الوَحي / الإيحاء
وَصلٌ نافِذٌ يَجري بلِين: الإِلقاءُ الخَفيُّ الذي يَصِلُ المُرسَلَ بالمُتَلَقِّي دونَ واسِطةٍ مَرئيَّة، الإِشارةُ الداخِليَّةُ التي تُحَرِّكُ المُتَلَقِّيَ نحوَ فِعل.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
ثلاثةُ حُروف:
- و: وَصلٌ ورَبط: الشَّفَتانِ تَستَديرانِ في رابِطٍ مُستَدام. شِحنَتُه: بَقاءُ الاتِّصالِ بَينَ طَرَفَين.
- ح: تَضييقٌ واحتِواءٌ في الباطِنِ ثُمَّ خُلوصٌ خارِجاً: نَفَسٌ يَجري مُحتَكّاً في مَضيقِ الحَلق. شِحنَتُه: احتِواءٌ في مَضيقٍ يَنفُذُ خارِجاً.
- ي: امتِدادٌ وليُن: حَركةٌ رَقيقةٌ تَتَّجِه. شِحنَتُه: سَيَلانٌ لَطيفٌ في اتِّجاه.
النَّواةُ وح (و + ح) = وَصلٌ يَنفُذُ في مَضيق: شيءٌ يَصِلُ طَرَفَينِ في مَجرىً ضَيِّقٍ ثُمَّ يَخلُصُ خارِجاً، فلا يُرى مَجراهُ ويُرى مَبلَغُه. ثمّ ي يُليِّنُ هذا الوَصلَ النَّافِذَ في سَيَلانٍ لَطيفٍ خَفيّ: وَصلٌ يَنفُذُ في مَضيقٍ ويَسيلُ بِخِفَّةٍ من مُرسِلٍ إلى مُتَلَقٍّ.
ومِن نفسِ الجَذرِ: وَحى، أَوحى، الوَحيُ. في العَرَبيَّةِ القَديمةِ «وَحى» يَعني أَشارَ بِسُرعةٍ وخَفاء، كالنَّحلةِ تَتَلَقَّى إشارةً خَفيَّةً لِبِناءِ بَيتِها (النَّحل:٦٨).
الشِّحنةُ الجامِعة: وَصلٌ نافِذٌ خَفيٌّ يَنقُلُ مَعلومةً أو أَمراً من مُرسِلٍ إلى مُتَلَقٍّ في غَيابِ الوَسيطِ المَرئيّ.
الصِّيَغ
- أَوحى (أَفعَل): الفِعلُ المُتَعَدِّي: الإِيحاءُ الصَّادِرُ من مُوحٍ إلى مُوحى إِليه.
- الوَحي (مَصدرٌ): الرِّسالةُ الخَفيَّةُ بِوصفِها شيئاً مُستَقِلًّا.
- وَحياً (مَصدرٌ في سِياقِ الكَيفيَّة): «وَما كانَ لِبَشَرٍ أن يُكَلِّمَه اللهُ إلّا وَحياً»: كيفيَّةُ الاتِّصالِ الإِلهيِّ.
الجَذرُ قبلَ الوَزن: الوَصلُ النَّافِذُ الخَفيّ. الوَزنُ يُحدِّدُ هل هو الفِعلُ المُتَعَدِّي (أَوحى) أو المَصدَرُ (الوَحي).
الفُروق المَعنويّة
ilham: و-ح-ي مُجاوِرٌ لـ إِلهام. والفَرقُ الذي يَحتَمِلُه
المُسَجَّلُ فَرقٌ في الجِهةِ لا في المُتَلَقّي: الإيحاءُ إلقاءٌ يُنسَبُ إلى مُوحٍ ويُذكَرُ لَه مُوحىً إلَيه، والإلهامُ يُقرَأُ من جِهةِ ما يَقَعُ في النَّفس. وأمّا حَصرُ الوَحيِ في الأنبياءِ فقَولٌ يُروى في الاصطِلاحِ ولا يَحمِلُه هذا المُسَجَّل: المُوحى إلَيه فيه مَنِ اختيرَ لِلرِّسالة (٢٠:١٣ و١٧:٣٩)، وأُمُّه (٢٠:٣٨)، وأرضٌ (٩٩:٥). انظُر الإلهام.
المَواضع: مَواقعُ الكَلِمةِ في المُصحَف (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ١٧:٣٩ ﴿ذَٰلِكَ مِمَّا أَوْحَىٰ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾: أوَّلُ تَسمِيَةٍ لِجِنسِ المُوحى. الجَديدُ: كانَ المَضمونُ مَطويّاً في ٢٠:١٣ و٢٠:٣٨ («ما يوحى»)، وهُنا يُسَمّى جِنسُه («مِنَ الحِكمة») ويُشارُ إلى بَعضٍ منه بِـ«مِمّا». فيَصيرُ لِلوَحيِ مادّةٌ تُبَعَّضُ ويُشارُ إلى قِطعةٍ منها، ولا يَنقُضُ ذلك خَفاءَ المَجرى الذي في القِسمِ الأوَّل: المُسَمّى جِنسُ الواصِلِ لا كَيفِيّةُ وُصولِه. انظُر الحِكمة.
- ١٧:٧٣ ﴿وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾: المُوحى مَوقِفٌ يُصرَفُ عنه. الجَديدُ: يُعَدّى الصَّرفُ عن الوَحيِ بِـ«عن»، فيُقرَأُ المُوحى مَوضِعاً يَثبُتُ عليه المُوحى إلَيه لا رِسالةً تُبَلَّغُ فتَنقَضي. وهو أوَّلُ مَوضِعٍ يُذكَرُ فيه لِلوَحيِ مُنازِعٌ يَعمَلُ على نَقضِه بَعدَ وُصولِه، وتُذكَرُ لِلمُنازَعةِ غايةٌ هي الافتِراءُ بِغَيرِه، فيُقابَلُ المُوحى بِالمُفتَرى.
- ١٧:٨٦ ﴿وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾: المُوحى يُستَرَدّ. الجَديدُ: يُعَلَّقُ الذَّهابُ بِالوَحيِ على مَشيئةٍ ويُؤَكَّدُ بِنونِ التَّوكيد، فيَظهَرُ أنَّ الواصِلَ لا يَصيرُ مِلكاً لِمَن وَصَلَ إليه ولا يَمتَنِعُ رَفعُه. وهو مُقابِلُ ١٧:٧٣ في السّورةِ نَفسِها: هُناكَ يُحاوِلُ الغَيرُ صَرفَه فلا يَبلُغ، وهُنا يُذكَرُ مَن يَقدِرُ على أخذِه ولا يَأخُذ. انظُر المَشيئة / الشَّيء.
- ٢٠:١٣ ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىٰ﴾: الأمرُ بِالإصغاءِ إلى ما لم يُسَمَّ. الجَديدُ: يُبنى الفِعلُ لِلمَجهولِ فلا يُسَمّى المُوحي ولا المُوحى، ويُؤمَرُ المُتَلَقّي مَعَ ذلك بِالاستِماع. فيُطلَبُ الإصغاءُ إلى ما لم يُبَيَّن، ويُقَدَّمُ عليه الاختِيارُ فيَكونُ التَّلَقّي فَرعَ اصطِفاءٍ سابِقٍ عليه. وهو أسبَقُ في السّورةِ من ٢٠:٣٨، وفيهِما مَعاً يُذكَرُ الوَصلُ ولا يُملَأُ مَضمونُه.
- ٢٠:٣٨ ﴿إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰ﴾: الجَديدُ: يُوحى إلى مَن لَيسَ هو المُخاطَبَ بِالرِّسالة، ويُذكَرُ الإيحاءُ ولا يُذكَرُ المُوحى: «ما يُوحى» مَوصولٌ صِلَتُه الفِعلُ نَفسُه، فيُعادُ الجَذرُ في الآيةِ مَرَّتَينِ ولا يُملَأُ مَضمونُه. وهو أدَقُّ ما يُصَوِّرُ الخَفاءَ الذي في الحُروف: يُرى أنَّ الوَصلَ وَقَعَ ولا يُرى ما جَرى فيه. وتُعَدّى الصّيغةُ بِـ«إلى» هُنا وبِاللّامِ في ٩٩:٥، فيَختَلِفُ الحَرفانِ على فِعلٍ واحِد.
- ٢٠:٤٨ ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَىٰ مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾: أوَّلُ مَضمونٍ يُنَصُّ عليه. الجَديدُ: يُحكى الوَحيُ على لِسانِ المُوحى إلَيهِم أنفُسِهِم ويُفَسَّرُ بِـ«أنَّ»، فيُقالُ نَصُّه بَعدَ أن كانَ مَطويّاً في ٢٠:١٣ و٢٠:٣٨ ومُسَمّى الجِنسِ في ١٧:٣٩. فتَتِمُّ لِلبَيانِ ثَلاثُ دَرَجاتٍ في المُسَجَّل. والمَضمونُ خَبَرٌ عن حُكمٍ لا أمرٌ بِعَمَل. انظُر التَّكذيب.
- ٢٠:٧٧ ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي﴾: المُوحى أمرٌ يُنَفَّذُ بِالبَدَن. الجَديدُ: يُفَسَّرُ الوَحيُ بِـ«أن» ويَتلوها أمرٌ بِالسَّيرِ لا خَبَرٌ يُصَدَّق، فيُقابِلُ ٢٠:٤٨ في السّورةِ نَفسِها. فيَجتَمِعُ لِلجَذرِ وَجهاه: وَصلٌ يَحمِلُ حُكماً ووَصلٌ يَحمِلُ أمراً، والمَجرى في الحالَينِ واحِدٌ لا يُرى.
- ٢٠:١١٤ ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾: المَصدَرُ ولَه تَمامٌ يُنتَظَر. الجَديدُ: يَدخُلُ «وَحيُه» اسماً مُضافاً، وهو أوَّلُ وُرودٍ لِلمَصدَرِ في المُسَجَّلِ بَعدَ أن كانَ الجَذرُ فيه أفعالاً كُلَّه. ويُذكَرُ لَه انقِضاءٌ («أن يُقضى إلَيك»)، فيَصيرُ الوَحيُ ذا مُدّةٍ وحَدٍّ لا لَحظةً واحِدة، ويُنهى المُتَلَقّي عن سَبقِ تَمامِه. انظُر القَضاء والعِلم.
- ٩٩:٥ ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا﴾: «بِأَنَّ رَبَّكَ أَوحى لَها»، المُوحى إِليه الأَرضُ: الأَرضُ تُحَدِّثُ بأَعمالِ النَّاسِ «بِأَنَّ رَبَّكَ أَوحى لَها». هذا تَصويرٌ عَجيب: الأَرضُ جَمادٌ غَيرُ ناطِق، لكنَّها تُحَدِّثُ بِوَحيٍ رَبَّانيّ. الوَحيُ إلى الأَرضِ يُظهِرُ أنَّ الوَحيَ لَيسَ مَخصوصاً بِالبَشَر: «أَوحى رَبُّكَ إلى النَّحل» (النَّحل:٦٨)، «وأَوحى في كُلِّ سَماءٍ أَمرَها» (فُصِّلَت:١٢).
التَّقاطُعات
ard: ٩٩:٥: الأَرضُ مُتَلَقِّيةُ الوَحي. ومَعَ ٢٠:٣٨ يَتَّسِعُ
المُوحى إلَيه في المُسَجَّلِ من إنسانٍ إلى أرض.
inzal: الإِنزالُ والوَحيُ وَجهانِ لِعَلاقةٍ واحِدة.ruh: الرُّوحُ أداةُ الوَحيِ في بَعضِ مَواضِعِه.qadr: الوَحيُ جَزءٌ من مَنظومةِ القَدر.
الإشكالات المَفتوحة
- «أَوحى لَها» بـ (لام) لا «إِليها»: هل اللَّامُ تُفيدُ معنىً غيرَ «إلى»؟ موقِفُنا: اللَّامُ تُفيدُ التَّضمُّنَ، الوَحيُ كانَ لِمَصلَحةِ الأَرضِ وفي خِدمةِ دَورِها، لا وَحياً يَمُرُّ بها.