طه · الآية 61

﴿قَالَ لَهُم مُّوسَىٰ وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ ۖ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

قَالَ لَهُم مُّوسَىٰ وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ ۖ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَىٰ

«قَالَ لَهُم مُّوسَىٰ»: مُخاطَبونَ بِضَميرٍ لا بِاسم

الفِعلُ أوَّلاً، ثُمَّ المُخاطَبونَ، ثُمَّ القائِل. والمُخاطَبونَ لا يُسَمَّون. ضَميرٌ واحِدٌ في «لَهُم» يَحمِلُهُم جَميعاً، ولا تَقولُ الآيةُ مَن هُم ولا كَم هُم.

وقَبلَ هذا بِآيةٍ كانَ الخَبَرُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَىٰ﴾: جَمعٌ ثُمَّ مَجيء. فالذي أُتِيَ بِه مَجموعٌ، والذي يُخاطَبُ الآنَ جَماعة. وأوَّلُ ما يُقالُ لِلجَماعةِ المَجموعةِ لَيسَ حُجّةً في السِّحرِ ولا تَحَدِّياً، بَل تَحذيرٌ من قَولٍ يُقال.

«وَيْلَكُمْ»: كَلِمةٌ تُقَدَّمُ على النَّهي

لَفظةٌ تُفتَحُ بِها المُخاطَبةُ قَبلَ أن يُذكَرَ المَنهِيُّ عنه. تُنَبِّهُ وتُفزِعُ في آنٍ واحِد. وهي مَنصوبةٌ تَتَعَلَّقُ بِفِعلٍ لا يُنطَق، فالجُملةُ تَبدَأُ مَحذوفةَ الصَّدرِ كَأنَّ الكَلامَ عَجِلَ عن تَمامِه.

وقَعَت قَبلَ النَّهيِ لا بَعدَه. فالخَطَرُ يُعلَنُ أوَّلاً، ثُمَّ يُسَمّى الفِعلُ الذي يَجُرُّه. ومَن نَبَّهَ قَبلَ أن يَنهى فقد أرادَ أن يُسمَع.

«لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا»: شَقٌّ يُتَكَلَّفُ ويُنسَبُ

النَّهيُ عن قَولٍ لا عن صَنيع. والجِذرُ ف-ر-ي شَقٌّ يُمسَكُ ويُمَدّ: فَرى الأديمَ شَقَّه على وَجهٍ يُصلِحُه، وأفراهُ شَقَّه على غَيرِ وَجهِه فأفسَدَه. فالمادَّةُ في أصلِها قَطعُ جِلدٍ بِيَدٍ تَعرِفُ أينَ تَقطَع.

و«افتَرى» على وَزنِ افتَعَل، والافتِعالُ تَكَلُّفٌ يَعودُ على صاحِبِه. فالمُفتَري يَشُقُّ لِنَفسِه قِطعةً ويُلبِسُها ما لَيسَ لَها. وجاءَت «عَلَى» لا اللّامُ ولا الباء: الكَذِبُ يُوضَعُ فَوقَ المُفتَرى عَلَيهِ وَضعاً، كما يُطرَحُ الثَّوبُ على الجَسَد.

ثُمَّ «كَذِباً» نَكِرةً بَعدَ الفِعل. والجِذرُ ك-ذ-ب مَكتومٌ في الباطِنِ يَنفُذُ حادّاً فيَخرُجُ في صورةِ غَيرِه؛ ومنه «كَذَبَ البَرقُ» إذا لَمَعَ ولم يُمطِر. لَمَعانٌ بِلا ماء، وقِطعةٌ مَشقوقةٌ لا تُطابِقُ ما فُصِّلَت لَه.

«فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ»: جَرفٌ لا يُبقي، وأداةٌ لا تُعَيَّن

فاءُ السَّبَبِيّةِ نَصَبَتِ الفِعل، فصارَ ما بَعدَها جَواباً لِما قَبلَها. والقَولُ هو السَّبَب.

والجِذرُ س-ح-ت جَريانٌ يَمتَدُّ في مَضيقٍ ثُمَّ يَنقَطِعُ تامّاً: سَحَتَه استَأصَلَه فلم يَدَعْ مِنه شَيئاً. ولَيسَ في المادَّةِ ضَربٌ ولا كَسر، بَل كَشطُ وَجهٍ حتّى يَبقى مَوضِعُه خالِياً.

و«بِعَذابٍ» نَكِرةٌ لا تُوصَف. ذُكِرَتِ الأداةُ ولم يُذكَرْ جِنسُها. والذي شَقَّ لِنَفسِه قِطعةً يُكشَطُ هو، فيَذهَبُ الشّاقُّ والمَشقوق.

«وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَىٰ»: حُكمٌ يَسبِقُ الواقِعة

واوٌ تَستَأنِف، ثُمَّ «قَد» لِلتَّحقيق، ثُمَّ ماضٍ. لَم يُقَلْ «سيَخيب» ولا «يَخيب». قيلَ «خابَ»، ففُرِغَ من الأمرِ قَبلَ أن يَقَع.

و«مَن» مَوصولةٌ عامّةٌ لا تُشيرُ إلى أحَد. لَيسَ الحُكمُ على المُخاطَبينَ وَحدَهُم، بَل على كُلِّ مَن فَعَلَ الفِعل، والمُخاطَبونَ داخِلونَ فيه كما يَدخُلُ غَيرُهُم. وهذا أشَدُّ من التَّخصيصِ لِأنَّه لا يُجادَل.

والجِذرُ خ-ي-ب فَراغٌ يَمتَدُّ ثُمَّ يَنفَتِحُ عن صاحِبِه: أن يَمُدَّ السّاعي يَدَه فتَعودَ إلَيهِ وفيها الهَواء. فالخَيبةُ لَيسَت عُقوبةً تُنزَل، بَل قِسمةٌ تَظهَرُ عِندَ القَبض.

وسَيُختَمُ هذا المَشهَدُ بِجُملةٍ من هذا الطِّرازِ نَفسِه: وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ﴾. فُتِحَ بِحُكمٍ عامٍّ وأُغلِقَ بِحُكمٍ عامّ، وما بَينَهُما وَقائِع.


حَصيلة

خِطابٌ إلى ضَميرٍ لا إلى اسم، يُفتَحُ بِـ«وَيْلَكُمْ» قَبلَ أن يُسَمّى المَنهِيُّ عنه، فيَنزِلُ التَّنبيهُ قَبلَ الحُكم. ثُمَّ النَّهيُ عن قَولٍ لا عن صَنعة: «لَا تَفْتَرُوا»، وف-ر-ي شَقٌّ يُمَدُّ ويُمسَك، وافتَعَلَ تُرجِعُ الشَّقَّ على شاقِّه، و«عَلَى» تَطرَحُ المَشقوقَ فَوقَ المُفتَرى عَلَيه. و«كَذِباً» من ك-ذ-ب: مَكتومٌ يَخرُجُ في صورةِ غَيرِه، بَرقٌ يَلمَعُ ولا يُمطِر. ثُمَّ الجَوابُ بِفاءِ السَّبَبِيّة: س-ح-ت كَشطٌ لا يُبقي، و«بِعَذابٍ» نَكِرةٌ لا تُوصَف. ثُمَّ يُرفَعُ الكَلامُ عن المَجلِسِ كُلِّه إلى حُكمٍ لا صاحِبَ لَه: «وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَىٰ»، ماضٍ مُحَقَّقٌ ومَوصولٌ عامّ. الميدانُ لم يُفتَحْ بَعد، والقِسمةُ قد قُسِمَت.