آل عمران · الآية 94

﴿فَمَنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَمَنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ

«فَمَنِ افْتَرَىٰ»: الافتِراءُ عَمَلٌ مُنجَزٌ يَحمِلُ صاحِبَه

الفاءُ تَصِلُ الحُكمَ بطَلَبِ إحضارِ الكتابِ المذكورِ وتِلاوتِه، و«مَن» شَرطيّةٌ تَفتَحُه لكلِّ فاعِل. والافتراءُ من ف-ر-ي، وأصلُه شَقٌّ يُباعِدُ ثمّ يَجري مُستَرسِلاً، وتَمتَدُّ الحَرَكةُ في لِينٍ حتى تُنشِئَ قِطعةً مُصاغةً على غيرِ أصلِها، وصيغةُ الافتِعالِ تُدخِلُ الفاعِلَ عامِداً في هذا الصُّنع. وجاءَ الفِعلُ ماضياً داخلَ الشَّرط، فيُعرَضُ الافتراءُ عَمَلاً مُنجَزاً يَحمِلُ صاحِبَه، لا خَطَراً مُبهَماً أو نَسباً يَلحَقُ جَماعةً بلا فِعل.

«عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ»: خُطورةُ الصَّنعةِ في نِسبَتِها إليه

ويَتَعَلَّقُ الافتراءُ بـ«على الله»، ومَفعولُه «الكذب». والكَذِبُ من ك-ذ-ب كَتمٌ يُخرِجُ صورةً نافِذةً حادّةً ثمّ يُلصِقُها بالمَحلِّ كأنّها ثابتة. والافتراءُ يَصنَعُ الصُّورة، أمّا الكَذِبُ فيَصِفُ انقِطاعَها عن الحَقّ مع إلحاقِها بالمَحل. و«على الله» تَجعَلُ خُطورةَ الفِعلِ في النِّسبةِ، لا في خَطأٍ عارضٍ في تَرتيبِ الطعام. وقد أحالَت الآيةُ السابقةُ الدَّعوى إلى الكتابِ المَتلوّ، فمَحورُ الكلامِ بَقاءُ النِّسبةِ بعدَ الاختبار.

«مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ»: الحُكمُ يَلحَقُ ما بَعدَ البَيان

ومدارُ ب-ع-د على خُروجٍ يَظهَرُ من عُمقِ المسافةِ ثمّ يَثبُتُ وراءَ حدّ. و«ذلك» حامِلٌ ما سَبَق: عُمومَ الحِلّ، والاستِثناءَ الذاتيَّ قبلَ الكتاب، والأمرَ بإحضارِه وتِلاوتِه، وشَرطَ الصِّدق. ولذلك جاءَ الافتراءُ «من بعد ذلك»، غيرَ واقعٍ في فَراغٍ سابقٍ للبيان. واسمُ الإشارةِ وحدَه يُحَدِّدُ المَرحلةَ التي يَلحَقُها الحُكم، وهي ما بعدَ البيانِ الذي جَمَعَته «ذلك»، فيَصيرُ الظَّرفُ الزَّمَنيُّ داخِلاً في الجُملةِ يَحمِلُه لَفظُها.

«فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ»: الجَوابُ يُثبِتُ الوَصفَ على الفِعل

وفاءُ الجَوابِ تَربِطُ الشَّرطَ باسمِ الإشارةِ «أولئك»، فيَعودُ الوَصفُ إلى كلِّ مَن افتَرى بعدَ ذلك، والضميرُ «هم» فاصِلٌ يُشَدِّدُ انطِباقَ الخَبَر. والظُّلمُ من ظ-ل-م غِطاءٌ يُطبِقُ على الشَّيءِ ويَحوزُه فيُمسِكُه في باطِنِه، و«الظالمون» اسمُ فاعِلٍ يَجعَلُ الظُّلمَ طبيعةً فاعِلةً مُستَمِرّة. والوَصفُ مُتَوَلِّدٌ من افتراءِ الكَذِبِ على الله بعدَ البيان، وهو لا يَسبِقُ الفِعلَ ولا يَتَّسِعُ إلى نَسَب.


حَصيلة

تَجعلُ الفاءُ الافتراءَ تالياً للاختبارِ الذي رَدَّ الدَّعوى إلى الكتابِ المَتلوّ، ومَن يَصنَعُ بعدَ ذلك صورةَ الكَذِبِ ويَنسبُها إلى الله يَدخُلُ في جَوابٍ مُحكَم: «فأولئك هم الظالمون». واسمُ الإشارةِ يَجمعُ أصحابَ الفِعل، والضميرُ الفاصِلُ يُثبِتُ الوَصف، واسمُ الفاعِلِ يَجعَلُه طبيعةً مُستَمِرّة. ومُنطَلَقُ الحُكمِ صُنعُ نِسبةٍ كاذبةٍ بعدَ أن فُتِحَ طريقُ الكتابِ والتِّلاوة، دونَ اسمِ طائفة.