الإسراء · الآية 103
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
«فَأَرَادَ»: فاءٌ تَعقُبُ القَولَ بِإرادةٍ لا بِفِعل
فاءٌ بِلا فاصِل. قَولٌ ثُمَّ إرادة.
ولم يُذكَرْ لَه فِعلٌ وَقَع. ذُكِرَت إرادَتُه، وهذا كُلُّ ما نُسِبَ إليه في الآية. فالمَحكيُّ عَزمٌ لا حَدَث.
والجِذرُ ر-و-د تَرَدُّدٌ لَيِّنٌ مَوصولٌ بِغايةٍ حتّى يَثبُتَ عِندَها. ومنه «الرّائِد» يَتَرَدَّدُ في الأرضِ حتّى يَقَعَ على المَوضِعِ فيَثبُتَ عَلَيهِ ويَدُلّ. فالإرادةُ ليسَت خاطِراً يَمُرّ، بَل طَلَبٌ عاوَدَ حتّى استَقَرَّ على وَجهٍ واحِد.
وما يَقَعُ في آخِرِ الآيةِ يَقَعُ على هذا، لا على شَيءٍ تَمَّ. عَزمٌ ثَبَتَ، فنَزَلَ الجَوابُ عَلَيهِ قَبلَ أن يُنَفَّذ.
«أَن يَسْتَفِزَّهُم مِّنَ الْأَرْضِ»: فِعلٌ لا يَتَكَرَّرُ في السّورةِ إلّا لِثَلاثة
الجِذرُ ف-ز-ز اهتِزازٌ يَشُقُّ قَرارَ الشَّيءِ فيَخِفُّ عنه ويَنفُذُ خارِجاً. ومنه «الفَزّ» الخَفيفُ الوَثّاب. فالمُرادُ هُنا زَعزَعةٌ تُخِفُّ الثّابِتَ حتّى يَنقَلِعَ من قَرارِه، لا إخراجٌ بِيَدٍ تَدفَع.
و«استَفَزَّ» على وَزنِ استَفعَل، وهي صيغةُ الطَّلَب: طَلَبُ ذلك الاقتِلاعِ والسَّعيُ إليه.
وهذا الفِعلُ لا يَجري في هذه السّورةِ إلّا في ثَلاثةِ مَواضِع، ولا يَجمَعُ فاعِليها شَيءٌ إلّا هو. أُمِرَ بِه واحِدٌ: وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ﴾. وكادَ يَقَعُ على واحِدٍ آخَر: وَإِن كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ﴾. وأُريدَ هُنا لِقَوم. ثَلاثةُ مَواضِعَ وفِعلٌ واحِد، واثنانِ منها يَنتَهيانِ إلى الحَرفَينِ أنفُسِهِما: «مِنَ الأرض».
و«مِن» هُنا لِابتِداءِ الغاية. المَنزوعُ عنه مَذكورٌ والمَنزوعُ إليه مَتروك. يُقالُ عَمّا يُقتَلَعونَ منه، ولا يُقالُ إلى أين.
والأرضُ في أصلِها قَرارٌ ثابِتٌ يَجري عَلَيهِ ما يَجري ويَضُمُّه بِثِقَلِه. فالمُرادُ إخفافُ ما جُعِلَ ثَقيلاً، ونَزعُ القارِّ عن قَرارِه.
«فَأَغْرَقْنَاهُ»: جَوابٌ يَنزِلُ في الجِهةِ المُقابِلة
فاءٌ ثانِيَةٌ في آيةٍ واحِدة. الأولى نَقَلَت من قَولٍ إلى إرادة، والثّانِيَةُ تَنقُلُ من إرادةٍ إلى جَواب. ولا فاصِلَ في المَوضِعَين.
وكَلِمةٌ واحِدةٌ تَحمِلُ الجَوابَ كُلَّه. لا تُوصَفُ هَيئَتُه ولا تُذكَرُ آلَتُه ولا يُمَدُّ المَشهَد. يُذكَرُ الفِعلُ ويُوقَفُ عِندَه.
والجِذرُ غ-ر-ق تَغطِيَةٌ كَثيفةٌ تَجري ثُمَّ تَنعَقِدُ في العُمقِ فلا يَبقى لِلمَغمورِ مَنفَذ. وقابِلْ بَينَه وبَينَ ما أُريد. الإرادةُ رَفعٌ عن قَرارٍ إلى فَوق، والجَوابُ عَقدٌ في عُمقٍ إلى تَحت. طُلِبَ الاقتِلاعُ فوَقَعَ الانطِباق.
ومَن أرادَ أن يَنزِعَ قَوماً عن أرضٍ تَحمِلُهُم، أُخِذَ بِما لا أرضَ تَحتَه.
«وَمَن مَّعَهُ جَمِيعًا»: صِلةٌ لا تَصِفُ ولا تَعُدّ
«مَن» مَوصولٌ مُبهَم. لا اسمَ ولا عَدَدَ ولا وَصف. الذي قيلَ عنهُم كَلِمةٌ واحِدة: أنَّهُم كانوا مَعَه.
و«مَعَ» ظَرفُ مُصاحَبة. فالرِّباطُ الذي أدخَلَهُم في الحُكمِ هو المَعِيَّةُ نَفسُها، لا فِعلٌ يُنسَبُ إلَيهِم في الآية.
ثُمَّ «جَميعاً» حالٌ تَعُمّ. والجِذرُ ج-م-ع ضَمٌّ يَرفَعُ التَّفَرُّقَ ويُحضِرُ المُتَفَرِّقَ في مَجالٍ واحِد. فالكَلِمةُ الأخيرةُ تُغلِقُ البابَ على الجُملة: لا يُترَكُ خارِجَ الحُكمِ واحِد، ولا يُفرَزُ داخِلَه واحِد.
وانظُرْ إلى الحَركَتَين. إرادةٌ تُفَرِّقُ قَوماً عن أرضِهِم، وجَوابٌ يَجمَعُ قَوماً في كَلِمةٍ واحِدة. التَّفريقُ بَقِيَ مُراداً، والجَمعُ وَقَع.
حَصيلة
فاءٌ تَعقُبُ القَولَ بِإرادة، ور-و-د تَرَدُّدٌ يُعاوِدُ حتّى يَثبُتَ عِندَ غايَتِه، فالمَنسوبُ إليه عَزمٌ لا فِعلٌ تَمّ. ثُمَّ «يَستَفِزَّهُم» على استَفعَلَ من ف-ز-ز: طَلَبُ اهتِزازٍ يَشُقُّ القَرارَ فيَخِفُّ عنه القارُّ ويَنقَلِع، وهو فِعلٌ لا يَجري في هذه السّورةِ إلّا في ثَلاثةِ مَواضِعَ لِثَلاثةِ فاعِلين، اثنانِ منها بِـ«مِنَ الأرض» بِحَرفِها. و«مِن» لِابتِداءِ الغاية: يُذكَرُ المَنزوعُ عنه ويُترَكُ المَنزوعُ إليه. وأ-ر-ض قَرارٌ ثابِتٌ يَضُمُّ ما عَلَيهِ بِثِقَلِه، فالمُرادُ إخفافُ ما جُعِلَ ثَقيلاً. ثُمَّ فاءٌ ثانِيَةٌ وكَلِمةٌ واحِدةٌ تَحمِلُ الجَوابَ بِلا وَصفٍ لِهَيئَتِه، وغ-ر-ق تَغطِيَةٌ تَجري ثُمَّ تَنعَقِدُ في العُمقِ فلا مَنفَذ: طُلِبَ رَفعٌ إلى فَوقٍ فوَقَعَ عَقدٌ في تَحت. ثُمَّ «مَن مَعَه» صِلةٌ لا تَصِفُ ولا تَعُدّ، ورِباطُها المَعِيَّةُ وَحدَها، و«جَميعاً» من ج-م-ع ضَمٌّ يَرفَعُ التَّفَرُّق. إرادةٌ تُفَرِّقُ عن أرض، وجَوابٌ يَجمَعُ في كَلِمة.