طه · الآية 73

﴿إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ ۗ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ ۗ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ

«إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا»: الباءُ تَعودُ، والإضافةُ تَنتَقِلُ

قالوا أوَّلَ مَرّة: آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَىٰ﴾، فعُدِّيَ الإيمانُ بِالباء، والمُضافُ إلَيهِ رَجُلان، فرُدَّ عَلَيهِم بِـآمَنتُمْ لَهُ﴾، فعُدِّيَ بِاللّام، والمَجرورُ ضَميرُ رَجُل.

ويُقالُ الآنَ: «آمَنَّا بِرَبِّنَا»، وقد عادَت فيه الباءُ التي نُزِعَت، ثُمَّ تَحَوَّلَتِ الإضافةُ إلَيهِم أنفُسِهِم.

وقَد كانَ بَينَ الاثنَينِ مَنزِلةٌ ثالِثة: وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾، فهي ثَلاثُ خُطُواتٍ في أربَعِ آيات: رَبُّ رَجُلَين، ثُمَّ الذي فَطَرَهُم، ثُمَّ رَبُّهُم، وبِها تَقارَبَتِ النِّسبةُ حتّى صارَت لَهُم.

و«إِنَّا» تُصَدِّرُ القَولَ بِالتَّوكيد، وهي الأداةُ التي شُدَّ بِها القَولُ عَلَيهِم مَرَّتَينِ في هذا المَشهَد، فيُشَدُّ بِها قَولُهُم عن أنفُسِهِم.

«لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا»: سِترٌ صَلبٌ لا مَحوَ أثَر

واللّامُ لِلتَّعليل، فالغايةُ مَقولةٌ في الكَلامِ غَيرُ مُستَنبَطة.

ومادّةُ غ-ف-ر غَورٌ يَستُرُ بِكَثافةٍ ثُمَّ يُمسِكُ ما سَتَر، ومِنه «المِغفَرُ» لِما يُلبَسُ على الرَّأسِ فيُغَطّيهِ ويَقيه، و«الغِفارةُ» لِما يُغَطّى بِه الشَّيءُ لِيُحفَظ. فالمَغفِرةُ في أصلِ المادّةِ سِترٌ يَقي، لا إزالةُ عَينٍ ولا نَفيُ وُقوع.

وأصلُ خ-ط-أ عُدولٌ عن المَقصِدِ يَقَعُ في غَيرِ مَوضِعِه. و«خَطايا» جَمعٌ غَيرُ مُفرَد، فهي أعمالٌ مَعدودةٌ لا حالٌ واحِدة.

«وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ»: خَبَرٌ يُنقَلُ كما قيل

وهو مَعطوفٌ على «خَطَايَانَا»، فيُطلَبُ السِّترُ عَلَيهِ كما يُطلَبُ على غَيرِه، ولم يُستَثنَ ولم يُخرَجْ من الحِساب.

و«ما» مَوصولةٌ مُبهَمةٌ ثُمَّ يُبَيَّنُ جِنسُها بِـ«من»، كما بُيِّنَ في الآيةِ التي قَبلَها بِـ«مِنَ الْبَيِّنَاتِ»، فهُما مَوضِعانِ مُتَقابِلانِ في نَسَقٍ واحِد.

ومَدارُ ك-ر-ه على إمساكٍ يَجري ثُمَّ يَنفُذُ إلى الباطِنِ على غَيرِ مُوافَقةٍ مِنه. و«أكرَهَ» على أفعَلَ مُعَدّىً بِـ«على»، ومَعناه أن يُوضَعَ الأمرُ على صاحِبِه وَضعاً.

وهذا قَولُهُم مَنقولاً بِنَصِّه، تَحكيهِ الآيةُ ولا تُصَدِّقُه ولا تُكَذِّبُه، ومَن حَكَمَ لَه أو عَلَيهِ فقد قالَ ما لم تَقُلْه.

«وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ»: كَلِمةٌ تُرَدُّ على قائِلِها

وقد قالَ لَهُم قَبلَ آيَتَين: أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَىٰ﴾، وكانَ بِذلك قد نَصَبَ مِيزاناً بِكَفَّتَين، ووَضَعَ نَفسَه في إحداهُما، وضَمَّ الطَّرَفَينِ في ضَميرٍ واحِدٍ هو «نا»، واختارَ لِلمِيزانِ لَفظَين: شِدّةً وبَقاء.

ويُقالُ هُنا: «خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ»، واللَّفظُ الثّاني لَفظُه بِحَرفِه، والصّيغةُ صيغَتُه: أفعَلُ تَفضيلٍ مَعطوفٌ على أفعَلَ تَفضيل. والمِيزانُ الذي نَصَبَه استُعمِلَ على حالِه ولم يُكسَر.

غَيرَ أنَّ اللَّفظَ الأوَّلَ تَبَدَّل، فقد كانَ «أَشَدُّ عَذَابًا» فصارَ «خَيْرٌ»، فقاسَ هو بِما يُؤلِمُ، وقيسَ هو بِما يُنتَقى. ومادّةُ خ-ي-ر نافِذٌ يَسري لَيِّناً في الشَّيءِ ويَجري أثَرُه فيه، ومِنه «اختارَ» و«الخِيَرة».

وتَبَدَّلَ شَيءٌ آخَر: فقد سَألَ «أَيُّنَا» طالِباً تَعيينَ إحدى الكَفَّتَين، ولم يُجَبْ بِـ«أنتَ» ولا بِـ«لا أنتَ»، وأُسقِطَ السُّؤالُ كُلُّه، وسُمِّيَتِ الكَفّةُ الرّاجِحةُ وَحدَها، فبَقِيَ الطَّرَفُ الآخَرُ بِلا ذِكر.

وقَد قيلَ لَه في الآيةِ التي قَبلَ هذه إنَّ قَضاءَهُ في هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾، فحُدَّ مَجالُه أوَّلاً، ثُمَّ ذُكِرَ البَقاءُ لِغَيرِه.

وب-ق-ي أصلُه ثُبوتٌ يَمتَدُّ بَعدَ ذَهابِ ما ذَهَب، وقد جَعَلَه وَصفاً لِعَذابِه، فجُعِلَ وَصفاً لِمَن لا يَبلُغُه عَذابُه.

والحاصِلُ أنَّ المُهَدَّدينَ أخَذوا كَلِمةَ المُهَدِّدِ فوَزَنوهُ بِها.


حَصيلة

تَعودُ الباءُ التي نُزِعَت حينَ يُعيدونَ القَول، وتَنتَقِلُ الإضافةُ ثَلاثَ خُطُواتٍ في أربَعِ آيات: رَبُّ رَجُلَين، ثُمَّ الذي فَطَرَهُم، ثُمَّ رَبُّهُم. ويُصَدَّرُ القَولُ بِـ«إِنَّا»، وهي أداةُ التَّوكيدِ التي شُدَّ بِها الكَلامُ عَلَيهِم مَرَّتَينِ في هذا المَشهَد. ثُمَّ لامُ التَّعليل، والفِعلُ بَعدَها من غ-ف-ر، وهو غَورٌ يَستُرُ ويَقي، لا مَحوُ أثَرٍ ولا نَفيُ وُقوع، والخَطايا من خ-ط-أ، وهو عُدولٌ يَقَعُ في غَيرِ مَوضِعِه، وقد جاءَ جَمعاً. ويُعطَفُ عَلَيهِ ما يَقولونَ إنَّهُم أُكرِهوا عَلَيه، فيَدخُلُ في طَلَبِ السِّترِ ولا يُستَثنى، وهو قَولٌ يُنقَلُ بِنَصِّه، لا تُصَدِّقُه الآيةُ ولا تُكَذِّبُه. ثُمَّ الخِتام: فقد نُصِبَ قَبلَ آيَتَينِ مِيزانٌ بِكَفَّتَين، وضُمَّ الطَّرَفانِ في ضَميرٍ واحِد، واختيرَ لِلمِيزانِ لَفظان: شِدّةٌ وبَقاء، ويُقالُ هُنا «خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ»، فجاءَ اللَّفظُ الثّاني بِحَرفِه وصيغَتِه، وتَبَدَّلَ الأوَّلُ من الشِّدّةِ إلى الخَير، وأُسقِطَ السُّؤالُ عن «أيِّنا» فلم تُذكَرْ إلّا الكَفّةُ الرّاجِحة. وقد حُدَّ قَضاؤُه قَبلَ آيةٍ بِـ«هذه الحَياةِ الدُّنيا»، فذُكِرَ البَقاءُ لِمَن وَراءَ الحَدّ. وب-ق-ي ثُبوتٌ يَمتَدُّ بَعدَ ذَهابِ ما ذَهَب، جَعَلَه وَصفاً لِعَذابِه فصارَ وَصفاً لِما لا يَبلُغُه عَذابُه، فالكَلِمةُ كَلِمَتُه والمِيزانُ مِيزانُه، والكَفَّتانِ مَقلوبَتان.