البقرة · الآية 259

﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِي هَٰذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ۖ فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ ۖ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ ۖ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ۖ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ ۖ وَانظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ ۖ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا ۚ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِي هَٰذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ۖ فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ ۖ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ ۖ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ۖ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ ۖ وَانظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ ۖ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا ۚ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ

«أو كالَّذي»: عَطفٌ عَلى قِصَّةِ إبراهيمَ بِتَنويعِ النَّموذَج

«أو» عاطِفةٌ تَدُلُّ عَلى تَخييرٍ بَينَ نَموذَجَين لا عَلى استِدراكٍ ناسِخ. أي أنَّ الآيةَ السّابِقةَ (258) قَدَّمَت نَموذَجَ المُحاجَّةِ الكَلاميَّةِ مَعَ المَلِكِ، وهَذِه الآيةُ تَقَدَّمُ نَموذَجَ الاستِبعادِ الذِّهنيِّ مَعَ رَجُلٍ مُستَبصِر. وأُلاحِظُ أنَّ الاثنَين في سِياقِ آيةِ «اللهُ وَليُّ الَّذينَ آمَنوا»: النَّموذَجانِ يَعرِضانِ كَيفَ يَخرُجُ العَبدُ مِن ظُلُماتِ الإنكارِ والاستِبعادِ إلى نورِ الإحياء. فَإبراهيمُ يَخرُجُ بِالحُجَّةِ، وهَذا يَخرُجُ بِالتَّجرِبة.

(م ر ر) و(ق ر ي) و(خ و ي) و(ع ر ش): مَشهَدُ القَريةِ المُنهارة

«مَرَّ عَلى قَرية». (م ر ر) أصلُه الاجتِيازُ بِالشَّيءِ دونَ اتِّخاذِه مَقصودًا. فَالرَّجُلُ لَم يَكُن قاصِدًا القَريةَ بَل مُجتازًا. والقَريةُ مِن (ق ر ي) أصلُه الجَمع، ومِنه قَريةٌ لِلمَكانِ الذي يَتَجَمَّعُ فيه النّاس. و«خاوية» مِن (خ و ي) أصلُه الخَلاءُ والفُراغ. و«عُروشِها» جَمعُ عَرش، مِن (ع ر ش) أصلُه ما يُرفَعُ فَوقَ الرَّأس، ويُطلَقُ عَلى سَقفِ البَيتِ أو العَريشِ المُرتَفِع. وأُبَيِّنُ أنَّ قَولَه «خاويةٌ عَلى عُروشِها» صورةٌ دَقيقة: السُّقوفُ سَقَطَت أوَّلًا، ثُمَّ سَقَطَت الجُدرانُ عَلَيها. هَذِه مَرحَلةٌ مِن التَّهَدُّمِ أكبَرُ مِن مُجَرَّدِ الخَراب.

«أنَّى يُحيي هَذِه اللهُ بَعدَ مَوتِها»: سُؤالُ استِبعاد لا إنكار

«أنَّى» أداةُ استِفهامٍ لِلكَيفيَّةِ أو المَكان. ودَلالةُ السّؤالِ ليسَت الإنكار، بَل الاستِبعاد. والفَرقُ دَقيق: المُنكِرُ يَقول «لن يُحيي»، والمُستَبعِدُ يَقول «كَيفَ يُحيي؟». فَالرَّجُلُ مُؤمِنٌ بِقُدرةِ الله، لَكِنَّه يَستَبعِدُ المَشهَدَ الخَياليَّ لِلبَعث. أُشيرُ إلى أنَّ القُرآنَ لَم يُوَبِّخ السّائِل، بَل أجابَه بِتَجرِبةٍ شَخصيَّة. وهَذا نَموذَجٌ لِلرِّفقِ بِالسُّؤالِ الاستِبعاديّ.

(م و ت) و(ب ع ث): الإماتةُ والإعادةُ كَجَوابٍ تَجرِبيّ

«فَأماتَه اللهُ مائةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَه». «أماتَه» صيغةُ إفعال، أي أنَّ الإماتةَ فِعلٌ إلَهيٌّ مُباشِر. و«بَعَثَه» مِن (ب ع ث) أصلُه إرسالُ الشَّيءِ إلى وَجهَتِه بَعدَ سُكون. ومائةُ عامٍ مُدَّةٌ تَكفي لِتَغَيُّرِ كُلِّ مَعالِمِ العَصر. أؤَكِّدُ أنَّ القُرآنَ اختارَ «مائةَ عام» دونَ «ألف» أو «خَمسين»، لأنَّها المُدَّةُ المِثاليَّةُ لِوُقوعِ تَغَيُّرٍ كامِلٍ في الطَّبَقةِ الاجتِماعيَّةِ (ثَلاثةُ أجيالٍ أو أربَعة)، مَعَ بَقاءِ إمكانِ تَذَكُّرِ ما قَبلَها مِن جيلٍ قَديمٍ جِدًّا.

(ل ب ث) و(ي و م) و(ب ع ض): تَذبذُبُ الإحساسِ بِالزَّمَن

«كَم لَبِثتَ؟ قال: يَومًا أو بَعضَ يَوم». (ل ب ث) أصلُه المُكثُ والبَقاء. وتَرَدُّدُ الرَّجُلِ بَينَ «يَومًا» و«بَعضَ يَوم» يَكشِفُ أنَّ الإحساسَ الداخِليَّ بِالزَّمَنِ لا يُطابِقُ الزَّمَنَ الكَونيَّ. وهَذا دَليلٌ تَجرِبيٌّ بَليغ: النَّفسُ التي ماتَت لا تَشعُرُ بِمُرورِ الوَقت. وقَد كانَ هَذا هو الجَوابُ الحَقيقيُّ عَلى سُؤالِه «أنَّى يُحيي هَذِه؟»: فَالإحياءُ لا يَحتاجُ إلى إعادةِ بِناءِ الزَّمَنِ، بَل إلى إعادةِ الوَعيِ فَحَسب. لَحظةٌ واحِدةٌ تَكفي لِأن يَشعُرَ الإنسانُ بِأنَّ القَرنَ مَضى كَيَوم.

(ط ع م) و(ش ر ب) و(س ن ه): حِفظُ المادَّةِ خارِجَ قانونِ الزَّمَن

«فَانظُر إلى طَعامِكَ وشَرابِكَ لَم يَتَسَنَّه». الجَذرُ (س ن ه) أصلُه العام، ومِنه «السَّنة». و«لَم يَتَسَنَّه» أي لَم تَمُرَّ عَلَيه السَّنواتُ بِأثَرِها. أُلاحِظُ أنَّ بَعضَ القُرّاءِ يَقِفونَ عَلى «يَتَسَنَّ» ويَحذِفونَ الهاء، وبَعضُهم يُثبِتونَها، ولِكُلٍّ وَجهٌ قُرآنيٌّ مُسَجَّل. والدِّلالةُ الأعمَق: الطَّعامُ والشَّرابُ كِلاهُما مِن أسرَعِ ما يَفسُدُ عَلى الزَّمَن، فَبَقاؤُهما سَليمَين دَليلٌ قاطِعٌ عَلى خُروجِ المَشهَدِ مِن قانونِ الزَّمَنِ المُعتاد.

(ح م ر): الحِمارُ البالي كَإثباتِ المُرورِ الزَّمَنيّ

«وانظُر إلى حِمارِك». لَم تُذكَر حالةُ الحِمارِ صَراحةً في هَذا المَوضِع، لَكِنَّ السِّياقَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الحِمارَ بَليَ وتَحَلَّل، لأنَّ الآيةَ بَعدَه تَقولُ «وانظُر إلى العِظامِ كَيفَ نُنشِزُها». فَالطَّعامُ لَم يَتَسَنَّه والحِمارُ تَحَلَّل. أؤَكِّدُ أنَّ هَذا التَّقابُلَ ليسَ اعتِباطًا: أرادَ اللهُ أن يَعرِضَ عَلى الرَّجُلِ قانونَ الفَسادِ الطَّبيعيِّ في الحِمارِ وقانونَ الحِفظِ الإلَهيِّ في الطَّعام، لِيَفهَمَ أنَّ كُلَّ ما هو في الطَّبيعةِ تَحتَ القُدرةِ، يَبقى كَما كانَ أو يَتَحَلَّلُ، كِلاهُما بِإذنِ اللهِ لا بِضَرورةٍ مُستَقِلَّة.

«ولِنَجعَلَكَ آيةً لِلنّاس»: الشّاهِدُ بَعدَ السّائِل

«الواو» عاطِفةٌ، و«اللّام» لِلتَّعليل. أي أنَّ أحَدَ أسبابِ هَذا الحَدَثِ أن يُصبِحَ الرَّجُلُ آيةً لِلنّاس. وأُبَيِّنُ أنَّ هَذا تَحَوُّلٌ جَوهَريٌّ في دَورِه: كانَ سائِلًا، فَصارَ دَليلًا. كانَ يَسأَلُ عَن القُدرة، فَصارَ نَموذَجًا تَمشي بِه القُدرةُ أمامَ النّاس. وهَذِه دَلالةٌ دَعَويَّةٌ عَميقة: اللهُ يَحَوِّلُ أحيانًا السّائِلَ إلى جَوابٍ، والشّاكَّ إلى يَقينٍ مَمشيٍّ بِه. فَلَم يَكُن الجَوابُ لَه وَحدَه بَل لِلنّاسِ مِن خِلالِه.

(ع ظ م) و(ن ش ز) و(ك س و) و(ل ح م): مَراحِلُ الإحياءِ أمامَ العَينِ المُشاهِدة

«وانظُر إلى العِظامِ كَيفَ نُنشِزُها ثُمَّ نَكسوها لَحمًا». (ن ش ز) أصلُه الارتِفاعُ والبُروز، ومِنه نَشَزَ العَظمُ أي رُفِعَ مِن مَوضِعِه. وتَركيبُ العِظامِ لا يَحدُثُ بِوَضعٍ أُفُقيٍّ بَل بِرَفعٍ مُتَسَلسِل: كُلُّ عَظمٍ يُنشَزُ ويُستَنهَضُ. و(ك س و) أصلُه تَغطيةُ الشَّيءِ بِالثَّوب. ومِنه «نَكسوها لَحمًا»: اللَّحمُ ثَوبٌ لِلعِظام. أُشيرُ إلى تَرتيبِ المَشهَد: أوَّلًا رَفعُ العِظام، ثُمَّ كِساءُها بِاللَّحم. وهو تَرتيبٌ يُطابِقُ عِلمَ الأجِنَّةِ الحَديثَ الذي يَصِفُ الهَيكَلَ العَظميَّ قَبلَ العَضَلات. لَكِنَّ الآيةَ لَم تَقِف عِندَ الإعجازِ العِلميّ، بَل قَدَّمَت التَّرتيبَ كَتَأكيدٍ عَلى التَّدَرُّجِ المَرئيّ.

(ب ي ن) و(ع ل م) و(ق د ر): الخاتِمةُ بِلِسانِ اليَقين

«فَلَمّا تَبَيَّنَ لَه قالَ أعلَمُ أنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيءٍ قَدير». (ب ي ن) أصلُه الانفِصالُ بَينَ الشَّيئَين، و«تَبَيَّنَ» صارَ واضِحًا لا يَحتَمِلُ الشَّكّ. وانتِقالُ الرَّجُلِ مِن «أنَّى يُحيي» إلى «أعلَمُ أنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيءٍ قَدير» تَحَوُّلٌ كامِل: مِن الاستِبعادِ إلى العِلم، ومِن التَّخصيصِ (هَذِه القَريةَ فَقَط) إلى التَّعميمِ («عَلى كُلِّ شَيء»). أؤَكِّدُ أنَّ الآيةَ خَتَمَت بِـ«قَدير» لا بِـ«يُحيي»، لِتَشمَلَ كُلَّ صِفاتِ القُدرة، لا صِفةَ الإحياءِ وَحدَها.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة، فَدَورُ «الإحياءِ التَّجرِبيِّ لِلسّائِل» يَسبِقُ دَورَ الجَوابِ الكَلاميِّ لِلاستِبعاد، ودَورُ «السّائِلِ الذي يُحَوَّلُ إلى آيةٍ لِلنّاس» يَسبِقُ تَصَوُّرَ السّائِلِ كَخَصمٍ يُنتَظَرُ إقناعُه.


حَصيلة

يَفتَتِحُ المَشهَدُ بِعابِرٍ (م-ر-ر) اجتازَ قَريةً (ق-ر-ي) خَاوِيةً (خ-و-ي): سُقوفُها انهارَت عَلى جُدرانِها. سُؤالُه أَنَّىٰ يُحْيِي هَٰذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ ليسَ إنكارًا بَل استِبعادًا ذِهنيًّا: المَعالِمُ انهارَت تَمامًا، فَكَيفَ تَتَجَمَّعُ ثانيةً؟ الجَوابُ ليسَ كَلامًا بَل تَجرِبة: إماتةٌ مائةَ عامٍ ثُمَّ بَعثٌ (ب-ع-ث). والأوَّلُ الذي يَتَبَيَّنُ لَه هو مَعيارُ الزَّمَنِ: وَعيُه الداخِليُّ يَقولُ يَومًا أو بَعضَ يَوم، لَكِنَّ المائةَ عامٍ ماضية. الطَّعامُ لَم يَتَسَنَّه (س-ن-ه) لِأنَّه في رِعايةِ اللهِ خارِجَ قانونِ الفَساد، والحِمارُ تَحَلَّلَ لِأنَّ الطَّبيعةَ سارَت بِناموسِها. التَّقابُلُ مَقصود: كِلاهُما بِإذنِ الله، كِلاهُما دَليل. ثُمَّ تَتَوَّجُ الآيةُ بِالمَشهَدِ المُركَّب: وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾، رَفعٌ ثُمَّ كِساء، هَيكَلٌ ثُمَّ نَسيج. والرَّجُلُ لا يَكتَفي بِالمُشاهَدة، بَل يُصبِحُ نَفسُه آيةً لِلنّاس: دَورُ السّائِلِ يَتَحَوَّلُ إلى دَورِ الدَّليل. والخاتِمةُ لا تَقولُ «أعلَمُ أنَّه يُحيي» بَل أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: التَّجرِبةُ وَسَّعَت اليَقينَ مِن الإحياءِ إلى عُمومِ القُدرة.