الخَطيئة
التَّعريف الجَذريّ
الانحِرافُ عَن المَسارِ الصَّحيح: ما وَقَعَ في غَيرِ مَوضِعِه فأخطَأَ ما قُصِدَ به. والجَذرُ يُسَمّي الانحِرافَ نَفسَه ولا يُقَرِّرُ حُكماً في القَصد: يَقَعُ في المُسَجَّلِ على ما يُعتَذَرُ منه بِالنِّسيان (٢:٢٨٦) وعلى ما يُكسَبُ فيُحيطُ بِصاحِبِه (٢:٨١) مَعاً.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
ثلاثةُ حُروف:
- خ: تَخَلخُلٌ واختِراق، شِحنتُه: ما يُرَيِّقُ ويَثقُبُ.
- ط: انبِساطٌ وانتِشارٌ ثَقيل، شِحنتُه: وَضعٌ على السَّطح.
- أ: تَأكيدٌ وقَطع، شِحنتُه: قَطعٌ وانطِباقٌ تامّ.
النَّواةُ خط (خ + ط) = تَخَلخُلٌ مُنتَشِر: ما يَثقُبُ المَسارَ ويَنتَشِرُ فيه. الإغلاقُ بـأ يَقطَعُ هذا الانتِشارَ قَطعاً تامّاً عِندَ نُقطةٍ حاسِمة: الخُروجُ يَنتَهي إلى نُقطةٍ قاطِعةٍ لا يُجاوِزُها.
الجَذرُ قَبلَ الوَزن: تَخَلخُلٌ مُنتَشِرٌ يَثقُبُ المَسارَ ثُمَّ يَنقَطِعُ عِندَ نُقطَة. الخَطَأُ في العَرَبيّةِ أَصلاً الرَّميُ فَيُخطِئُ الهَدَف: سَهمٌ جَرى في غَيرِ اتِّجاهِه المَقصود.
ومنه في كَلامِ العَرَب:
- أَخطَأَ: ضَرَبَ فَلَم يُصِب.
- الخَطَأ: ما وَقَعَ في غَيرِ موضِعِه دونَ قَصد.
- خاطِئ: واقِعٌ في خَطَإٍ لَكِنَّه لَيسَ بالضَّرورةِ عامِداً.
الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن
- خَطَايَاكُمْ (جَمعُ الخَطيئة، مُضافٌ لِضَميرِ الخِطابِ الجَمع): في ٢:٥٨. الجَمعُ يُشيرُ إلى تَعَدُّدِ الانحِرافات. الإِضافةُ إلى «كُم» تَجعَلُ الخَطايا مَنسوبةً إلى الجَماعةِ في مَجموعِها.
- خَطِيئَتُهُ (المُفرَدُ مُضافاً إلى ضَميرِ الغائِب): في ٢:٨١، وهو المَوضِعُ الوَحيدُ لِلمُفرَدِ في المَنشور، وفيه تَقَعُ الخَطيئةُ فاعِلاً لا مَفعولاً («أَحاطَت»).
- خَطَايَانَا (الجَمعُ مُضافاً إلى ضَميرِ المُتَكَلِّمين): في ٢٠:٧٣، في طَلَبِ غُفران.
- أَخْطَأْنَا (الفِعلُ الماضي لِلمُتَكَلِّمين): في ٢:٢٨٦، وهو الفِعلُ الوَحيدُ من الجَذرِ في المَنشور، ومَعطوفٌ على «نَسينا».
الجَذرُ قَبلَ الوَزن: الانحِرافُ عَنِ المَسار. والصِّيَغُ تُوَزِّعُ مَن يُنسَبُ إلَيه الانحِرافُ لا حُكمَ قَصدِه.
الفُروق المَعنويّة
dhulm: الظُّلمُ وَضعُ الشَّيءِ في غَيرِ مَوضِعِه (بِشِحنةٍ من القَصدِ والإِرادة). والخَطيئةُ انحِرافٌ في المَسارِ لا يَنُصُّ الجَذرُ فيه على قَصدٍ ولا على نَفيِه، فيَتَّسِعُ لِلوَجهَين. الفَرقُ في نَوعِ الإِخلالِ لا في دَرَجةِ القَصد.
المَواضع: مَواقعُ الخَطيئةِ في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٢:٥٨ ﴿نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾: مَوضِعُ الافتِتاح. «خَطاياكُم» مَفعولٌ بِه لِلغُفران: ما وَقَعَ من انحِرافٍ في مَسارِ الجَماعةِ سَيُغطَّى بِغِطاءٍ إذا دُخِلَ البابُ بِالهَيئةِ والكَلِمةِ الصَّحيحةِ. والخَطايا هنا مَجموعُ ما انحَرَفَ في مَسيرةِ الجَماعةِ، والآيةُ لا تُفَصِّلُ ما دَخَلَ فيها ولا تَستَثني منه. والمُحسِنُ يَتَجاوَزُ مَرحَلةَ الغُفرانِ إلى الزِّيادة: ليسَ كُلُّ مَن دَخَلَ البابَ سُجَّداً وقالَ حِطَّةً في مَرتَبةٍ واحِدة.
- ٢:٨١ ﴿بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾: الخَطيئةُ مَكسوبةٌ ومُحيطة. الجَديدُ: يُسنَدُ إلَيها فِعلانِ يَقلِبانِ قِراءةَ العَرَضِ رَأساً: «كَسَبَ» يَجعَلُ لَها فاعِلاً يَجذِبُها إلَيه، و«أَحاطَت» يَجعَلُها هي المُحيطةَ بِه بَعدَ أن كانَ هو الكاسِب. ويَتلوها الخُلودُ في النّار، فلا تُقرَأُ هَفوةً تُغتَفَرُ بِنَفسِها. فيَسقُطُ حَصرُ الجَذرِ في غَيرِ المَقصود: الانحِرافُ يُسَمّى خَطيئةً وإن كُسِبَ. وإضافَتُها إلى صاحِبِها («خَطيئَتُه») تَجعَلُها مَنسوبةً إلَيه لا واقِعةً عَلَيه. انظُر السَّيِّئة والإحاطة.
- ٢:٢٨٦ ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾: الوَجهُ الآخَرُ مَنطوقاً. الجَديدُ: يَخرُجُ الجَذرُ فِعلاً في دُعاءٍ، ويُعطَفُ على «نَسينا» عَطفَ النَّظيرِ على نَظيرِه، فيُقرَنُ الخَطَأُ بِذَهابِ الحِفظِ لا بِالكَسب. فيَجتَمِعُ لِلجَذرِ في السّورةِ الواحِدةِ طَرَفانِ: خَطيئةٌ تُكسَبُ فتُحيط (٢:٨١)، وخَطَأٌ يُطلَبُ رَفعُ المُؤاخَذةِ بِه (٢:٢٨٦). وطَلَبُ رَفعِ المُؤاخَذةِ نَفسُه دَليلٌ على أنَّ الرَّفعَ لَيسَ لازِماً بِمُجَرَّدِ الجَذر.
- ٢٠:٧٣ ﴿لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾: القَصدُ والإكراهُ في جُملةٍ واحِدة. الجَديدُ: يُعطَفُ على الخَطايا ما وَقَعَ بِإكراهٍ مَنصوصٍ («وما أكرَهتَنا عَلَيه»)، والعَطفُ يَقتَضي المُغايَرة. فيُقرَأُ من نَظمِ الآيةِ أنَّ المُكرَهَ عَلَيه لَيسَ داخِلاً في الخَطايا بِنَفسِه بَل يُضَمُّ إلَيها في الطَّلَب، وأنَّ الخَطايا المُضافةَ إلى المُتَكَلِّمينَ هي ما صَدَرَ عَنهُم لا ما أُكرِهوا عَلَيه. وبِه يَتِمُّ ما ابتَدَأَ في ٢:٨١: الجَذرُ يُسَمّي الانحِرافَ ويُترَكُ أمرُ القَصدِ لِلسِّياقِ يَنُصُّ عَلَيه.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
ghufran: الغُفرانُ يَتَعَلَّقُ بِالخَطايا: مَوضوعٌ وفِعلٌ مُتَلازِمان.hitta: الحِطَّةُ طَلَبُ رَفعِ الخَطايا بِقَولٍ يَحمِلُ البِنيةَ.ihsan: المُحسِنُ يَتَجاوَزُ حَدَّ الغُفرانِ إلى مَرتَبةٍ أَعلى.tawba: التَّوبةُ الرُّجوعُ من الخَطيئةِ (عَمَليَّة)، والغُفرانُ السَّترُ عليها (إلهيَّة).
الإشكالات المَفتوحة
- هل الخَطيئةُ في ٢:٥٨ تَشمَلُ اتِّخاذَ العِجل؟ الآيةُ لا تَستَثني شَيئاً ولا تُفَصِّل. مَوقِفُنا: «خَطاياكُم» أَشمَلُ من حادِثةٍ بِعَينِها، تَشمَلُ انحِرافاتِ مَسيرةٍ كامِلة.
- أيَحمِلُ الجَذرُ نَفيَ القَصدِ في أصلِه؟ ٢:٢٨٦ تَعطِفُه على النِّسيانِ فتُرَجِّحُ نَعَم، و٢:٨١ تُسنِدُه إلى كاسِبٍ وتُرَتِّبُ عَلَيه الخُلودَ فتُرَجِّحُ لا. والقِراءةُ هُنا: الجَذرُ يُسَمّي الانحِرافَ ويَسكُتُ عن القَصد، والسِّياقُ هو الذي يَنُصُّ عَلَيه. مَفتوح.