البقرة · الآية 286

﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ۖ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۚ أَنتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ۖ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۚ أَنتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ

(ك ل ف)+(و س ع): قاعِدةُ العَدلِ الإلهيّ

أصلُ جِذرِ (ك ل ف) إلزامُ ما فيه كُلفةٌ ومَشَقَّة، فالتَّكليفُ إلزامٌ بفِعلٍ فيه جُهد، وليسَ دَعوةً أو عَرضًا. وأصلُ (و س ع) السَّعةُ وعَدَمُ الضّيق، والوُسعُ اسمٌ مَصدَريٌّ بمَعنى الطّاقةِ القُصوى التي يَسَعُها الإنسانُ دونَ أن يَنكَسِر. وحَصرُ التَّكليفِ في الوُسعِ مَبدَأٌ ضابِطٌ لكُلِّ تَشريعٍ سَبَقَ في السُّورة، فكُلُّ ما أُمِرَ به المُؤمِنُ في آياتِ الصِّيام (183-187)، والحَجّ (196-203)، والإنفاق (261-274)، والدَّين (282) مَحصورٌ بهذه القاعِدة، والمَشَقّةُ وإن بَدَت خارِجيًّا لا تَتَجاوَزُ طاقةَ المُكَلَّف.

(ك س ب)+(ك س ب) المَزيد: الكَسبُ المُجَرَّدُ والمَكسَبُ المُتَكَلَّف

وتَستَعمِلُ الآيةُ جِذرَ (ك س ب) في صيغَتَين مُختَلِفَتَين: «ما كَسَبَت» مُجَرَّدٌ لِلخَير، و«ما اكتَسَبَت» على وَزنِ افتَعَلَ (وهو مِن صِيَغِ المُبالَغةِ أو التَّكَلُّف) لِلشَّرّ، وهذا الفَرقُ الصَّرفيّ مَقصودٌ مَعنَوِيًّا. فالخَيرُ يَأتي بالكَسبِ البَسيطِ المُجَرَّدِ كأنَّه الأصلُ الفِطريُّ للنَّفس، والشَّرُّ يَحتاجُ صيغةَ الافتِعالِ التي تَدُلُّ على الجُهدِ الزّائِدِ والمُعالَجةِ الدّاخِليّةِ لاقتِنائِه، والنَّفسُ تَقَعُ في السَّيِّئةِ بعَمَلٍ فيه تَكَلُّف، لا بتَدافُعٍ طَبيعيّ. وفي هذا تَلميحٌ لُغَويٌّ عَميقٌ إلى أنَّ الشَّرَّ ليسَ الحالةَ الأصلِيّةَ للنَّفسِ الإنسانيّة.

«لَها» و«عَلَيها»: اختِلافُ حَرفِ الجَرّ

ويَتبَيَّنُ أنَّ حَرفَ الجَرِّ في «لَها ما كَسَبَت» هو اللّامُ التي تَدُلُّ على المِلكِ والإضافةِ لمَنفَعَتِها، وفي «عَلَيها ما اكتَسَبَت» هو «على» التي تَدُلُّ على الحِملِ والعِبء، فالخَيرُ يُنسَبُ للنَّفسِ كأنَّه لَها، والشَّرُّ يُحَمَّلُ عَلَيها كأنَّه عَبءٌ فَوقَها، وهذه المُقابَلةُ في حُروفِ الجَرِّ تُؤَكِّدُ الفَرقَ المَعنَويَّ الذي أثارَته صيغتا (كَسَبَت) و(اكتَسَبَت).

(ن س ي)+(خ ط أ): خاتِمةُ الاعتِذارِ البَشَريّ

وأصلُ جِذرِ (ن س ي) الذُّهولُ عن الذِّكرِ بلا قَصد، وجِذرُ (خ ط أ) للفِعلِ الذي يَحيدُ عن الصَّوابِ بلا تَعَمُّد، وكِلاهُما يَسقُطُ التَّكليفُ فيه شَرعًا، غَيرَ أنَّ الدُّعاءَ «لا تُؤاخِذنا» يَطلُبُ الأمانَ حَتّى من تَبِعاتِهما الغَيبيّة. وجِذرُ (أ خ ذ) في صيغةِ (تُؤاخِذ) المَزيدِ بالمُفاعَلة يَدُلُّ على مُحاسَبةٍ تُقابِلُ الفِعلَ بالجَزاء، والنَّفيُ غَيرُ مُنكِرٍ لوُقوعِ النِّسيانِ والخَطَأ، والمُرادُ به طَلَبُ أن لا يَكونا في مِيزانِ المُحاسَبة.

(ح م ل)+(أ ص ر): الحِملُ الثَّقيلُ الذي حُمِّلَه السّابِقون

وأصلُ جِذرِ (ح م ل) رَفعُ الشَّيءِ ونَقلُه، وأصلُ (أ ص ر) العَقدُ والحَبسُ والثِّقَل، والإصرُ في العَرَبيّةِ اسمٌ لِما يَثقُلُ ويَحبِسُ حامِلَه. والمَقصودُ بـ«الذينَ من قَبلِنا» مَن سَبَقَ مِنَ الأُمَمِ مِمَّن وُضِعَت عَلَيهم تَشريعاتٌ فيها ثِقَلٌ شَديدٌ بسَبَبِ مُخالَفاتِهم المُتَكَرِّرة، كما فَصَّلَتِ السُّورةُ في مَواضِعَ سابِقة. فالدُّعاءُ هنا وَعيٌ تاريخيٌّ واضِح، مَضمونُه ألّا نَقَعَ في مَوقِعِ مَن سَبَقَنا، وألّا تَكونَ تَشريعاتُنا عُقوبةً على خِلافٍ سابِق.

(ط و ق): ما لا طاقةَ لَنا به

وأصلُ جِذرِ (ط و ق) الإحاطةُ بالعُنُق، ومِنه الطَّوقُ الذي يُوضَعُ في العُنُق، واستُعمِلَ مَجازًا للقُدرةِ القُصوى كأنَّها طَوقٌ لا يُتَجاوَز. وطَلَبُ عَدَمِ التَّحميلِ بما لا طاقةَ به يُضيفُ بُعدًا ثانِيًا إلى «لا تَحمِل عَلَينا إصرًا»، فالأوَّلُ طَلَبُ عَدَمِ العُقوبةِ بتَشريعٍ مُثقِل، والثّاني طَلَبُ عَدَمِ وَضعِ ما يَتَجاوَزُ القُدرةَ البَشَريّةَ أصلًا. والمَبدَأُ القُرآنيُّ في أوَّلِ الآيةِ «لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفسًا إلّا وُسعَها» يَتَجَلّى في الإجابةِ الصّامِتةِ لهذا الدُّعاء.

(ع ف و)+(غ ف ر)+(ر ح م): السُّلَّمُ الثُّلاثِيُّ للرَّحمة

وأصلُ جِذرِ (ع ف و) المَحوُ والإذهاب، فالعَفوُ إزالةٌ كامِلةٌ لأثَرِ الذَّنب، ومَدارُ (غ ف ر) على السَّترِ والتَّغطِية، فالغُفرانُ سَترٌ لا مَحو، وأصلُ (ر ح م) الرِّقّةُ العَطوفةُ التي تَستَدعي الإحسان. فالسُّلَّمُ الثُّلاثِيُّ يَبدَأُ بالعَفو، وهو مَحوُ الأثَر، ثُمَّ الغُفران، وهو سَترُ ما بَقي، ثُمَّ الرَّحمة، وهي العَطاءُ الذي يَجبُرُ النَّقص، والدُّعاءُ على هذا يَتَدَرَّج: امحُ الذَّنبَ، ثُمَّ استُر ما بَقي من أثَر، ثُمَّ اجعَل مَكانَه إحسانًا.

(و ل ي): «أنتَ مَولانا»

وجِذرُ (و ل ي) يَجمَعُ القُربَ والنُّصرةَ والحَليفَ والسَّيِّد، فالمَولى الذي يَلي أمرَ مَن هو مَولاه، فيَنصُرُه ويَرعاه ويُدَبِّرُ شَأنَه. وقَولُ الجَماعةِ «أنتَ مَولانا» إعلانٌ بأنَّ الولاءَ الأعلى لله لا لغَيرِه، من قَبيلةٍ أو سُلطانٍ أو عَقدٍ بَشَريّ، وعلى هذا الإعلانِ يَقومُ ما يَأتي بَعدَه من طَلَبِ النَّصر.

(ن ص ر)+(ق و م)+(ك ف ر): خِتامُ السُّورةِ بطَلَبِ النَّصر

وأصلُ جِذرِ (ن ص ر) العَونُ عِندَ مُواجَهةٍ مَعَ خَصم، وجِذرُ (ق و م) يَدُلُّ على الجَماعةِ التي تَقومُ بأمرٍ مُشتَرَك، وأصلُ (ك ف ر) التَّغطِيةُ والسَّتر، ومِنه اللَّيلُ لأنَّه يَستُرُ الأشياءَ بظَلامِه. والكافِرُ في اصطِلاحِ القُرآنِ مَن يُغَطّي الحَقَّ بعَدَمِ تَصديقِه أو بصَرفِ النَّظَرِ عنه. فالسُّورةُ التي بَدَأَت بـ«هُدًى للمُتَّقين» (الآية 2) ثُمَّ وَصَفَت «الذينَ كَفَروا» (الآية 6) تَنتَهي هاهُنا بإعلانِ مَوقِعِ الجَماعةِ المُؤمِنةِ أمامَ القَومِ الكافِرين، وهي جَماعةٌ مَولاها الله، فلا تُهزَم.

خاتِمةُ السُّورة: البِنيةُ الكامِلةُ في آيةٍ واحِدة

والمؤكَّدُ أنَّ هذه الآيةَ خُلاصةُ مِنهاجِ السُّورةِ كُلِّها، وفيها الإيمانُ بالعَدلِ الإلهيّ، والاعتِرافُ بالضَّعفِ البَشَريّ، والوَعيُ التّاريخيّ بمَن سَبَق، والالتِجاءُ إلى الرَّحمةِ بصِيَغِها الثَّلاث، والإعلانُ عن هُوِيّةِ الجَماعةِ أمامَ مَن يَرفُضُها. وإذا كانَت السُّورةُ فَتَحَت بتَصنيفِ النّاسِ إلى مُتَّقينَ وكافِرينَ ومُنافِقين، فإنَّها تَختِمُ بنِداءِ المُتَّقينَ يَطلُبونَ النَّصرَ على الكافِرين، فيَكتَمِلُ القَوسُ من الآيةِ الثّانيةِ إلى الآيةِ الأخيرة.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة، فدَورُ «الاعتِرافِ بالضَّعفِ في ساحةِ التَّكليف» يَسبِقُ دَورَ «الادِّعاءِ البَشَريِّ لاستِحقاقِ الأجر»، ودَورُ «اللهِ المَولى الذي يَنصُر» يَسبِقُ دَورَ «الجَماعةِ التي تَتَفاخَرُ بعَدَدِها أو بقُوَّتِها»، ودَورُ «خاتِمةِ الدُّعاءِ التي تَجمَعُ العَدلَ والرَّحمةَ والولاءَ» يَسبِقُ دَورَ «خاتِمةِ التَّشريعِ التي لا تَنتَهي إلّا بأمرٍ أو نَهي»، وبهذه الخاتِمةِ تَنتَهي سُورةُ البَقَرة.


حَصيلة

تَجمَعُ خاتِمةُ البَقَرةِ في دُعاءٍ واحدٍ ما تَفَرَّقَ في 286 آية، وتَفتَتِحُ بقاعِدةِ العَدلِ الإلهيّ: «لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفساً إلّا وُسعَها». والتَّكليفُ (ك-ل-ف) إلزامٌ فيه مَشَقّة، والوُسعُ (و-س-ع) الطّاقةُ القُصوى دونَ كَسر، وحَصرُ التَّكليفِ في الوُسعِ مَبدَأٌ ضابِطٌ لكلِّ تَشريعٍ سَبَق. ثُمّ تَأتي المُعادَلةُ الصَّرفيّة: «لها ما كَسَبَت وعَلَيها ما اكتَسَبَت»، والجِذرُ (ك-س-ب) مُجَرَّدٌ للخَير، وعلى صيغةِ الافتِعالِ (تَكَلُّفٍ زائد) للشَّرّ، فالخَيرُ يَجري بالكَسبِ البَسيطِ كأنّه الأَصلُ الفِطريّ، والشَّرُّ يَحتاجُ جُهداً مُتَكَلَّفاً لاقتِنائِه. ويُؤَكِّدُ حَرفُ الجَرِّ هذه الأَسيمَتريّة: «لها» مِلكٌ، و«عَلَيها» حِمل. ثُمّ ثَلاثُ أَدعِيةٍ تَعتَرِفُ بضَعفِ الإنسان: «لا تُؤاخِذنا إن نَسينا أَو أَخطَأنا»، و«لا تَحمِل عَلَينا إصراً كما حَمَلتَه على الذين من قَبلِنا» (الإصرُ في (أ-ص-ر) عَقدٌ يَحبِسُ ويُثقِل، والمَقصودُ التَّشريعاتُ التي وُضِعَت على مَن سَبَقَ مِنَ الأُمَمِ بسَبَبِ مُخالَفاتِهم)، و«لا تُحَمِّلنا ما لا طاقةَ لَنا به» (الطَّوقُ ما يُحيطُ بالعُنُق، فالطّاقةُ حَدُّ القُدرة). ثُمّ السُّلَّمُ الثُّلاثيُّ للرَّحمة: «اعفُ عَنّا، واغفِر لَنا، وارحَمنا»، فالعَفوُ (ع-ف-و) مَحوُ الأَثَر، والغُفرانُ (غ-ف-ر) سَترُ ما بَقي، والرَّحمةُ (ر-ح-م) عَطاءٌ يَجبُرُ النَّقص. ثُمّ الإعلانُ: «أَنتَ مَولانا فانصُرنا على القَومِ الكافِرين»، والمَولى (و-ل-ي) القَريبُ الذي يَلي أَمرَ مَن وَلِيَه، فالولاءُ الأَعلى لله، لا لقَبيلةٍ ولا عَقدٍ بَشَريّ، والكُفرُ (ك-ف-ر) في أَصلِه التَّغطية. والسورةُ التي فُتِحَت بـهُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ ووَصَفَت «الَّذينَ كَفَروا» في الآيةِ السادسةِ تَختِمُ هنا بنِداءِ المُتَّقينَ يَطلُبونَ النَّصرَ على القَومِ الكافِرين، والقَوسُ يَنغَلِقُ من الفاتحةِ إلى الخاتِمة، ويَجتَمِعُ مَنهَجُ السورةِ كلُّه في دُعاءٍ واحد.