الإسراء · الآية 73

﴿وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ ۖ وَإِذًا لَّاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ ۖ وَإِذًا لَّاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا

«وَإِن كَادُوا»: فِعلٌ يُقَرِّرُ أنَّ الشَّيءَ لم يَقَع

ومِن هُنا يُبدَأ، فما بَعدَه كُلُّه مَحمولٌ عَلَيه. و«كَادَ» فِعلٌ يُقارِبُ بِخَبَرِه ولا يُوقِعُه، و ك-و-د في أصلِه مُقارَبةٌ يَدنو فيها الفِعلُ من الوُقوعِ وهو مُمسَكٌ دونَه.

فالمُثبَتُ في الآيةِ قُربٌ من فِعل، والمَنفِيُّ بِنَفسِ اللَّفظِ وُقوعُ الفِعل، وقد أوثِرَ «كَادُوا» على «فَتَنوك» وعلى «حاوَلوا فما أفلَحوا». والفَرقُ بابٌ كامِل: فالأوَّلُ خَبَرٌ عن حادِثة، والثّاني خَبَرٌ عن قُربٍ لم يَصِرْ حادِثة.

و«إِنْ» هُنا مُخَفَّفةٌ من الثَّقيلةِ بِدَليلِ اللّامِ في «لَيَفْتِنُونَكَ»، فالجُملةُ مُؤَكَّدة، والمُؤَكَّدُ القُربُ نَفسُه لا الوُقوع، فالآيةُ تُقَرِّرُ بِشِدّةٍ أنَّ الشَّيءَ كاد، وتَسكُتُ عَمّا لم يَكُن.

والفاعِلُ واوُ جَماعةٍ بِلا مَرجِعٍ مُسَمّىً في الآية، لا اسمَ لَه ولا عَدَدَ ولا صِفة، ومَن مَلَأَ هذا الضَّميرَ بِأسماءٍ ووُفودٍ وأيّامٍ فقد كَتَبَ ما لَيسَ في المَتن. والذي في المَتنِ مُحاوَلةٌ قارَبَت ولم تَقَع، وسُكوتٌ عن كُلِّ ما عَداها.

«لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ»: فِتنةٌ عُدِّيَت بِـ«عَن»

والفِتنةُ في أصلِها إدخالُ الشَّيءِ في النّارِ لِيَظهَرَ ما في باطِنِه، ومنه «فَتَنَ الذَّهَبَ» إذا أذابَه لِيَبينَ غِشُّه، فهي شَقٌّ يَنقَطِعُ بِه غِلافُ الشَّيءِ حتّى يَبرُزَ المَخبوء.

وعُدِّيَ الفِعلُ هُنا بِـ«عَن»، وهي حَرفُ مُجاوَزةٍ وإبعاد، فالمُرادُ ضَغطٌ غايَتُه أن يُنَحِّيَ المَضغوطَ عن شَيءٍ هو عَلَيه، ولا يَقِفُ عِندَ اختِبارٍ يُظهِرُ المَعدِن، والحَرفُ يُبَيِّنُ وِجهةَ الفِتنة.

والمُنَحّى عنه لم يُسَمَّ بِاسمِه: «الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ»، وهو اسمٌ مَوصولٌ وصِلَتُه، فعُرِّفَ بِطَريقِ مَجيئِه لا بِمَضمونِه. و و-ح-ي إبلاغٌ في مَجرىً ضَيِّقٍ يَسري خَفِيّاً، و«إِلَيْكَ» تَجعَلُ المُنتَهى واحِداً، فالمَطلوبُ تَنحِيةُ المُخاطَبِ عَمّا وَصَلَ إلَيه هو في مَجرىً لا يُشارِكُه فيه غَيرُه.

«لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ»: الغايةُ صِناعةُ بَديلٍ لا تَركُ الأصل

ولامُ التَّعليلِ تُبَيِّنُ ما لِأجلِه كانَتِ المُحاوَلة، وقد عُدِلَ عن «لِتَترُكَه» و«لِتَسكُتَ عنه» إلى «لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ».

و ف-ر-ي قَطعُ الأديمِ وتَشكيلُه هَيئةً جَديدة، ومنه «فَرى الأديمَ» إذا قَدَّه لِيَخرُزَه. فالافتِراءُ صَنعةٌ لا صَمت، أي مادّةٌ تُقَدُّ وتُخاطُ حتّى تَخرُجَ على هَيئةٍ لم يَأتِ بِها مَصدَرُها. وجاءَ على وَزنِ افتَعَل، وهو ما يَتَوَلّاهُ الفاعِلُ لِنَفسِه بِقَصد.

ثُمَّ «عَلَيْنَا»، وهو حَرفُ استِعلاءٍ يُحَمِّلُ المَصنوعَ على غَيرِ صانِعِه، فالمَطلوبُ شَيئانِ في فِعلٍ واحِد: أن تُصنَعَ الهَيئة، وأن تُعَلَّقَ على مَن لم يَصنَعْها. و«غَيْرَهُ» من غ-ي-ر، وهو ما بايَنَ الشَّيءَ فلا يُشارِكُه.

فالمُحاوَلةُ طَلَبُ كَلامٍ آخَرَ يَحمِلُ الخَتمَ نَفسَه، ولَيسَت طَلَبَ سُكوت، والذي تُسَمّيه الآيةُ غايةً لَهُم افتِراءٌ يُصنَع، لا صَمتٌ يُطلَب.

«وَإِذًا لَّاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا»: جَوابُ ما لم يَكُن

و«إِذًا» حَرفُ جَوابٍ وجَزاء، يُعَلِّقُ ما بَعدَه على تَقديرِ ما قَبلَه، وقد قُرِّرَ في أوَّلِ الآيةِ أنَّ ما قَبلَه لم يَقَع، فما بَعدَه لم يَقَعْ بِالتَّبَع، والجُملةُ كُلُّها في بابِ المُقَدَّرِ لا في بابِ الواقِع.

و«اتَّخَذُوكَ» على افتَعَلَ من أ-خ-ذ، وهو أخذٌ يَتَوَلّاهُ الآخِذُ لِنَفسِه ويُنزِلُ المَأخوذَ مَنزِلةً يُريدُها، فالمُخاطَبُ في هذا التَّقديرِ مَأخوذٌ لا آخِذ.

و«خَلِيلًا» من خ-ل-ل، وهو دُخولٌ من الفُرَجِ يَستَقِرُّ في الجَوف، ومنه «خِلالُ الدِّيار» لِفُرَجِها، و«تَخَلَّلَ القَومَ» إذا دَخَلَ بَينَهُم، فالخَليلُ مَن نَفَذَ إلى داخِلِ صاحِبِه فصارَ فيه، وليسَ الجالِسَ إلى جانِبِه.

فالثَّمَنُ المَعروضُ في التَّقديرِ أن يَدخُلوا، لا مالٌ ولا مَنزِلة. وهذا يُفَسِّرُ ما قَبلَه: فالفِتنةُ كانَت «عَن»، أي إبعاداً عن مَجرىً ضَيِّقٍ لا يَدخُلُه سِواه، والجَزاءُ المُقَدَّرُ دُخولٌ في مَجرىً آخَر، فهو يُنَحّى عن قُربٍ لِيوضَعَ في قُرب.

واللّامُ في «لَّاتَّخَذُوكَ» تَوكيدٌ لِجَوابٍ مُعَلَّقٍ على شَرطٍ لم يَقَع، فقد أُكِّدَ ما لم يَكُن، لِأنَّ الكَلامَ في لُزومِ النَّتيجةِ لا في حُصولِها.


حَصيلة

تَبدَأُ الآيةُ بِفِعلٍ يُقَرِّرُ القُربَ ويَمنَعُ الوُقوع: «كَادُوا»، مُؤَكَّداً بِـ«إِنْ» المُخَفَّفةِ ولامِها، فالمُثبَتُ مُقارَبةٌ دَنا فيها الفِعلُ من الوُقوعِ وهو مُمسَكٌ دونَه. والفاعِلُ واوُ جَماعةٍ لا اسمَ لَها ولا عَدَدَ ولا صِفةَ في المَتن، ولا يَذكُرُ المَتنُ يَوماً ولا مَجلِساً ولا طَلَباً مَنقولاً. ثُمَّ الفِتنةُ مُعَدّاةٌ بِـ«عَن»، فهي ضَغطٌ غايَتُه التَّنحِيةُ لا الاختِبارُ وَحدَه، والمُنَحّى عنه مُعَرَّفٌ بِمَجيئِه لا بِمَضمونِه: «الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ»، وهو مَجرىً ضَيِّقٌ مُنتَهاهُ واحِد. ثُمَّ تُنطَقُ الغاية، وهي صِناعةُ هَيئةٍ جَديدةٍ تُعَلَّقُ بِـ«عَلَيْنَا» على غَيرِ صانِعِها، لا تَركٌ ولا سُكوت. ويُختَمُ بِجَزاءٍ مُقَدَّرٍ على شَرطٍ لم يَقَع، وهو أن يُتَّخَذَ خَليلاً، ومَن نَفَذَ من الفُرَجِ إلى الجَوفِ لا يُقالُ لَه جار. وقد أُريدَ إبعادُه عن مَجرىً لا يُشارَكُ فيه، وعُرِضَ في مُقابِلِه دُخولٌ من نَوعٍ آخَر، والآيةُ تُقَرِّرُ أنَّ ذلك كُلَّه قارَبَ ولم يَقَع، ولا تَزيدُ على ذلك.