آل عمران · الآية 24
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
«ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا»: الإعراضُ يَستَنِدُ إلى قَول
يَعودُ «ذلك» إلى التَّولّي والإعراض، وتَصِلُ الباءُ السَّبَبَ بالمُسَبَّب: أَعرَضوا لأنَّهم قالوا. القَولُ هنا ليسَ صَوتاً عابِراً، بل جُملةٌ صَنَعَت لِصاحِبِها مَأمَناً وَهميّاً من حُكمِ الكتاب. حينَ يَسبِقُ القَولُ الرُّجوعَ إلى المِيزان، يَستَطيعُ أن يُغلِقَ بابَ المِيزانِ قبلَ أن يُفتَح.
«لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ»: تَحديدُ المَسّ بما يَطمئنُّ إليه القائل
المَسُّ من م-س-س تَجَمُّعٌ يَسري ثمَّ يُضاعِفُ السَّريانَ حتى يَقومَ اتِّصالٌ مُباشِر. و«لن» تَنفي هذا الاتِّصالَ في المُستَقبَل، ثُمَّ يَأتي الاستِثناءُ فيَفتَحُ له نافِذةً ضَيِّقة: «إلا أياماً معدودات».
اليومُ من ي-و-م امتِدادٌ مَوصولٌ يَجتَمِعُ في وَحدةٍ زَمنيّة. والمَعدودُ من ع-د-د ظُهورٌ من عُمقٍ يَثبُتُ ثمَّ يُضاعِفُ الضَّبطَ، فيُحاطُ الشيءُ بوَحداتٍ مَعلومة. الوَهمُ ليسَ في ذِكرِ الزَّمنِ فقط، بل في امتِلاكِ عَدَدِه بلا مَرجِعٍ من الآية: لقد قاسوا المَآلَ على طُمأنينةِ القَول.
«وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ»: المَصنوعُ يَعودُ فيَخدَعُ صانِعَه
الغُرورُ من غ-ر-ر غَورٌ يَستُرُ ثمَّ يَجري ويُضاعِفُ جَريانَه، فيُظهِرُ السَّطحَ آمِناً ويُخفي ما تَحتَه. ومَحلُّ الخِداعِ «في دينهم»: في الرِّباطِ الذي كانَ يَنبَغي أن يَصِلَ الفِعلَ بالمَرجِع. لم يَبقَ الوَهمُ خارِجَ الدِّين، بل دَخَلَ في طَريقةِ فَهمِهم له.
والافتراءُ من ف-ر-ي تَفريقٌ يَجري ثمَّ يَمتَدُّ في صُورةٍ مُصطَنَعة. كانَ فِعلُهم مُستَمِرّاً: «ما كانوا يفترون». وما صَنَعوه لِيَحمِيَهم من الحِسابِ عادَ فَحَجَبَ عنهم مَوقِعَهم الحقيقيّ. الكَذِبُ المُكَرَّرُ لا يَخدَعُ السامِعَ فقط، بل يَبني لصاحِبِه عالَماً يَسكُنُه.
حَصيلة
يَتَولّى الفريقُ لأنَّ قَولاً سَبَقَ الحُكمَ ومَنَحَهُم أماناً مُحدَّداً بأَيامٍ عَدُّوها هم. ثمَّ تَكشفُ الآيةُ أنَّ الافتراءَ لم يَبقَ أداةً في أَيديهم، بل صارَ قُوّةً تَغُرُّهم داخِلَ دِينِهم. مَن يَصنَعُ للمَآلِ حَدّاً بلا عَلامةٍ من الكتابِ يَستَبدِلُ بالمَرجِعِ صُورةً من صُنعِه، ثمَّ يَعرِضُ عن المَرجِعِ حِفاظاً على الصُّورة.