الإسراء · الآية 64

﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ ۚ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ ۚ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا

خَمسةُ أوامِرَ، ولا تَعقيبَ إلّا على آخِرِها

تُعَدُّ الأوامِرُ قَبلَ أن يُقرَأَ واحِدٌ مِنها: «اذْهَبْ» في الآيةِ قَبلَها، ثُمَّ «وَاسْتَفْزِزْ» و«وَأَجْلِبْ» و«وَشَارِكْهُمْ» و«وَعِدْهُمْ» ها هُنا، فهي خَمسةُ أوامِر، تَتَتابَعُ أربَعَتُها في هذه الآيةِ بِواوِ العَطف.

ثُمَّ يُعَدُّ التَّعقيب: فأربَعةٌ مَرَّت بِلا كَلِمةٍ على ما تَأمُرُ بِه، والخامِسُ لم يَكَدْ يَنتَهي حتّى نَزَلَ عَلَيه كَلامٌ يُفَرِّغُه: «وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا».

وهذا هو مَوضِعُ الإصغاءِ في الآية: فالوَسائِلُ التي تُمَسُّ بِها الأبدانُ والأموالُ تُرِكَت كما قيلَت، والوَسيلةُ التي مَتنُها كَلامٌ هي وَحدَها التي فُتِحَت، وما يُقالُ يُنظَرُ في داخِلِه، وما يُفعَلُ يُترَكُ لِفِعلِه.

«وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ»: طَلَبانِ في جُملةٍ واحِدة

والفِعلانِ كِلاهُما على «استَفعَلَ»، وهو وَزنُ الطَّلَب: فـ«اسْتَفْزِزْ» طَلَبُ الإزعاجِ مِنهُم، و«اسْتَطَعْتَ» طَلَبُ الانقِيادِ من الآلة، فالأمرُ مَحدودٌ بِقُدرةٍ هي نَفسُها مَطلوبةٌ لا مَملوكة.

و«فَزَّ» في حُروفِه شَقٌّ ضَيِّقٌ يَتَضاغَطُ فيه المَحصورُ ثُمَّ يَهتَزُّ فيَنفَلِتُ من مَوضِعِه، فالمَطلوبُ أن يُقلَقوا عن مُستَقَرِّهِم، لا أن يُؤخَذوا. وهذا الفِعلُ يَتَكَرَّرُ في هذه السّورةِ ثَلاثَ مَرّاتٍ لا رابِعَ لَها، ويَتَبَدَّلُ فاعِلُه في كُلِّ مَرّة، وهذه أُولاها، والأُخرَيانِ تُقرَآنِ في مَوضِعَيهِما.

والوَسيلةُ الأولى «بِصَوْتِكَ»، وهو صَوتٌ يَبلُغُ ولا يَمَسّ، وأوَّلُ ما سُمِّيَ من الآلاتِ ما لا يَقَعُ على جِسم.

«وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ»: حَرفٌ يَنزِلُ وحَرفٌ يُصاحِب

و«أَجْلِبْ» على أفعَل، وعُدِّيَ بِـ«على»، وهذه السّورةُ تَستَعمِلُ «على» فيما يَنزِلُ ويُثقِل، فالجَلَبُ يَنصَبُّ عَلَيهِم من فَوق، ولا يُقالُ إنَّه يَدخُلُ فيهِم.

ومَدارُ ج-ل-ب على تَجَمُّعٍ يَنساب، ثُمَّ يُدفَعُ خارِجاً إلى مَحَلٍّ آخَر، فما جُمِعَ في مَوضِعٍ سيقَ إلى مَوضِع.

ثُمَّ باءٌ ثانِيةٌ لِوَسيلةٍ ثانِية: «بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ»، وهُما اسمانِ جامِعان، راكِبٌ وماشٍ، وكِلاهُما مُضافٌ إلَيه بِضَمير. ولا تُبَيِّنُ الآيةُ ما هُما، ولا مِمَّ هُما، ولا كَم هُما، فقد أُضيفا إلَيه وسُكِتَ عن حَقيقَتِهِما.

«وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ»: مُفاعَلةٌ لا تَقومُ بِواحِد

وعُدِلَ عن «خُذْ أموالَهُم» و«امنَعْهُم أولادَهُم» إلى «شَارِكْهُمْ»، والوَزنُ مُفاعَلةٌ لا تَتِمُّ إلّا بِطَرَفَين، فالمَأمورُ بِه دُخولٌ في نَصيبٍ قائِمٍ لا انتِزاعُ نَصيبٍ من يَد.

والشِّركُ مَكتوبٌ في المُعجَم: مُداخَلةُ نَصيبٍ في نَصيب، حتّى يَلتَبِسَ الاختِصاص. والذي تَزيدُه هذه الآيةُ عَلَيه حَرفُ «في»، فالمُداخَلةُ تَقَعُ داخِلَ الشَّيئَينِ المُسَمَّيَين، لا عَلَيهِما ولا حَولَهُما. وهُما مُعَرَّفانِ بِـ«ال»، فالمُرادُ الجِنسُ كُلُّه لا مالٌ بِعَينِه ولا وَلَدٌ بِعَينِه.

وقد سَبَقَ في هذه السّورةِ نَهيٌ في هذا المَوضِعِ نَفسِه: وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ﴾، وعُلِّلَ هُناكَ بِخَشيةٍ في الصَّدرِ لا بِفَقرٍ في اليَد، فالمَوضِعُ الذي حُذِّرَ فيه من خَشيةٍ تُملي هو المَوضِعُ الذي يُطلَبُ فيه ها هُنا اشتِراك.

«وَعِدْهُمْ»: أمرٌ بِلا مَضمون، ثُمَّ يُقالُ ما مَضمونُه

والأمرُ الأخيرُ جاءَ فِعلاً وضَميراً ولا شَيءَ ثالِث، فلم يَأتِ «عِدْهُمُ البَقاءَ» ولا «عِدْهُمُ الغِنى» ولا «عِدْهُمْ أن...»، والحَشوُ الذي يَملَأُ الوَعدَ مَحذوفٌ حَذفاً تامّاً.

ثُمَّ يَأتي التَّعقيبُ فيَملَأُ الفَراغَ الذي تُرِك: «وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا». والحَصرُ بِـ«ما... إلّا» يَقصُرُ مَضمونَ الوَعدِ على شَيءٍ واحِد، فالكَلِمةُ التي أُفرِغَت في الأمرِ مُلِئَت في الخَبَر.

والذي مُلِئَت بِه هو الغُرور، والغُرورُ مَكتوبٌ في المُعجَم: سِترٌ كَثيفٌ رَخوٌ لا يَقطَعُ ما يَستُرُه، سَطحٌ لا يَزالُ يَتَحَرَّكُ حتّى يَشغَلَ مَكانَ ما وَراءَه. فالوَعدُ في لَفظِ الآيةِ غِطاء، ولم يوصَفْ بِأنَّه كَذِبٌ يُقال، والغِطاءُ يَقتَضي مُغَطّىً باقِياً تَحتَه، فالمَوعودُ بِه حُجِبَ عن العَين، ولم يُنزَع.

ثُمَّ التَفَتَ الكَلامُ من الخِطابِ إلى الغَيبة: فـ«وَعِدْهُمْ» أمرٌ لِمُخاطَب، و«يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ» اسمٌ ظاهِرٌ في مَوضِعِ الغائِب. وقد قالَتِ السّورةُ في هذا الاسمِ من قَبل: إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا﴾، فالخِتامُ حُكمٌ يُقالُ لِمَن يَقرَأ، وليسَ رَدّاً على مُخاطَبٍ في مَجلِسِه.


حَصيلة

خَمسةُ أوامِر: واحِدٌ في الآيةِ قَبلَها، وأربَعةٌ ها هُنا تَتَتابَعُ بِالواو، ولا يُعَقَّبُ إلّا على الخامِس. وأوَّلُها «وَاسْتَفْزِزْ» على وَزنِ الطَّلَب، ومَعَه طَلَبٌ ثانٍ في «اسْتَطَعْتَ»، فالقُدرةُ نَفسُها مَطلوبةٌ لا مَملوكة، والمَقصودُ إقلاقٌ عن مُستَقَرٍّ لا أخذُ رِقاب، ووَسيلَتُه صَوتٌ يَبلُغُ ولا يَمَسّ. ثُمَّ «وَأَجْلِبْ» بِـ«على» التي تَنزِلُ وتُثقِلُ في هذه السّورة، وبِباءٍ ثانِيةٍ لِجامِعَينِ مُضافَينِ إلَيه لم توصَفْ حَقيقَتُهُما. ثُمَّ «وَشَارِكْهُمْ» مُفاعَلةً لا تَقومُ بِواحِد، و«في» تَضَعُ المُداخَلةَ داخِلَ المالِ والوَلَدِ مُعَرَّفَينِ بِالجِنس، وهُما المَوضِعُ الذي سَبَقَ في السّورةِ النَّهيُ عن قَتلِ الأولادِ فيه خَشيةً لا فَقراً. ثُمَّ «وَعِدْهُمْ» عارِياً من كُلِّ مَوعودٍ بِه، ويَجيءُ الحَصرُ بَعدَه فيَملَأُ ما تُرِك: غُرورٌ، وهو في المُعجَمِ سِترٌ يَتَحَرَّكُ حتّى يَحتَلَّ مَوضِعَ ما وَراءَه. فأربَعةُ أوامِرَ تُرِكَت على ظاهِرِها، وواحِدٌ رُفِعَ عَنه الغِطاءُ فإذا هو غِطاء.