ بِالحَرَكةِ لا بِالقَول.

وما تَدفَعُه هذه القِراءة، ثَلاثةُ أشياءَ لا يُعطيها السَّطح:

أوَّلاً، لِمَ لم يَقَعِ الجَذرُ فاعِلاً عاقِلاً في مَوضِعٍ واحِد. لَيسَ في الغَينِ ولا في الرّاءِ قَصدٌ ولا إرادة: الغَينُ غِطاءٌ والرّاءُ جَريان، وكِلاهُما وَصفُ سَطحٍ لا وَصفُ نِيّة. فالجَذرُ يُسَمّي حالاً تَقَعُ، لا فِعلاً يُنوى. والمُصحَفُ المَنشورُ يوافِقُ هذا في سِتّةٍ من سِتّة: الفاعِلُ مَوصولٌ («مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ»)، ومُضافٌ إلَيهِ في تَركيبٍ اسمِيٍّ («مَتَاعُ الْغُرُورِ»)، ومَصدَرٌ («تَقَلُّبُ»). ورابِعٌ وخامِسٌ هُما اللَّفظُ نَفسُه مَصدَراً لِما يوعَدُ بِه (٤:١٢٠ و١٧:٦٤)، وسادِسٌ فاعِلُه ضَميرُ اسمِ استِفهامٍ لا يُسَمّي شَيئاً (٨٢:٦). ولا واحِدَ منها عاقِلٌ في مَوقِعِ الفاعِل. وفي الرّابِعِ والخامِسِ واعِدٌ قاصِدٌ مُسَمّى، ومَعَ ذلك لم يُنسَبْ إلَيهِ الفِعلُ من هذا الجَذر، بَل نُسِبَ إلَيهِ الوَعدُ وسُمِّيَ حاصِلُه غُروراً. فبَقِيَ الجَذرُ اسماً لِما يَقَعُ لا لِما يُنوى، وصَحَّ مَعَ ذلك أن يَكونَ الواقِعُ حاصِلَ قَصدِ قاصِد.

ثانِياً، لِمَ لا يَعمى المَغرور. القانونُ يَنُصُّ على أنَّ غِطاءَ الغَينِ يَستُرُ المَجرى ولا يَقطَعُه. فالغُرورُ لا يَصنَعُ شَيئاً كاذِباً يَراهُ صاحِبُه: المَتاعُ مَتاعٌ حَقّاً، والتَّقَلُّبُ واقِعٌ حَقّاً، بَل يَضَعُ صادِقاً صَغيراً في مَوضِعِ ما هو أكبَرُ منه. ولِذلك لم تَنفِ ٣:١٨٥ عن الدُّنيا أن تَكونَ مَتاعاً، وإنَّما حَصَرَتها فيه بِـ«ما... إلّا». فالخَلَلُ في المِقدارِ لا في الرُّؤية.

ثالِثاً، لِمَ ضوعِفَتِ الرّاء. لِأنَّ السّاكِنَ يُتَجاوَزُ والجاريَ يُتبَع. والمَوضِعُ الثّالِثُ يُسَمّي الغارَّ حَرَكةً بِلَفظِها: «تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ». فما احتاجَ الغُرورُ إلى كَذِبٍ، إنَّما احتاجَ إلى ألّا يَقِف.

الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن

سِتّةُ مَواضِعَ في المَنشورِ وأربَعُ صِيَغ، تَتَكَرَّرُ مِنها اثنَتان:

  • الماضي الثُّلاثيُّ المُجَرَّد «وَغَرَّهُمْ» (٣:٢٤): مُتَعَدٍّ

بِنَفسِه، وفاعِلُه مُؤَخَّرٌ إلى آخِرِ الآية. ويَتَكَرَّرُ في ٨٢:٦ خِطاباً لِلإنسانِ فاعِلُه اسمُ استِفهام.

  • المَصدَرُ مُعَرَّفاً مُضافاً إلَيه «الْغُرُورِ» (٣:١٨٥): وهو

الوَجهُ الاسمِيُّ الوَحيدُ في المُسَجَّل.

  • المُضارِعُ المُؤَكَّدُ بِالنّونِ الثَّقيلةِ بَعدَ «لا» النّاهِية

«يَغُرَّنَّكَ» (٣:١٩٦): والنَّهيُ في اللَّفظِ مُتَوَجِّهٌ إلى الغارّ.

  • المَصدَرُ نَكِرةً مَنصوباً «غُرُورًا» (٤:١٢٠ و١٧:٦٤): يَقَعُ بَعدَ

«إلّا» في مَوقِعِ المَوعودِ بِه، وهو الوَجهُ الوَحيدُ الذي يَكونُ فيه اللَّفظُ مَحضَ مَصدَرٍ لا مُسنَدَ فيه ولا مُسنَدَ إلَيه.

ولا يَرِدُ من الجَذرِ اسمُ فاعِلٍ ولا اسمُ مَفعولٍ في السُّوَرِ المَنشورة، فلَيسَ فيها «الغَرور» ولا «المَغرور». وثَلاثةُ المَواضِعِ الأولى في سورةِ آلِ عِمرانَ مُتَتابِعة، والرّابِعُ في النِّساء، والخامِسُ في الإسراءِ بِلَفظِ الرّابِع، والسّادِسُ في المُفَصَّلِ المَنشورِ (٨٢:٦)، ولا يَخرُجُ الجَذرُ إلى البَقَرةِ ولا إلى يس.

والصِّيَغُ الثَّلاثُ في آلِ عِمرانَ تَتَدَرَّجُ في الإسنادِ لا في المَعنى: خَبَرٌ عن غائِبينَ («غَرَّهُمْ»)، ثُمَّ حُكمٌ عامٌّ بِلا مُخاطَبٍ ولا فاعِلٍ مَذكور، ثُمَّ خِطابٌ لِواحِدٍ بِكافٍ («يَغُرَّنَّكَ»). فيَقتَرِبُ الجَذرُ من القارِئِ مَوضِعاً بَعدَ مَوضِع. ثُمَّ يَعودُ في النِّساءِ والإسراءِ مَصدَراً مَحضاً، فيَخرُجُ من الإسنادِ كُلِّه بَعدَ أن استَوفى وُجوهَه، ويَرجِعُ إلَيه في ٨٢:٦ فِعلاً يُسأَلُ عن فاعِلِه.

الفُروق المَعنويّة: مَفاهيمُ مُجاوِرةٌ من جُذورٍ أُخرى

  • kufr (الكُفر، ك-ف-ر): وهو أقرَبُ الجُذورِ إلى هذا، فكِلاهُما

تَغطِية. والفَرقُ في مَوقِعِ الإنسان: الكافِرُ فاعِلُ السَّترِ يُغَطّي ما عَرَف، والمَغرورُ مَفعولُه يُغَطّى علَيه. واجتِماعُهُما مَنصوصٌ في ٣:١٩٦: الذي يَغُرُّ تَقَلُّبُ «الَّذِينَ كَفَرُوا»، فتَصيرُ تَغطِيَتُهُم على أنفُسِهِم سِتراً على غَيرِهِم.

  • khida3 (الخِداع، خ-د-ع): والخِداعُ إنشاءُ تَجويفٍ باطِنيٍّ

يُقَدَّمُ لِلخارِجِ بِسَطحٍ مُغايِر، فلا بُدَّ فيه من خادِعٍ يَحفِر. والغُرورُ لا حافِرَ لَه في المُسَجَّل. ولِذلك صَحَّ في ذاكَ الجَذرِ «يُخَادِعُونَ» بِفاعِلٍ عاقِلٍ ومَفعولٍ، ولم يَصِحَّ في هذا فاعِلٌ عاقِلٌ مَرّةً واحِدة.

  • lubs (اللَّبس، ل-ب-س): واللَّبسُ إلباسُ ثَوبٍ يُخفي الهَيئةَ

فيَعجِزُ النّاظِرُ عن التَّمييز. فاللَّبسُ يُفسِدُ التَّمييزَ نَفسَه، والغُرورُ لا يُفسِدُه: المَغرورُ يُميِّزُ ما يَرى تَمييزاً صَحيحاً، وإنَّما يُخطِئُ في المِقدار. ولِذلك يُجابُ اللَّبسُ بِبَيانٍ ويُجابُ الغُرورُ بِمِقياس.

  • batil (الباطِل، ب-ط-ل): والباطِلُ ما لا أصلَ لَه فيَذهَبُ

هَباءً. والذي يَغُرُّ في مَوضِعَينِ من السِّتّةِ لَيسَ باطِلاً: المَتاعُ ثابِتٌ ما دام، والتَّقَلُّبُ واقِعٌ يُرى. وأمّا ٣:٢٤ فالمَغرورُ بِه فِريةٌ، فيَجتَمِعُ الوَصفانِ هُناكَ ويَفتَرِقانِ فيما بَعدَه. فالغُرورُ لا يَقتَضي بُطلانَ ما يَغُرُّ بِه.

  • amaniy (الأماني، م-ن-ي): والأمنِيّةُ رَغبةٌ تَنبَعِثُ من

الباطِنِ ولا تَجِدُ سَبيلاً إلى التَّحقيق، فمَصدَرُها الدّاخِل. والغُرورُ مَصدَرُه سَطحٌ خارِجٌ يَجري. ويَلتَقِيانِ في ٣:٢٤، حَيثُ كانَ الغارُّ فِريةَ القَومِ أنفُسِهِم، فصارَ الخارِجُ مَصنوعَ الدّاخِل، وفي ٤:١٢٠ حَيثُ يَعِدُ الشَّيطانُ ويُمَنّي، فيُبعَثُ الدّاخِلُ من الخارِج.

  • mata3 (المَتاع، م-ت-ع): والمَتاعُ ما يُنتَفَعُ بِه مُؤَقَّتاً

ثُمَّ يَنتَهي، فهو اسمٌ لِما الشَّيءُ عَلَيه في نَفسِه. والغُرورُ اسمٌ لِما يَفعَلُه ذلك الشَّيءُ في النّاظِر. ولِذلك أُضيفَ أحَدُهُما إلى الآخَرِ في ٣:١٨٥ ولم يُستَغنَ بِأحَدِهِما.

  • mira2 (المِراء، م-ر-ي): وكِلا الجَذرَينِ يُسَمّي مَوطِئاً

كاذِباً، لكنَّ الغُرورَ يَأتي من ظاهِرٍ يَجري، والمِراءَ يَنشَأُ في الباطِنِ بِمَسٍّ يَتَكَرَّر. وجَوابُ كُلٍّ منهُما في المُصحَفِ من جِنسِه: الغُرورُ يُجابُ بِمِقدارٍ («مَتَاعٌ قَلِيلٌ» في ٣:١٩٧)، والمِراءُ يُجابُ بِمَصدَرٍ («الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ»).

المَواضع: مَواقعُ الغُرورِ في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)

  • ٣:٢٤ ﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾: قاعِدةُ البَيت. الجَديدُ: يَدخُلُ الجَذرُ المُسَجَّلَ فِعلاً ماضِياً تامّاً، ويُنَصُّ على مَوضِعِ الغُرورِ نَصّاً: «فِي دِينِهِم»، أي في المَوطِنِ الذي يَحسَبُ الرَّجُلُ نَفسَه فيه أأمَنَ ما يَكون. والغارُّ ما صَنَعوهُ هُم، فالسِّترُ مَنسوجٌ بِأيديهِم لا مُلقًى علَيهِم. ونَظمُ الجُملةِ يُؤَخِّرُ الفاعِلَ إلى آخِرِها، فتَلقى الفِعلَ قَبلَ أن تَعلَمَ ما فَعَلَه. وما افتَرَوهُ مَذكورٌ قَبلَه: «لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ»، وهو عَدَدٌ لا إنكار: النّارُ مُقَرَّرةٌ والمَسُّ مُقَرَّرٌ، والمُقتَطَعُ هو المُدّة. فأوَّلُ غُرورٍ في المُسَجَّلِ تَقصيرُ مِقدارٍ لا نَفيُ شَيء، وهو بِعَينِه حِجابٌ يَستُرُ ولا يَقطَع. انظُر din وnar وkufr.
  • ٣:١٨٥ ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾: الاسمُ وَصفاً لِلدُّنيا بَعدَ ذِكرِ المِقدارِ الصَّحيح. الجَديدُ: يَنتَقِلُ الجَذرُ من فِعلٍ وَقَعَ بِقَومٍ إلى اسمٍ يوصَفُ بِه الدَّهرُ كُلُّه، ولا يُذكَرُ لَه فاعِلٌ ولا مَفعول. والتَّسمِيةُ لا تَجيءُ إلّا بَعدَ أن تَستَوفيَ الآيةُ المِقياسَ: «كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ»، ثُمَّ تَوفِيةُ الأُجورِ يَومَ القِيامة، ثُمَّ «فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ». فلَمّا تَمَّ المِقياسُ سُمِّيَ ما دونَه. والأداةُ «ما... إلّا» قَصرٌ لا إبطال: الحَياةُ مَتاعٌ حَقّاً، والدَّعوى أنَّها لَيسَت سِواه. وقابِلْ بَينَها وبَينَ ٣:٢٤: هُناكَ اقتُطِعَ المِقدارُ فوَقَعَ الغُرور، وهُنا رُدَّ المِقدارُ فسُمِّيَ الغُرورُ بِاسمِه. انظُر dinaa وhayat وmata3 وmawt وfawz.
  • ٣:١٩٦ ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ﴾: النَّهيُ مُوَجَّهٌ إلى الغارِّ لا إلى المَغرور. الجَديدُ: يَخرُجُ الجَذرُ من الخَبَرِ إلى الخِطاب، ويُنهى في اللَّفظِ الشَّيءُ لا الرَّجُل: الفِعلُ مُسنَدٌ إلى «تَقَلُّبُ» والكافُ مَفعولٌ بِه، فظاهِرُ الأمرِ أن يَمتَنِعَ الغارُّ عن الغُرور. وهذا النَّظمُ هو صورةُ الجَذرِ نَفسِه: الحِجابُ لا يُؤمَرُ بِأن يَكُفَّ، فما بَقِيَ إلّا ألّا يوقَفَ تَحتَه. والغارُّ هُنا في أرَقِّ صُوَرِه: لا فِريةَ ولا قَولَ ولا دَعوى، بَل قَومٌ يَتَقَلَّبونَ في البِلادِ فَحَسب، فيَظهَرُ أنَّ الجَذرَ لا يَحتاجُ إلى كَذِبٍ لِيَعمَل. والمُخاطَبُ أبعَدُ النّاسِ عن أن يُغَرَّ، فيُعلَمُ أنَّ الغُرورَ لَيسَ نَقصَ عِلمٍ عِندَ المَغرور. وتَتلوها ٣:١٩٧ بِالمِقدارِ: «مَتَاعٌ قَلِيلٌ»، فيُقاسُ الشَّيءُ الواحِدُ مَرَّتَين، مَرّةً بِأثَرِه في النّاظِرِ ومَرّةً بِقَدرِه في نَفسِه. انظُر qalb وbalad وkufr وmata3.
  • ٤:١٢٠ ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾: المَصدَرُ نَكِرةٌ مَنصوبٌ بَعدَ «إلّا» في حَصرٍ يَقَعُ على وَعدِ الشَّيطان، وقَبلَه وَعدٌ وتَمنِيةٌ بِفِعلَينِ جارِيَين. الجَديدُ: يَصيرُ الغُرورُ مَضمونَ وَعدٍ يُسَمّى صاحِبُه، فلا يُسَمّى بِه فِعلٌ وَقَعَ (٣:٢٤) ولا مَتاعٌ توصَفُ بِه الدُّنيا (٣:١٨٥) ولا تَقَلُّبٌ يُنهى أن يَغُرّ (٣:١٩٦)، ويُسَمّى بِه ما يُعطى في الوَعدِ نَفسِه. والحَصرُ يَنفي أن يَكونَ في وَعدِ الشَّيطانِ شَيءٌ غَيرُه، والتَّمنِيةُ قَبلَه تُمِدُّه بِصُوَرٍ تَمتَدُّ إلَيها الرَّغبة، فالسِّترُ الرَّخوُ الذي يَقولُه الجَذرُ يُنسَجُ من وَعدٍ وأُمنيّة. انظُر الشَّيطان.
  • ١٧:٦٤ ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾: اللَّفظُ مَصدَراً لِما يوعَدُ بِه. الجَديدُ: يَعودُ الجَذرُ مَصدَراً نَكِرةً مَنصوباً بَعدَ «إلّا» بِاللَّفظِ الذي وَقَعَ في ٤:١٢٠، فلا يُسَمّي فِعلاً وَقَعَ ولا ذاتاً فَعَلَت بَل يُسَمّي ما وُعِدوه. ويَتَقَدَّمُه في الآيةِ نَفسِها تَعدادُ ما يُستَفَزُّ بِه، صَوتٌ وخَيلٌ ورَجِلٌ ومُشارَكةٌ في الأموالِ والأولاد، وكُلُّها واقِعٌ يُباشَرُ ويُرى، ثُمَّ يُختَمُ بِ«وَعِدْهُمْ» وَحدَها وهي التي لا تَحضُر. فيُقابَلُ في نَظمٍ واحِدٍ ما يَقَعُ بِما يوعَدُ، ويُسَمّى الثّاني بِهذا الجَذر. وهو مُوافِقٌ لِلحُروف: حِجابٌ لا يَقطَعُ ما وَراءَه، فالمَوعودُ بِه مَعقولٌ مُتَصَوَّرٌ لا مُنكَر، وجَريانٌ لا يَقِف، فالوَعدُ يُعادُ ولا يَحُلّ. والمَوضِعُ يُقَيِّدُ ما تَقَدَّمَ ولا يَنقُضُه، كَما قَيَّدَه ٤:١٢٠: الواعِدُ هُنا مُسَمّىً قاصِد، فالغُرورُ يَصلُحُ أن يَكونَ حاصِلَ قَصدِ قاصِدٍ وإن لم يَكُنِ اللَّفظُ اسماً لِلقَصد. انظُر kufr وamaniy.

التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى

  • مَعَ din في ٣:٢٤: وdin مُسَجَّلٌ على هذه الآيةِ من قَبل،

فيَقرَأُ الإطارَ الذي وَقَعَ الغُرورُ داخِلَه، ويَقرَأُ هذا المَفهومُ ما دَخَلَ الإطار. والفائِدةُ في اجتِماعِهِما: أنَّ الدِّينَ لَيسَ حِمًى من الغُرور، بَل هو المَوضِعُ الذي نَصَّت الآيةُ على وُقوعِه فيه.

  • مَعَ mata3 في ٣:١٨٥ و٣:١٩٧: وmata3 مُسَجَّلٌ على ٣:١٩٧ لا

على ٣:١٨٥. فالكَلِمةُ الواحِدةُ مَوزونةٌ في المُدَوَّنةِ مَرَّتَين، مَرّةً مَنسوبةً إلى الغُرورِ ومَرّةً مَوصوفةً بِالقِلّة، والمَفهومانِ يَقتَسِمانِ المَوضِعَين.

  • مَعَ dinaa في ٣:١٨٥ و٣:١٩٦: وdinaa مُسَجَّلٌ على المَوضِعَينِ

كِلَيهِما، وهو الوَحيدُ الذي يَجمَعُهُما قَبلَ هذا المَفهوم. وdinaa يَقرَأُ الرُّتبةَ (ما هو أدنى)، وهذا المَفهومُ يَقرَأُ الأثَرَ (ما يَفعَلُه الأدنى بِمَن يَنظُرُ إلَيه).

  • مَعَ kufr في ٣:١٩٦: المَفهومانِ يَقرَآنِ تَغطِيَتَينِ في آيةٍ

واحِدة، إحداهُما فِعلُ القَومِ في أنفُسِهِم والأُخرى أثَرُ حَرَكَتِهِم في غَيرِهِم.

  • مَعَ mira2 في بِناءِ المُدَوَّن: المَفهومانِ لا يَلتَقِيانِ في

آيةٍ واحِدة، والتِقاؤُهُما في القِسمة: هذا يُسَمّي المَوطِئَ الكاذِبَ الآتيَ من خارِج، وذاكَ يُسَمّي المَوطِئَ الذي يَصنَعُه صاحِبُه في نَفسِه.

الإشكالات المَفتوحة

  • لِمَ لم يَرِدْ لِلجَذرِ فاعِلٌ عاقِلٌ في المُسَجَّل؟ الاطِّرادُ

تامٌّ في سِتّةٍ من سِتّةٍ في المَنشور، وهو عَدَدٌ صَغير. وأقرَبُ ما نازَعَه ٤:١٢٠ و١٧:٦٤، إذ الواعِدُ فيهِما مُسَمّىً قاصِد، ومَعَ ذلك بَقِيَ اللَّفظُ مَصدَراً لِلمَوعودِ بِه لا فِعلاً مُسنَداً إلَيه. وخارِجَ السُّوَرِ المَنشورةِ يَرِدُ «الغَرور» مَوصوفاً بِه، فمَتى سُجِّلَت تِلكَ السُّوَرُ وَجَبَ النَّظَر: أيَنقُضُ ذلك الدَّعوى، أم يَبقى الاسمُ وَصفاً غالِباً لا عَلَماً على ذاتٍ فيَستَقيمُ ما هُنا؟ المَسألةُ مَوقوفةٌ على النَّصِّ لا على النَّظَر.

  • «مَتَاعُ الْغُرُورِ»: ما وَجهُ الإضافة؟ تَحتَمِلُ ثَلاثةً:

مَتاعٌ صِفَتُه الغُرور، ومَتاعٌ يُغَرُّ بِه، ومَتاعُ الغارِّ. ورَجَّحَ القِسمِ الرّابِع الأوَّلَ لِأنَّ الجَذرَ لم يَرِدْ في المُسَجَّلِ اسمَ فاعِلٍ البَتّة، فحَملُ المُضافِ إلَيه على الوَصفِ أقرَبُ من حَملِه على ذاتٍ لم تُذكَر. وهذا تَرجيحٌ بِالاستِعمالِ لا نَصّ.

  • ثَلاثةٌ من سِتّةٍ في سورةٍ واحِدة. أهو اتِّفاقٌ في التَّوزيع، أم

خاصّةٌ في سورةٍ مَوضوعُها المُحاجّةُ وتَمييزُ الحَقِّ من مُشابِهِه؟ لا يَحسِمُ المُسَجَّلُ، والعَدَدُ أصغَرُ من أن يُبنى علَيه حُكم. وقد كانَ ثَلاثةً من ثَلاثةٍ يَومَ كُتِبَ المَفهوم، فصارَ ثَلاثةً من أربَعةٍ بِنَشرِ الإسراء، ثُمَّ ثَلاثةً من سِتّةٍ بِنَشرِ الانفِطارِ والنِّساء.

  • مَن المُخاطَبُ في ٣:١٩٦؟ الكافُ لِواحِدٍ بِعَينِه، والآيةُ التي

بَعدَها تَنتَقِلُ إلى الجَمعِ («مَأْوَاهُمْ»)، والتي بَعدَهُما إلى «الَّذِينَ اتَّقَوْا». فيَحتَمِلُ أن يَكونَ الخِطابُ خاصّاً ويَحتَمِلُ أن يَكونَ الواحِدُ مَدخَلاً إلى الجَماعة. والفَرقُ عَمَليّ: على الأوَّلِ يَكونُ النَّهيُ تَثبيتاً، وعلى الثّاني يَكونُ تَعليماً.

مَواضِعُ هذا المَفهومِ في القرآن