الإحاطة
التَّعريف الجَذريّ
الإحداقُ من جَميعِ الجِهاتِ بِلا فَتحةٍ لِلخُروج. ما يُغلِقُ الكَيانَ من كُلِّ جانِبٍ بِقُوَّةٍ مُستَمِرَّة.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
ثَلاثةُ حُروف:
- ح: التضييقُ والاحتواءُ في الباطن.
- و: حَرفُ مَدٍّ بَينَ الحَرفَين. شِحنَتُه: الوَصلُ المَمدود.
- ط: الانبساطُ والانتشارُ الثقيل.
النَّواةُ حط (ح + ط) = احتواءٌ حارٌّ يَنبسِطُ انبساطًا ثقيلًا. وامتدادُ الواوِ بَينَهُما يُطيلُ هذا الانبِساطَ ويَمُدُّه على ما يَحتَويه. فيَصيرُ الجَذرُ كُلُّه: احتِواءٌ يَنبَسِطُ ثَقيلاً على جَوانِبِ الشَّيءِ كُلِّها حتّى يَستَوعِبَه: إحداقٌ يَشمَلُه من كُلِّ جِهة. الحائِطُ ما أَحاطَ بِالشَّيءِ من كُلِّ جانِب.
ومنه في كَلامِ العَرَب:
- الحائِط: الجِدارُ الذي يُحيطُ بِالمَوضِع.
- أَحاطَ بِه: أَحدَقَ بِه من كُلِّ جانِب.
- الإحاطة: الشُّمولُ الكامِلُ من كُلِّ الجِهات.
الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن
- أَحاطَت بِهِ (ماضٍ مُؤَنَّث، فاعِلُه الخَطيئة): في ٢:٨١. «أَحاطَت بِهِ خَطيئَتُه»: الخَطيئةُ هي الفاعِلةُ التي أَحاطَت بِصاحِبِها. الإحاطةُ مَعِيَّةٌ شامِلةٌ: لا جانِبَ يَبقى خارِجَها.
- مُحيط (اسمُ فاعِلٍ من «أحاطَ» على أفعَل): في ٢:١٩ و٣:١٢٠ و٨٥:٢٠ مَرفوعاً خَبَراً في جُملةٍ اسمِيّة، وفي ٤:١٠٨ و٤:١٢٦ مَنصوباً خَبَراً لِـ«كانَ». المَوصوفُ بِه اللهُ في المَواضِعِ الخَمسة، ويُعَدّى بِالباءِ إلى الكافِرينَ وإلى ما يَعمَلونَ وإلى كُلِّ شَيء، ويُقَيَّدُ في ٨٥:٢٠ بِجِهةِ الوَراء.
الجَذرُ قَبلَ الوَزن: احتِواءٌ يَنبَسِطُ ثَقيلاً على جَوانِبِ الشَّيءِ كُلِّها، من الجَذر.
الفُروق المَعنويّة
لا فُروعَ مُتَمَيِّزةٌ بِجَذرٍ مُنفَصِل.
المَواضع: مَواقعُ الإحاطةِ في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٢:١٩ ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾: مَوضِعُ الافتِتاح. «مُحيطٌ» اسمُ فاعِلٍ خَبَرٌ عن اسمِ الجَلالةِ في جُملةٍ اسمِيّة، مُعَدّىً بِالباءِ إلى «الكافِرين»، خاتِمةً لِمَثَلِ صَيِّبٍ يَسُدُّ أصحابُه آذانَهُم خَوفاً من المَوت. الجَديدُ: تَدخُلُ الإحاطةُ المُصحَفَ صِفةً قائِمةً لِلّهِ تَقَعُ على صِنفٍ من النّاسِ من جِهاتِه كُلِّها، فسَدُّ الأُذُنِ لا يُخرِجُ صاحِبَه من الدّائِرة، وحَيثُما أدارَ وَجهَه كانَ داخِلَها. واسمُ الفاعِلِ يَجعَلُها حالاً ثابِتةً لا حَدَثاً يَقَعُ ثُمَّ يَنقَطِع. انظُر الكُفر.
- ٢:٨١ ﴿مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: الإحاطةُ تَرِدُ هُنا فِعلاً فاعِلُه الخَطيئة، شَرطاً مِحوَرِيّاً في حُكمِ الخُلودِ في النّار. «أَحاطَت بِهِ خَطيئَتُه» بُنيةٌ مُحَدَّدة: لَيسَ مُجَرَّدَ اقتِرافِ سَيِّئةٍ (في المِصراعِ الأَوَّل) بَل إحاطةُ الخَطيئةِ بِصاحِبِها من كُلِّ جانِب. الإحاطةُ تُشيرُ إلى تَراكُمِ الخَطيئةِ حَتّى ملَأَت الكَيانَ ولَم تُبقِ فَتحةً للتَّوبةِ والرُّجوع. الجَديدُ: يَتَبَدَّلُ طَرَفا الإحاطةِ عَمّا في ٢:١٩، فالمُحيطُ ما اكتَسَبَه المَرءُ «خَطِيئَتُهُ» والمُحاطُ صاحِبُها «بِهِ»، ويَأتي الجَذرُ فِعلاً ماضِياً مَعطوفاً في شَرطٍ «مَن كَسَبَ سَيِّئَةً» جَوابُه «فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ»، بَعدَ أن كانَ اسمَ فاعِلٍ خَبَراً عن الله.
- ٣:١٢٠ ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾: «مُحيطٌ» اسمُ فاعِلٍ خَبَرٌ لِـ«إنَّ» عن اسمِ الجَلالة، تَقَدَّمَ عَلَيه مُتَعَلَّقُه «بِمَا يَعْمَلُونَ»، خاتِمةً لِآيةٍ في قَومٍ يَسوؤُهُم ما يُصيبُ المُخاطَبينَ من حَسَنةٍ ويَفرَحونَ بِسَيِّئَتِهِم، وفيها أنَّ الصَّبرَ والتَّقوى يَمنَعانِ ضَرَرَ كَيدِهِم. الجَديدُ: يَقَعُ المُتَعَلَّقُ على العَمَلِ لا على العامِلين، «ما» تَجمَعُ أعمالَهُم والمُضارِعُ يُبقيها جارِية، وكانَتِ الإحاطةُ في ٢:١٩ على صِنفٍ من النّاسِ وفي ٢:٨١ خَطيئةً تُحيطُ بِصاحِبِها. وتَأتي الإحاطةُ بِالكَيدِ أماناً لِغَيرِ أهلِه: ما يُدَبَّرُ في الخَفاءِ واقِعٌ داخِلَها، فلا يَبلُغُ مَن صَبَرَ واتَّقى. انظُر الكَيد.
- ٤:١٠٨ ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾: «مُحيطاً» اسمَ فاعِلٍ خَبَراً لِـ«كانَ» عن اسمِ الله، مُعَدّىً بِالباءِ إلى «ما يَعمَلون»، في خِتامِ آيةٍ في قَومٍ «يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ». الجَديدُ: تَدخُلُ «كانَ» على الوَصفِ الذي جاءَ في ٢:١٩ و٣:١٢٠ خَبَراً في جُملةٍ اسمِيّة، وكانَ المُحيطُ في ٢:٨١ خَطيئةً تَنطَبِقُ على صاحِبِها. ويَسبِقُها «وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ»، فالإحاطةُ حُضورٌ في ساعةِ الإبرامِ نَفسِها، والخَفاءُ الذي طَلَبوه من النّاسِ واقِعٌ كُلُّه داخِلَها، ويَدخُلُ القَولُ المُبَيَّتُ فيما يَعمَلون. انظُر الكَسب والقَول.
- ٤:١٢٦ ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطًا﴾: «مُحيطاً» خَبَراً لِـ«كانَ» مُعَدّىً بِالباءِ إلى «كُلِّ شَيءٍ» مُقَدَّماً عَلَيه، بَعدَ «وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ». الجَديدُ: يَتَّسِعُ مُتَعَلَّقُ الإحاطةِ من عَمَلِ قَومٍ في (٤:١٠٨) إلى كُلِّ ما يُسَمّى شَيئاً، دَقَّ أو جَلّ، ويَسبِقُها ذِكرُ المِلك، فيَقتَرِنُ ما يُملَكُ بِما يُحاطُ بِه. والجَذرُ يَجمَعُ الدَّورانَ بِالشَّيءِ والحِفظَ لَه، كالحائِطِ يَدورُ بِما فيه فيَحفَظُه، فالمالِكُ لِما في السَّماواتِ وما في الأرضِ يَدورُ بِما يَملِكُ من جِهاتِه كُلِّها، ولا يُفلِتُ مِنه شَيء. انظُر المُلْك.
- ٨٥:٢٠ ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾: الإحاطةُ تَرِدُ اسمَ فاعِلٍ خَبَراً عن لَفظِ الجَلالة، مُقَدَّماً عَلَيهِ الجارُّ ﴿مِنْ وَرَائِهِمْ﴾. الجَديدُ: تُسَمّى جِهةُ الإحاطةِ «مِنْ وَرَائِهِمْ»، ويُعَيَّنُ المُحاطُ بِهِم قَوماً هُم «فِي تَكْذِيبٍ». كانَ المُحيطُ في ٢:٨١ خَطيئةَ العَبدِ تَنطَبِقُ على صاحِبِها فيَصنَعُ إحاطَتَه بِكَسبِه، وكانَ في ٢:١٩ وَصفاً لِلهِ مُحيطاً بِالكافِرينَ في جُملةٍ اسمِيّة، وفي ٣:١٢٠ و٤:١٠٨ مُحيطاً بِما يَعمَلون، وفي ٤:١٢٦ بِكُلِّ شَيء، وهو هُنا مُحيطٌ بِقَومٍ بِأعيانِهِم من جِهةٍ مُسَمّاة، فَتَقَعُ الإحاطةُ عَلَيهِم ولا يَصنَعونَها. ويُقَيَّدُ المَوضِعُ بِالوَراء، وهو ما خَرَجَ عن مَجالِ النَّظَرِ الحاضِر، فتُؤخَذُ الدّائِرةُ من الجِهةِ التي لا يُلتَفَتُ إليها. واسمُ الفاعِلِ يُثبِتُ حالاً قائِمةً لا فِعلاً مَضى، والضَّميرُ راجِعٌ إلى «الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ» (٨٥:١٩): مَن أَقامَ في التَّكذيبِ يَحسَبُ أنَّه أَغلَقَ جِهةً، ولا فَتحةَ في الدّائِرة. انظُر التَّكذيب والكُفر.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
kasb: الكَسبُ يَسبِقُ الإحاطة: فِعلٌ ثُمَّ إحاطة.sayyi-a: السَّيِّئةُ المَكسوبةُ ثُمَّ الخَطيئةُ المُحيطة.khatiya: الخَطيئةُ في صيغَتِها الشّامِلةِ هي الفاعِلةُ للإحاطة.
الإشكالات المَفتوحة
- هَل «أَحاطَت بِهِ خَطيئَتُه» تَعني كُلَّ خاطِئٍ أم المُصِرَّ دونَ تَوبة؟ الجَذرُ يُرجِّحُ الإحاطةَ الشّامِلة: مَن بَقي في الخَطيئةِ حَتّى أَحاطَت بِه مِن كُلِّ جانِب لَم يَعُد ثَمَّةَ منفَذٌ خارِجَها.