البقرة · الآية 58

﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَٰذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ ۚ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَٰذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ ۚ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ

«ادْخُلُوا هَٰذِهِ الْقَرْيَةَ»: الجذر (ق ر ي) = مَوضِعُ ضيافَةٍ يَنبُعُ من مَركَز

«قَريَة» من جذر (ق ر ي)، وهي مَركَزٌ ذو قُوَّةٍ (قر) يَمتَدُّ ويَتَّصِلُ (ي) فَيُصبِحُ مَوضِعَ اجتِماعٍ وضِيافَة، وليسَت «قَريَةً صَغيرَةً» بِالمَعنى الحَديث. ومِن الجَذرِ نَفسِه «القِرى»، أي الضِّيافَة، وهي ما يُقَدَّمُ لِلضَّيفِ الوارِدِ عَلى المَكان. وقَولُ الحَقِّ ادْخُلُوا هَٰذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ يَصِفُ مَوضِعاً مَأهولاً لَه بِنيَةٌ واستِضافَة، ولا يَصِفُ أَرضاً خَلاءً يَستَوطِنونَها. ثُمَّ «فَكُلوا مِنها حَيثُ شِئتُم رَغَداً»، و«رَغَد» من جذر (ر غ د)، ومَعناه سَعَةٌ هَنيئَةٌ بِلا تَضييق، فَالإذنُ عامٌّ في المَوضِعِ كُلِّه، والمَرجِعُ فيه مَشيئَةُ الدّاخِل لا مَنعٌ خارِجيّ. وهذا الإذنُ الواسِعُ في مَوضِعٍ قائِمٍ لَه بُنيَتُه يَستَدعي من الدّاخِلِ هَيئَةً تَليقُ بِالدُّخول.

«ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا»: الجذر (س ج د) = انحِناءُ جَسَدٍ لا رَفعُ قامَة

و«سُجَّداً» من جذر (س ج د)، وهو انحِناءُ الجَسَدِ انحِناءً تامّاً يَتَخَلّى فيه القائِمُ عَن رَفعِ قامَتِه. والجَذرُ يَصِفُ كُلَّ هَيئَةٍ تَتَخَلّى عَن الاستِعلاءِ أَمامَ مَوضِعٍ جَديد، ولا يَقتَصِرُ عَلى سُجودِ الصَّلاة. والبابُ هو المَوضِعُ الأَضيَقُ في جِدارِ القَريَة، يَمُرُّ فيه مَن خَفَضَ رَأسَه واعتَرَفَ بِأَنَّ لِلمَوضِعِ جِدارَه وبُنيَتَه، ولا يَمُرُّ فيه مَن بَقِيَ مُنتَصِباً بِنَفسِه. فَالأَمرُ بِالسُّجودِ في البابِ شَرطٌ هَندَسيٌّ قَبلَ أَن يَكونَ شَرطاً أَخلاقيّاً، إذ مَن لَم يَنحَنِ لَم يَستَطِع عُبورَ الفَتحَةِ أَصلاً. وفي هذا تَوضيحٌ لِماهيَّةِ الانتِقالِ من «خارِجِ» المَوضِعِ إلى «داخِلِه»، وهو أنَّه لا يَمُرُّ إلّا جَسَدٌ قَبِلَ انحِناءَه.

«قُولُوا حِطَّةٌ»: الجذر (ح ط ط) = لَفظٌ يَحمِلُ بِنيَةَ إنزالِ الثِّقل

و«حِطَّة» من جذر (ح ط ط)، وهو تَنقِيَةٌ (ح) بِإنزالٍ مُضاعَف (طط)، أَي وَضعُ ما كانَ فَوقَ الظَّهرِ أَرضاً. والأَمرُ يُعَلِّقُ الدُّخولَ عَلى صيغَةٍ يَحمِلُها اللِّسانُ تَحمِلُ بِنيَةَ طَلَبِ الإنزال، ولا يُعَلِّقُه عَلى لَفظَةٍ سِحريَّةٍ مَخصوصَة. وكَما أنَّ «إفشاءَ السَّلام» لا يَنحَصِرُ في لَفظِ «السَّلامُ عَلَيكُم»، كَذلكَ «قَولُ حِطَّةٍ» قائِمٌ في بِنيَتِها، غَيرُ مُنحَصِرٍ في لَفظِها، أي أَن يَخرُجَ من اللِّسانِ ما يَدُلُّ عَلى أَنَّ الحامِلَ يَطلُبُ وَضعَ ثِقلِه. والتَّبديلُ الذي وَقَعَ بَعدَها في القَولِ تَبديلٌ لِبِنيَةِ الطَّلَبِ كُلِّها، ولَم يَكُن تَبديلَ حَرفٍ بِحَرف: طَلَبوا شَيئاً آخَرَ غَيرَ إنزالِ الثِّقل، فَخَرَجوا من بابِ الحِطَّةِ إلى بابٍ لَم يُفتَح لَهُم.

«نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ»: ثَلاثَةُ جُذورٍ في تَرتيبٍ واحِد

و«غَفَر» من جذر (غ ف ر)، وأَصلُه سَترٌ بِغِطاءٍ يَمنَعُ ظُهورَ الشَّيء، ومِنه «المِغفَر»، وهو ما يَستُرُ الرَّأسَ في القِتال. و«خَطايا» من جذر (خ ط أ)، وهو ما وَقَعَ عَرَضاً دونَ قَصدٍ كامِل، فهو يَخُصُّ الانحِرافَ غَيرَ المَقصود، ولا يَشمَلُ كُلَّ ذَنب. و«مُحسِنين» من جذر (ح س ن)، ومَعناه حَملُ ما هو أَجمَلُ وأَوفَرُ من المَطلوبِ الأَدنى. فَيَكتَمِلُ التَّرتيبُ: مَن دَخَلَ البابَ سُجَّداً وقالَ حِطَّةً حَمَلَ بِهَيئَتِه ولَفظِه طَلَبَ الإنزال، فَيُنزَلُ عَلى أَخطائِهِ العَرَضيَّةِ غِطاءٌ يَستُرُها، ثُمَّ تُزادُ عَلى ذلك زيادَةٌ لِمَن حَمَلَ أَكثَرَ مِمّا طُلِبَ مِنه، فَالسَّترُ مَشروطٌ بِالانحِناء، والزِّيادَةُ مَشروطَةٌ بِحَملِ الأَجمَلِ فَوقَ الأَدنى.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: فـ«القَريَة» مَوضِعُ ضِيافَةٍ لَه بُنيَتُه، و«الدُّخولُ سُجَّداً» شَرطٌ هَندَسيٌّ في مَوضِعِ البابِ الأَضيَق، و«حِطَّة» بِنيَةُ طَلَبٍ لا لَفظَةٌ بِعَينِها، و«المُحسِن» مَن زادَ عَلى هَيئَةِ الدُّخولِ الأَدنى. فَالدَّورُ المَطلوبُ حَملُ هَيئَةٍ ولَفظٍ يَحمِلانِ مَعاً بِنيَةَ إنزالِ الثِّقل، وليسَ إعلانَ هُوِيَّةٍ دينيَّة. ومَن خالَفَ هذه البِنيَةَ بَقِيَ خارِجَ البابِ حَتّى ولَو كانَ أَمامَ عَتَبَتِه.


حَصيلة

دُخولُ القَريَةِ مَشروطٌ بِهَيئَةٍ وكَلِمَة: السُّجودُ عِندَ البابِ وقَولُ حِطَّة. و(س-ج-د) هُنا تَخَلٍّ عَن القِيامِ المُستَقِلِّ التّامّ، وهَيئَةُ الدُّخولِ مُنحَنِياً تُترجِمُ هذا المَعنى، أي لا يَدخُلُ أَحَدٌ واقِفاً مُكتَمِلَ الاستِقلال. و«حِطَّة» من (ح-ط-ط) إنزالٌ وتَخفيف، أي طَلَبُ رَفعِ الثِّقل، وهي اعتِرافٌ بِالحِملِ قَبلَ طَلَبِ الغُفران. والمُكافَأَةُ مُضاعَفَة: مَغفِرَةُ الخَطايا وزِيادَةٌ لِلمُحسِنين. والرَّغَدُ من (ر-غ-د) سَعَةٌ وهَناء، والدُّخولُ بِالانحِناءِ والكَلِمَةِ الصّادِقَةِ يَفتَحُ لِصاحِبِه البَلَدَ بِرَغَدِه، ولا يُضَيِّقُ عَلَيه. والهَيئَةُ عِندَ البابِ هي الشَّرطُ الدّاخِليُّ لِدُخولٍ لا يَكسِرُ مَوضِعَ الدّاخِل، وليسَت إذلالاً.