اللُّبث

lubth جذر · ل-ب-ث 6 مَواضِعَ في القرآن
التَّعريف الجَذريّ
لُزومُ المَوضِعِ حَتّى يَتَراكَمَ عَلَيهِ الزَّمَن. المُصحَفُ المَنشورُ لا يَكتُبُ الجَذرَ إلّا ومَعَهُ مِقدارٌ يُعَدُّ بِه.

تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر

  • ل: تَعَلُّقٌ والتِصاقٌ وحَوز. شِحنَتُه: تَعَلُّقٌ يَحوزُ مَوضِعَه.
  • ب: احتِباسٌ وضَغط. شِحنَتُه: احتِباسٌ يُمسِكُ ما اتَّصَلَ بِه.
  • ث: كَثافةٌ وتَجَمُّعٌ دَقيق.

شِحنَتُه: تَجَمُّعٌ كَثيفٌ يَتَّصِلُ ويَغزُر.

النَّواةُ لب (ل + ب) = تَعَلُّقٌ مَحبوس: ما لَزِمَ مَوضِعَهُ فأُمسِكَ عَلَيه ولَم يُفلِت. الإغلاقُ بـث يَجعَلُ هذا اللُّزومَ يَتَكاثَفُ ويَغزُرُ بِطولِ الأمَد، فيَصيرُ الجَذرُ: لُزومُ مَوضِعٍ يَتَراكَمُ فيه الزَّمَنُ حَتّى يَصيرَ مِقداراً.

ومنه في كَلامِ العَرَب: لَبِثَ بِالمَكانِ أقامَ بِه ولَزِمَه، والتَّلَبُّثُ المُكثُ اليَسير، واللَّبيثةُ الجَماعةُ تَجتَمِعُ فَتُقيم.

الشِّحنةُ الجامِعة: مُقامٌ يَلزَمُ مَوضِعَهُ فيَتَراكَمُ زَمانُهُ حَتّى يُقَدَّرَ ويُعَدّ.

وهذا التَّراكُمُ يَكشِفُ أمراً في المَنشور: لا يَرِدُ الجَذرُ إلّا ومَعَهُ مِقدار، «يَوماً» و«عَشراً» و«قَليلاً» و«سِنينَ» و«مِائةَ عام». فالفِعلُ لا يُخبِرُ عن حُضورٍ فَحَسب، بَل عن زَمَنٍ اجتَمَعَ على صاحِبِه، ولِذلكَ يَستَدعي العَدَّ استِدعاءً ويَقَعُ السُّؤالُ عَنهُ بِـ«كَم».

الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن

  • لَبِثْتَ (ماضٍ مُسنَدٌ إلى المُخاطَب)، ٢:٢٥٩: صيغةُ السُّؤالِ

عن المِقدار.

  • لَبِثْتُ (ماضٍ مُسنَدٌ إلى المُتَكَلِّم)، ٢:٢٥٩: صيغةُ الجَوابِ

من داخِلِ التَّجرِبة.

  • لَّبِثْتَ (الصّيغةُ نَفسُها بَعدَ «بَل» وقَد أُدغِمَت لامُها)،

٢:٢٥٩: صيغةُ التَّصحيح.

  • فَلَبِثْتَ (ماضٍ مَعطوفٌ بِالفاءِ في سِياقِ التَّذكير)، ٢٠:٤٠.
  • لَّبِثْتُمْ (ماضٍ مُسنَدٌ إلى جَماعةِ المُخاطَبين)، ١٧:٥٢

و٢٠:١٠٣ و٢٠:١٠٤: صيغةُ التَّقديرِ الجَماعِيِّ بَعدَ البَعث.

  • يَلْبَثُونَ (مُضارِعٌ مَنفِيّ)، ١٧:٧٦: الصّيغةُ الوَحيدةُ

المُستَقبَلةُ في المَنشور.

الجَذرُ قبلَ الوَزن: اللُّزومُ المُتَراكِم، من الحُروف. والصِّيَغُ

كُلُّها من الثُّلاثِيِّ المُجَرَّد، فلا يُضيفُ الوَزنُ إلى الجَذرِ

إلّا الإسنادَ والزَّمَن: الماضي يَجعَلُ اللُّبثَ مادّةً لِلعَدِّ

بَعدَ انقِضائِه، والمُضارِعُ يَجعَلُهُ مُدّةً تُقتَطَعُ قَبلَ

وُقوعِها.

الفُروق المَعنويّة

لا فَرعَ مُستَقِلّاً لِلجَذرِ في المَنشور. ويُفارِقُ اللُّبثُ ما يُجاوِرُهُ في المَعنى: المُكثُ إقامةٌ يُنظَرُ فيها إلى الثَّباتِ لا إلى المِقدار، والصَّبرُ حَبسُ النَّفسِ على المَكروه، واللُّبثُ وَحدَهُ هو الذي يُقاسُ ويُسأَلُ عن قَدرِه.

المَواضع: مَواقعُ اللُّبثِ في المُصحَف (إضافةٌ تَراكُميّة)

  • ٢:٢٥٩ ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتَ ۖ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ

يَوْمٍ ۖ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ﴾: مَوضِعُ الافتِتاح. ثَلاثُ صِيَغٍ لِلجَذرِ في مَجلِسٍ واحِد: سُؤالٌ بِـ«كَم» يَجعَلُ اللُّبثَ مِقداراً قَبلَ كُلِّ شَيء، ثُمَّ جَوابٌ يُقَدِّرُهُ من داخِلِ التَّجرِبةِ فيَنقُصُ حَتّى يَبلُغَ «بَعْضَ يَوْمٍ»، ثُمَّ تَصحيحٌ يَرُدُّهُ إلى «مِائَةَ عَامٍ». فالمَوضِعُ يُثَبِّتُ أنَّ اللُّبثَ يُعاشُ ولا يُعلَمُ قَدرُه، وأنَّ صاحِبَهُ أعجَزُ النّاسِ عن عَدِّه.

  • ١٧:٥٢ ﴿وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾: الجَديدُ:

اللُّبثُ يَنتَقِلُ من الواحِدِ إلى الجَماعة، ومن مَجلِسِ المُساءَلةِ إلى يَومِ الدَّعوة. والفِعلُ هُنا داخِلٌ في حَيِّزِ «تَظُنُّونَ»: التَّقديرُ ظَنٌّ يَقومُ بِأصحابِه، لا خَبَرٌ عن الأمَد. والمِقدارُ يَنكَمِشُ إلى «قَلِيلًا» بِلا عَدَدٍ يَحُدُّه.

  • ١٧:٧٦ ﴿وَإِذًا لَّا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾:

الجَديدُ: أوَّلُ مُضارِعٍ، وأوَّلُ نَفي. واللُّبثُ يَنقَلِبُ من مُدّةٍ مَضَت تُقَدَّرُ بَعدَ انقِضائِها إلى مُدّةٍ لَم تَأتِ تُقتَطَعُ قَبلَ وُقوعِها. وهو أوَّلُ مَوضِعٍ يَتَعَلَّقُ اللُّبثُ فيه بِمَوضِعِ غَيرِ صاحِبِه: «خِلَافَكَ»، فالمُقامُ مَشدودٌ إلى خُروجِ غَيرِهِم لا إلى مُقامِهِم.

  • ٢٠:٤٠ ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾: الجَديدُ:

المِقدارُ يُذكَرُ هُنا من جِهةِ مَن قَدَّرَهُ لا من جِهةِ مَن عاشَه، فيَخرُجُ الجَوابُ صَحيحاً لِأوَّلِ مَرّة: «سِنِينَ». وهو أوَّلُ لُبثٍ في المَنشورِ يُعَدُّ من النِّعَمِ لا من الحَسرة، يَقَعُ داخِلَ سِلسِلةِ الامتِنانِ ويَنتَهي إلى ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍ﴾: المُقامُ الطَّويلُ مَرحَلةٌ في تَدبيرٍ، لا فَراغٌ بَينَ حادِثَتَين.

  • ٢٠:١٠٣ ﴿إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا﴾: الجَديدُ: التَّقديرُ

يُعطى عَدَداً مَحدوداً لِأوَّلِ مَرّةٍ على ألسِنةِ الجَماعة، ويُدارُ بَينَهُم في خُفوتٍ لا يُرفَعُ بِه صَوت. فالعَدَدُ هُنا ثَمَرةُ تَشاوُرٍ خافِتٍ بَينَ المَبعوثين، لا حُكمٌ يُعلَن.

  • ٢٠:١٠٤ ﴿إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا

يَوْمًا﴾: الجَديدُ: العَدَدُ يَنكَمِشُ مَرّةً أُخرى، ومَن يَنطِقُ بِأصغَرِ المِقدارَينِ هو «أمثَلُهُم طَريقة». فأقرَبُ القَومِ إلى السَّدادِ أشَدُّهُم استِقلالاً لِلُبثِه، والمِقدارُ كُلَّما دَنا من الصَّوابِ في الحُكمِ نَقَصَ في العَدّ.

التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى

  • yawm: اليَومُ هو الوِحدةُ التي يُقاسُ بِها اللُّبثُ في

٢:٢٥٩ و٢٠:١٠٤، وفي المَوضِعَينِ يَقَعُ التَّقديرُ بِه دونَ الحَقيقة.

  • ba3th: البَعثُ هو الذي يَفتَحُ سُؤالَ اللُّبث: ٢:٢٥٩

تَجعَلُ السُّؤالَ تالِياً لِلبَعثِ مُباشَرةً، و١٧:٥٢ و٢٠:١٠٣ تَجعَلانِ التَّقديرَ أوَّلَ كَلامِ المَبعوثين.

  • ajal: الأجَلُ حَدُّ المُدّةِ المَضروبُ لَها، واللُّبثُ

امتِلاءُ تِلكَ المُدّةِ من داخِلِها. ولِذلكَ يُعلَمُ الأجَلُ ويُجهَلُ قَدرُ اللُّبث.

  • mawt: ٢:٢٥٩ تُدخِلُ اللُّبثَ من بابِ الإماتةِ لا من بابِ

الإقامة، فالمُدّةُ التي لا يُحِسُّ بِها صاحِبُها أطوَلُ ما يُقَدَّرُ في المَنشور.

الإشكالات المَفتوحة

  • **لِماذا يَنقُصُ التَّقديرُ كُلَّما اقتَرَبَ صاحِبُهُ من

السَّداد؟** المَواضِعُ الثَّلاثةُ الأخيرةُ تُنقِصُ المِقدارَ وتَرفَعُ قائِلَه: «قَلِيلًا» ثُمَّ «عَشْرًا» ثُمَّ «يَوْمًا» على لِسانِ أمثَلِهِم طَريقة. والحُروفُ تُعطي أنَّ اللُّبثَ تَراكُمٌ يُحَسُّ بِثِقَلِه؛ فمَن خَفَّ عَلَيهِ الزَّمَنُ قَلَّ عِندَهُ مِقدارُه. وهَل النُّقصانُ صِفةُ الحالِ أم صِفةُ القائِل، مَسأَلةٌ لا يَقطَعُ فيها المَنشورُ بَعد.

  • هَل يَحتَمِلُ الجَذرُ لُبثاً لا مِقدارَ مَعَه؟ كُلُّ مَواضِعِ

المَنشورِ مَقرونةٌ بِعَدَدٍ أو بِـ«قَليل»، فلا شاهِدَ فيه على لُبثٍ مُطلَق. والمَسأَلةُ مَوقوفةٌ على ما يُنشَرُ بَعدُ.

مَواضِعُ هذا المَفهومِ في القرآن