الاستِفزاز
هَزٌّ في مَضيقٍ يُخِفُّ المُستَقِرَّ حَتّى يَنفَلِتَ عن قَرارِه. وهو في المَنشورِ مَطلوبٌ دائِماً، لا يُذكَرُ إلّا على صيغةِ الطَّلَبِ والمُحاوَلة.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
- ف: شَقٌّ وانفِتاحٌ ضَيِّق.
شِحنَتُه: شَقٌّ ضَيِّقٌ يَنفَتِح.
- ز: تَضاغُطٌ واكتِنازٌ في مَضيقٍ مَعَ اهتِزازٍ مَجهور.
شِحنَتُه: اكتِنازٌ مُتَضاغِطٌ يَهتَزُّ في المَضيق.
- ز (مُضاعَفة): التَّضعيفُ يُعيدُ الهَزَّ ويُطيلُه حَتّى يَنفَلِتَ المَهزوز.
النَّواةُ فز (ف + ز) = شَقٌّ ضَيِّقٌ يَتَضاغَطُ فيه المَحصورُ فيَهتَزّ. والتَّضعيفُ يُكَرِّرُ الهَزَّ فلا يَستَقِرُّ المَهزوزُ في مَوضِعِه، فيَصيرُ الجَذرُ: هَزٌّ في مَضيقٍ يُخرِجُ المُستَقِرَّ عن قَرارِه.
ومنه في كَلامِ العَرَب: فَزَّ قَلِقَ فوَثَبَ ولَم يَستَقِرّ، والفَزُّ وَلَدُ البَقَرةِ الوَحشِيّةِ لِخِفَّتِه ونِفارِه، وأفَزَّهُ أزعَجَهُ حَتّى وَثَب.
الشِّحنةُ الجامِعة: إزعاجٌ يُخِفُّ الثَّقيلَ عن مَوضِعِه حَتّى يَنقَلِع.
الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن
- اسْتَفْزِزْ (أمرٌ على استَفعَل)، ١٧:٦٤: صيغةُ الطَّلَبِ في مَقامِ
أمرٍ يُطلَقُ لِلمُخاطَبِ ثُمَّ يُحَدُّ بِـ﴿مَنِ اسْتَطَعْتَ﴾، فلا يُملَكُ مِنه إلّا القَدرُ المُستَطاع.
- لَيَسْتَفِزُّونَكَ (مُضارِعُ استَفعَل، مُؤَكَّدٌ بِاللّام)، ١٧:٧٦:
التَّوكيدُ داخِلٌ على مُقارَبةٍ لا على وُقوع، فالمُؤَكَّدُ قُربُ المُحاوَلةِ لا تَمامُها.
- يَسْتَفِزَّهُم (مُضارِعٌ مَنصوبٌ بَعدَ «أن»)، ١٧:١٠٣: يَقَعُ
مَفعولاً لِإرادة، فيُصَيَّرُ القَلعُ مُراداً لا واقِعاً.
ووَزنُ استَفعَل في الثَّلاثةِ يَجعَلُ الحَدَثَ مَطلوباً مُحاوَلاً: لا يُذكَرُ في المَنشورِ أنَّ أحَداً فَزَّ ولا أنَّ أحَداً استُفِزَّ فوَقَع.
الجَذرُ قَبلَ الوَزن: الهَزُّ المُقلِعُ من الحُروف، والاستِفعالُ
يُضيفُ الطَّلَبَ والمُحاوَلة.
الفُروق المَعنويّة
لا فَرعَ مُستَقِلّاً لِهذا الجَذرِ في المَنشور، ولا يَرِدُ فيه ثُلاثِيٌّ مُجَرَّد. والصِّيَغُ الثَّلاثُ مَحصورةٌ في سورةٍ واحِدة، وتَتَقَدَّمُ من أمرٍ يُطلَقُ إلى مُحاوَلةٍ تُقارَبُ إلى إرادةٍ تُصَرَّحُ ثُمَّ تُرَدّ.
المَواضع: مَواقعُ الكَلِمةِ في المُصحَف (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ١٧:٦٤ ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ﴾: مَوضِعُ
الافتِتاح. القَلعُ يُطلَبُ بِآلةٍ تُسَمّى: ﴿بِصَوْتِكَ﴾، فالهَزَّةُ تَنتَقِلُ بِصَوتٍ لا بِيَدٍ تُمسِك، وهذا ما يُعطيه الجَذرُ نَفسُه من اهتِزازٍ مَجهورٍ في مَضيق. والمَفعولُ مَوصولٌ مُقَيَّدٌ بِـ﴿اسْتَطَعْتَ﴾، فالمَجالُ مَحدودٌ بِالقُدرةِ لا مَبذولٌ كُلُّه. ثُمَّ تَتلوهُ آلاتٌ أُخرى بِالعَطف، فيُقرَأُ الاستِفزازُ أوَّلَ الوَسائِلِ لا آخِرَها.
- ١٧:٧٦ ﴿وَإِن كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا﴾: الجَديدُ: يُصَرَّحُ لِأوَّلِ مَرّةٍ
بِالمُقتَلَعِ مِنه، وهو الأرض، وتُفَسِّرُ لامُ التَّعليلِ الغايةَ بِالإخراج. فالقَلعُ الذي كانَ في المَوضِعِ الأوَّلِ يَعمَلُ في النَّفسِ بِالصَّوت، يَصيرُ هُنا نَزعاً من مَكان. والفاعِلُ جَماعةٌ لا تُسَمّى، و«كادوا» تُثبِتُ القُربَ وتَنفي الوُقوع.
- ١٧:١٠٣ ﴿فَأَرَادَ أَن يَسْتَفِزَّهُم مِّنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ جَمِيعًا﴾: الجَديدُ: يَنتَقِلُ الفاعِلُ
إلى واحِدٍ لَه سُلطانٌ في الأرضِ التي يُريدُ القَلعَ مِنها، ويَصيرُ المَفعولُ جَماعةً بَعدَ أن كانَ واحِداً. والقَلعُ يَبقى مُراداً لا واقِعاً، ثُمَّ تُقابِلُه فاءٌ تَقلِبُ الحَرَكةَ على صاحِبِها: مَن أرادَ أن يُخِفَّ غَيرَه عن الأرضِ أُخِذَ بِالماءِ هو ومَن مَعَه. فالجَذرُ يَختِمُ في السّورةِ بِارتِدادِ الهَزِّ على الهازّ.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
shaytan: ١٧:٦٤ تُوَجِّهُ الأمرَ إلى مَن يُختَمُ خِطابُه
بِـ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾، فالاستِفزازُ أوَّلُ أدَواتِه المَعدودة.
wiswas: الصَّوتُ آلةُ القَلعِ في ١٧:٦٤، وهو نَفسُه مَجرى
الوَسوَسةِ الخَفِيّة.
ard: ١٧:٧٦ و١٧:١٠٣ تَجعَلانِ الأرضَ المُنتَزَعَ مِنه في
المَوضِعَين، فيَتَكَرَّرُ المَقلوعُ عَنه ويَتَبَدَّلُ القالِع.
ikhraj: ١٧:٧٦ تُفَسِّرُ الاستِفزازَ بِالإخراج، فالقَلعُ مُقَدِّمةٌ
والإخراجُ غاية.
ighraq: ١٧:١٠٣ تَرُدُّ إرادةَ القَلعِ بِالغَرَق، فيُؤخَذُ المُريدُ
بِضِدِّ ما أراد.
irada: ١٧:١٠٣ تَجعَلُ الاستِفزازَ مَفعولاً لِإرادةٍ لا فِعلاً
مُنجَزاً.
ghurur: ١٧:٦٤ تَختِمُ عُدّةَ الأدَواتِ بِالغُرور، فيُقرَأُ
الاستِفزازُ داخِلَ وَعدٍ لا يَصدُق.
الإشكالات المَفتوحة
- لِمَ لا يَرِدُ الجَذرُ إلّا على استَفعَل؟ المَوقِفُ من الحُروف:
الأصلُ هَزٌّ يُزيلُ عن قَرار، وإزالةُ المُستَقِرِّ لا تُملَكُ بِالفِعلِ المُباشِرِ لِأنَّ القَرارَ لِغَيرِ الهازّ. فصيغةُ الطَّلَبِ هي الصّادِقةُ على الحال: يُحاوَلُ ولا يُملَكُ الوُقوع.
- هَل المُقتَلَعُ مِنه في ١٧:٦٤ مَوضِعٌ أم حال؟ المَوقِف: المَوضِعُ
لَم يُذكَر، والآلةُ صَوت، والمَفعولُ أشخاصٌ لا أمكِنة، فالقَلعُ هُناكَ عن حالٍ يُستَقَرُّ فيها. وحينَ أُريدَ المَكانُ صُرِّحَ بِه في المَوضِعَينِ التّالِيَين. فالجَذرُ يَحمِلُ الوَجهَينِ ويُعَيِّنُهُما السِّياق.