الإسراء · الآية 76

﴿وَإِن كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا ۖ وَإِذًا لَّا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَإِن كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا ۖ وَإِذًا لَّا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا

«وَإِن كَادُوا»: إطارٌ يُعادُ بِحُروفِه

هذا الافتِتاحُ لَيسَ جَديداً. جاءَ قَبلَ ثَلاثِ آياتٍ بِعَينِه: وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾. الواوُ و«إن» و«كادوا» واللّامُ في خَبَرِها، أربَعةُ أشياءَ تُعادُ على تَرتيبِها.

ثُمَّ يَتَبَدَّلُ الفِعلُ وَحدَه. هُناكَ فِتنةٌ عن مُوحىً بِه، وهُنا إزعاجٌ عن أرض. المُحاوَلةُ الأولى في القَولِ والمُحاوَلةُ الثّانيةُ في المَوضِع.

وكِلتاهُما داخِلةٌ في «كادوا»، فلا واحِدةَ مِنهُما وَقَعَت. الإطارُ يُخبِرُك بِذلك قَبلَ أن يُخبِرَك المَضمون.

«لَيَسْتَفِزُّونَكَ»: إخفافٌ يُطلَبُ لِيَخِفَّ الثّابِت

الفِعلُ من ف-ز-ز، وأصلُه وَثبةٌ تَنفَلِتُ عن مَوضِعِها بِرَجفة. يُقالُ «فَزَّ» إذا قَلِقَ فوَثَب، و«أفَزَّهُ» أزعَجَه حَتّى وَثَب.

فالمُرادُ لَيسَ حَملاً بِاليَدِ ولا دَفعاً بِالقُوّة. المُرادُ أن يُزعَجَ الثّابِتُ حَتّى يَخِفَّ عن مَوضِعِه بِنَفسِه. تُزَعزَعُ القَدَمُ أوَّلاً، ثُمَّ تَمشي القَدَمُ.

وجاءَ على وَزنِ استَفعَلَ، وهو وَزنُ الطَّلَبِ والمُحاوَلة. فالمَحكيُّ طَلَبُ الإخفافِ لا وُقوعُه، ثُمَّ دَخَلَت «كادوا» على الطَّلَبِ نَفسِه فرَدَّتْه إلى المُقارَبة. مُقارَبةُ مُحاوَلة.

وهذا الفِعلُ لا يَتَكَرَّرُ في السّورةِ إلّا ثَلاثاً، ولِكُلِّ مَرّةٍ فاعِلٌ غَيرُ الآخَر. أمرٌ يَصدُرُ إلى مُخاطَبٍ في هذا العُنقودِ نَفسِه: وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ﴾. ومُحاوَلةٌ هُنا. وإرادةٌ تُذكَرُ في آخِرِ السّورة: فَأَرَادَ أَن يَسْتَفِزَّهُم مِّنَ الْأَرْضِ﴾. ثَلاثةُ مَواضِعَ يَجمَعُها فِعلٌ واحِد، والسّورةُ تَضَعُها ولا تُعَلِّقُ عَلَيها.

«مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا»: وَسيلةٌ ثُمَّ غاية

لامٌ واحِدةٌ تَفصِلُ الفِعلَينِ وتَرتُبُهُما: «لِيُخْرِجُوكَ». فالإزعاجُ وَسيلة، والإخراجُ غاية. خُطوَتانِ لا خُطوةٌ واحِدة.

والفِعلُ الثّاني على وَزنِ أفعَلَ: «يُخْرِجُوكَ»، لا «تَخرُج». الخُروجُ مَنقولٌ إليك من غَيرِك. أمّا الأوَّلُ فيَجعَلُك أنتَ الذي يَخِفُّ. أرادوا أن تُقلِعَ بِنَفسِك، ثُمَّ يُتِمّوا هُم الإقلاع.

و«الْأَرْضِ» مُعَرَّفةٌ ولا تُسَمّى. لم يُقَلْ أيُّ أرض. والذي يُقالُ عنها شَيءٌ واحِد: أنَّه كانَ فيها وأُريدَ إخراجُه مِنها. وهذا اللَّفظُ نَفسُه يُلازِمُ الفِعلَ حَيثُ يَعودُ: يَسْتَفِزَّهُم مِّنَ الْأَرْضِ﴾. يَسري الفِعلُ ويَسري مَعَه مُتَعَلَّقُه.

«وَإِذًا لَّا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا»: بَقاؤُهُم يُقاسُ بِذَهابِك

«إِذًا» ثانِيةً. الشَّطرُ الآخِرُ من الآيةِ جَوابٌ لِما لم يَقَع، كما كانَ الشَّطرُ الأوَّلُ مُقارَبةً لم تَقَع. جَزاءُ فِعلٍ مَفروضٍ لِفاعِلٍ لم يَفعَل.

و«اللُّبث» مُكثٌ لاصِقٌ بِمَوضِعِه، لكِنَّ في الجَذرِ ما يُنهيه: انتِثارٌ يُفَرِّقُ اللّاصِق. فما مِن لُبثٍ إلّا ولَه أمَد. والآيةُ تُحَدِّدُ الأمَد.

ثُمَّ «خِلَافَكَ»: ظَرفٌ يَجعَلُ ذَهابَه هو المَبدَأ. لا يُقاسُ بَقاؤُهُم بِسِنينَ ولا بِحادِثة، يُقاسُ بِخُروجٍ لو وَقَع. مَن أخرَجَ ساكِنَ الدّارِ لم يَبقَ في الدّارِ طَويلاً.

و«قَلِيلًا» هي هي، بَعدَ آيَتَينِ من شَيْئًا قَلِيلًا﴾. قَليلٌ يُقاسُ بِه ما كادَ أن يُفعَل، وقَليلٌ يُقاسُ بِه ما كانَ سَيَبقى.


حَصيلة

إطارٌ مُعادٌ بِحُروفِه: «وَإِن كَادُوا» واللّامُ في خَبَرِها، ولا يَتَبَدَّلُ إلّا الفِعل، ففِتنةٌ عن مُوحىً بِه هُناكَ وإخفافٌ عن أرضٍ هُنا. والفِعلُ نَفسُه مَبنيٌّ على الطَّلَبِ فوقَ الإزعاج: أن يَخِفَّ الثّابِتُ بِنَفسِه، ثُمَّ تَأتي اللّامُ فتُرَتِّبَ الوَسيلةَ والغاية: يُزعَجُ لِيُخرَج، والأوَّلُ يَجعَلُه هو الذي يَتَحَرَّكُ والثّاني يَجعَلُه مَحمولاً على الحَرَكة. والأرضُ مُعَرَّفةٌ لا تُسَمّى، ولا يُقالُ عنها إلّا أنَّه فيها. ثُمَّ يَنقَلِبُ المِكيالُ على الكائِلين: «إِذًا» تَقيسُ لُبثَهُم لا لُبثَه، وتَجعَلُ مَبدَأَ القِياسِ خُروجَه هو، «خِلَافَكَ». والجَذرُ يُعينُ على ذلك، فاللُّبثُ لُصوقٌ يَنتَهي بِتَفَرُّق. مَن نَزَعَ الوَتَدَ فقد نَزَعَ ما كانَ يَشُدُّ خِيامَه أيضاً.